تعرض عالم الأوبئة الشهير جلبرت برنهام لهجوم قاسٍ بعدما أصدر إحصاءً العام الماضي يشير فيه إلى أن أكثر من 600 ألف عراقي قد قُتلوا في الحرب العراقية، حيث اتهمته الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والحكومة العراقية بتلفيق تلك الأرقام التي وصفوها بأنها مبالغ فيها إلى حد كبير.

وبمرور الوقت ظهر من يناصر هذا الخبير، الذي يعد إحصاء عدد القتلى في المناطق الملتهبة في العالم مصدر كسب العيش بالنسبة له ولفريق عمله، حيث اتضح أن هناك عدداً من الخبراء البريطانيين يتفق معه فيما أورده من إحصائيات. وقد أجرت مجلة «نيوساينتست» العلمية حواراً مؤخراً مع برنهام دار حول الأسلوب الذي اتبعه في إحصائه لعدد القتلى العراقيين أثناء الحرب الدائرة حالياً. وفيما يلي نص الحوار:

*هناك تقديرات جاهزة بالفعل عن عدد القتلى في العراق. لماذا إذاً تقدم على عمل دراسة خاصة بك عن عدد القتلى هناك؟

ـ هدفنا لم يكن سياسياً. فمركزنا يعمل في مجال الدراسات الخاصة باللاجئين والمنكوبين بسبب الكوارث الطبيعية، وهذا هو ببساطة نوع الدراسات التي نقوم بها.

كما أن الدراسات المشابهة الأخرى، مثل «إحصاء الجثث العراقية»، الذي تشترك فيه مجموعة من الأكاديميين المتطوعين والنشطاء الذين يقيمون في بريطانيا والولايات المتحدة تعتمد على تقارير منشورة في الصحف الإنجليزية في الوقت الذي تركز فيه تلك الصحف على الأخبار في المقام الأول وليس على الإحصائيات.

وهذا الإحصاء العراقي بالتحديد يصدر معلوماته أساساً باللغة الإنجليزية وعن طريق أشخاص لا يستطيعون تغطية إلا أجزاء صغيرة من بغداد وذلك في الوقت الذي تشهد فيه محافظات أخرى مثل الأنبار أعمال عنف أكبر وأكثر سوءاً. كما أن التقارير الصحافية وإعلانات النعي في الصحف تسجل أعداد الذين يتوفون في أعمال العنف فحسب، في حين أن الذين يتوفون في الحرب يموتون نتيجة أسباب أخرى كثيرة.

*عدد القتلى الذي أصدرته يفوق بكثير الرقم الذي ذكره «إحصاء الجثث العراقية». فما السبب الذي يدعونا إلى الوثوق بالطريقة التي استخدمتها في إحصائك؟

ـ لأنه أفضل إحصاء يقيس مدى ضخامة العبء الذي يمثله هذا الصراع على أكتاف الشعب. كما أنه يجري استخدامه في كل أنحاء العالم؛ فقد اُستخدم في الكونغو وفي أتشه بعد كارثة تسونامي، وفي إحصاء عدد القتلى في دارفور وأنغولا وأوغندا واستخدم أيضاً في تقدير العنف الذي مارسه الصرب ضد الألبان في كوسوفو وكدليل في محاكمة الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش.

* ما هو السبب من وجهة نظرك وراء حملة النقد التي شنت ضد الإحصاء؟

ـ لأنه بالطبع ينطوي على نتائج لا تحمل أخباراً سعيدة. كما إنه يرتبط بحرب تسببت في انقسام المشاركين فيها. بعض الناس شعر بأننا لا نؤيد القوات المشاركة في الحرب وبأننا لسنا وطنيين. أنا لست غاضباً من هذا الهجوم. فأنا بوسعي أن أتفهم وجهة نظرهم لأنني خدمت في حرب فيتنام.

فهؤلاء الجنود الموجودون في العراق متطوعون ونواياهم طيبة ووجدوا أنفسهم في بيئة قاسية وصعبة للغاية. فنحن بوصفنا اختصاصيين في علوم الأوبئة، فإنه بوسعنا إصدار أرقام وإحصائيات وتفسير جيد للطريقة التي استخدمناها في الوصول لهذه الإحصائيات، ولكن أن تحظى تلك الأرقام بقبول دولي أو شعبي فهذه ليست مهمتنا على الإطلاق.

* كيف شعرت عندما رأيت الرئيس الأميركي نفسه يهاجمك؟

ـ ليس من قبيل المفاجأة أن ترى مسؤولين مرتبطين بشدة بهذه الحرب يهاجمونك.

* ماذا عن الأسلوب الذي انتهجته في عمل الإحصاء؟

ـ نحن قمنا بدراسة مسحية «عنقودية» قمنا خلالها بتقسيم العراق إلى «عناقيد»، وقمنا باختيار عدد معين من كل محافظة بشكل عشوائي وأرسلنا أطباء عراقيين لزيارة الأهالي في بيوتهم كي يعرفوا منهم عدد الأشخاص الذين ماتوا بأي طريقة في كل عائلة هناك، على أن يكون الذين يجري إحصاؤهم قد عاشوا في العراق خلال الأشهر الثلاثة الماضية على الأقل. وقد استخدمنا تلك الأرقام للوصول إلى معدل الوفاة في هذه «العناقيد» ومن ثم توصلنا لإجمالي معدل الوفاة في البلد بأكمله. الأمر المهم في هذا الصدد هو التأكد من أنك تتحدث إلى عدد كافٍ من الأشخاص وأنه لا يوجد أي تحيز في عملية الاختيار.

* كيف كانت استجابة العراقيين لفريق عملك؟

ـ الانطباع العام الذي كان لدى فريق العمل هو أن العراقيين كانوا سعداء في التحدث معهم. لقد شعروا بنوع من الرضا الذاتي لأن هناك من يعتني بهم وكانوا شغوفين بالتحدث عما مروا به من تجارب.

* هل يمكنك أن تثق بما قاله العراقيون أثناء تلك المقابلات؟

ـ الناس يمكن أن ينسوا التواريخ الحقيقية، ولكن الوفاة هي حدث جلل ومن ثم فإنهم لا ينسونها على الإطلاق، ومن أجل مزيد من التحقق فإن فريق العمل لدينا كان يطلب شهادات الوفاة وكانت النتيجة هي أن 90% من الذين طُلب منهم إحضار تلك الشهادات قدموها بالفعل.

* هل كانت هناك أشياء كنت تريدها ولم تستطع أن تجعل فريقك يسأل عنها؟

ـ كنا نخشى على سبيل المثال السؤال عن كيفية وفاة من قُتل وذلك لأن مثل هذا السؤال كان يمكن أن يعطي الانطباع بأننا نمثل جماعة تبحث عن أهداف محددة، الأمر الذي كان يمكن أن يعرض حياة الفريق للخطر. كما لم نكن نميز بين الذين يشتركون في عمليات القتل وبين من هم متمرسون في القتال، وذلك لأن مثل تلك الأسئلة كانت حساسة للغاية.

* هل كانت هناك أشياء تحد من فعالية الأسلوب التي انتهجته؟

ـ الخوف على سلامة فريق العمل لدينا كان يساعد على تحديد طبيعة البحث والدراسة. فالنتيجة الأفضل هي الوصول إلى تقدير لحجم الوفيات في كل ولاية عراقية، ولكن الوصول لتلك النتيجة كان سيتطلب عدداً أكبر من عناقيد العمل؛ وباعتبار أن لكل «عنقود» طبيعة ومخاطر خاصة به فإننا اخترنا تكوين رقم قومي عام.

كما أنه لم يكن باستطاعتنا استخدام أجهزة تحديد المواقع» جي بي إس»، كما استخدمناها في عام 2004. ففي ضوء تزايد حوادث تفجير السيارات عن بعد كان فريق العمل لدينا يخشى من أنهم في حال حملهم مثل تلك الأجهزة فإن هناك إمكانية رصدهم ومن ثم تعرضهم للقتل.

* ماذا كان البديل؟

ـ عدنا إلى الطريقة التي كنا نستخدمها قبل أن تتوافر لدينا مثل تلك المعدات. فقد قام فريق العمل بكتابة أسماء الشوارع الرئيسية في المحافظات التي جرت زيارتها على قصاصات من الورق ثم جرى اختيار اسم شارع واحد منها بشكل عشوائي. ونزل الفريق إلى هذا الشارع وكتبوا أسماء الشوارع السكنية المجاورة واختاروا أحدها بشكل عشوائي أيضا. وفي النهاية كانوا يذهبون إلى الشارع المختار ويكتبون أرقام المنازل به ثم يختارون أحدها أيضا بشكل عشوائي.

ثم يذهبون إلى المنزل المختار ويطرقون الأبواب حتى قاموا باستطلاع آراء 40 عائلة. الأمر كان أكثر تعقيداً من استخدام أجهزة (جي بي إس)، لكنه لم يكن أقل دقة، حيث كانت النتائج قريبة من النتائج التي أفرزتها الدراسة التي استخدمت فيها أجهزة جي بي إس. وكان فريق العمل يحرص على التخلص من قصاصات الورق التي يمكن من خلالها التعرف على عائلات معينة في حال أن يجري استجوابهم عند أي نقطة تفتيش.

ترجمة: حاتم حسين-عن «نيوساينتست»