في ختام هذا الكتاب يضع المؤلف يدنا على بعدين محددين يرى أنهما الأكثر أهمية وبحاجة إلى الوقوف أمامهما طويلاً بالبحث والتأمل تمهيداً للتحرك السريع، فهو يشير إلى أن الجهود المبذولة للوصول إلى بديل عملي للنفط ستواجه طريقاً مسدوداً، ومن ناحية أخرى فإنه يمكن للطلب على الطاقة والمنافسة من أجل الوصول إليها أن يصبحا مصدراً للحياة أو للموت بالنسبة للعديد من المجتمعات، وهو في غمار تناوله لهذين البعدين يناقش تجارب بالغة الأهمية في عالم النفط في روسيا وأذربيجان، ويشير إلى أن الدروس مطروحة أمام الأنظار، والمهم حقاً هو الاستفادة منها.
باكو، المدينة الساحرة، هي نفسها المدينة التي تحدث عنها ماركو بولو، الرحّالة الشهير، ووصف الزيت الذي يرشح من صخورها وأرضها المشرّبة بسائل أسود يستخدمه السكان من أجل التدفئة أو في بعض العقاقير. وقد روى بعض الرحّالة في نهاية القرن الثامن عشر أن قطعة من حبل حافظت على اللهب الذي يخرج منها بعد إلقائها في بحر قزوين ولم تنطفئ.
إن باكو، كما يصفها مؤلف هذا الكتاب، تنتمي من حيث سكانها وجغرافيتها إلى الشرق الأوسط. وكان سكانها قد انتموا إلى الفرس حتى ضمتهم روسيا عام 1813. ويمثل الأذربيجانيين 30 مليون نسمة في إيران، أي ما يقارب نصف عدد السكان. وكان ستالين قد أرسل في عام 1946 قواته لاحتلال ازربيجان الإيرانية. وقال يومها كلمته الشهيرة :(كل ما يجري في هذه المنطقة من العالم يثير اهتمامنا). كان ستالين قد وُلد في منطقة جورجيا المجاورة.
وكان هتلر قد أراد خلال الحرب العالمية الثانية أن يسيطر على باكو وعلى منطقة بحر قزوين. وقد ردد باستمرار لمساعديه المقرّبين قوله: زإن حقول نفط باكو تشكل المصدر الرئيسي لتزويدنا بالنفطس. بل وكانت تلك المنطقة هي أحد أهداف الجيش الألماني عام 1941.
كان احتلال شمال إيران هو الأزمة الأولى آنذاك بين الشرق والغرب، وقد أعلنت تلك الأزمة بداية الحرب الباردة كما أظهرت مدى اهتمام الدكتاتور الشيوعي بها. وقد اعتقد عندما احتلها أنه أوجد بعدا إستراتيجيا حقيقيا لبلاده. لكن واشنطن ولندن اللتين كان لشركاتهما النفطية الكبرى حضور كبير في إيران دخلتا في امتحان قوة حقيقي أرغم موسكو على التراجع والانسحاب من شمالي إيران.
لكن مبادرة ستالين كانت ترمي أيضا، بل وأساسا، إلى إعادة بناء اقتصادها المخرّب، والذي كان بحاجة إلى كميات كبيرة من الطاقة. وكانت حقول باكو تنتج في عام 1946، أي بعد نهاية الحرب العالمية مباشرة، كميات أقل بنسبة 30 بالمئة مما كانت تنتجه عند اندلاع تلك الحرب. وبالتالي كانت محط أطماع ستالين للحصول على أقصى ما يمكن من البترول.
وكان النظام القيصري في نهاية القرن التاسع عشر يمنح الامتيازات النفطية لمن يدفع أكثر. وينقل المؤلف عن المؤرخ ليونارد موسلي قوله: زوصلت المزايدات إلى ما يعادل مليون يورو من أجل شراء أراض لم تكن قبل فترة وجيزة تساوي سنتيما واحدا.
وما إن تمّت الصفقة حتى شرع المالكون الجدد في الحال بنصب المنشآت وبدأوا بالتنقيب من دون أي تأخير. إنهم لم يكونوا في الواقع بحاجة إلى التساؤل عن الموقع الذي ينبغي عليهم الحفر فيه. ذلك أن الأراضي المباعة بالمزاد العلني لم تكن سوى تلك التي كان الأهالي يحفرون فيها آبارا بأيديهم منذ فترة طويلة من الزمن».
لقد عرفت باكو حالة ثراء سريع لشريحة من الأغنياء. ولم يتأخر كبار تجار الذهب والمجوهرات الباريسيين وغيرهم عن فتح فروع لمتاجرهم في المدينة. ويشير المؤلف إلى أن أغنى رجل فيها كان شخصاً أرمنياً يدعى الكسندر مانتاشوف وكان يؤكد، كما ينقل عنه، قوله: (الضعفاء وحدهم هم الطيبون، لأنهم لا يملكون القوة التي تسمح لهم أن يكونوا أشراراً).
إن إلدورادو الشرق هذه كانت مصدر الثروة التي جمعتها أسرة سويدية هي أسرة الأخوين نوبل اللذين أصبحا بسرعة كبيرة أكبر منتجين للنفط في المنطقة، ولم يسيطرا على الإنتاج فقط، وإنما أيضا على النقل بواسطة براميل كبيرة عبر الخطوط الحديدية.
تغيير نمط الحياة
في نهاية القرن العشرين، كان النفط لا يزال في قلب جميع الرهانات في باكو مثلما كان الأمر قبل قرن من الزمن. ورائحة النفط موجودة أيضا في الهواء الذي يستنشقه البشر. لكن سكان باكو أنفسهم لم يستفيدوا كثيرا من الثروات المنبثقة من أرضهم مهما كان النظام السياسي القائم. فالقيصرية والشيوعية والرأسمالية لم تغيّر شيئا. ففي هذه البلاد ذات الثمانية ملايين نسمة الذين يقيم 2 مليون منهم في العاصمة، هناك بطالة تصيب 70 بالمئة من القادرين على العمل ومتوسط المرتب الشهري أقل من 150 دولارا.
كانت الزيارة الأولى التي قام بها فلاديمير بوتين بعد انتخابه رئيسا لاتحاد الجمهوريات الروسية هي إلى باكو. وكانت أيضا الزيارة الأولى لمرغريت تاتشر، القريبة جدا تاريخيا من شركة بريتش بتروليوم ومن الصناعة النفطية عموما، بعد أن تركت منصب رئاسة الحكومة هي إلى باكو عام 1992. هاتان الزيارتان ليستا بمحض الصدفة وإنما تتطلبان عودة قصيرة إلى الوراء، كما يقول المؤلف.
في عام 1945 تفاوض ستالين مع تشرشل حول بند سري يتعلق بالسماح لاحقا لشركة النفط البريطانية -بريتش بتروليوم- بتقديم خبرتها بالنسبة للبحث في حقول منطقة بحر قزوين. هذا التعاون، المؤطّر جيدا، لم يدخل في حيّز التطبيق سوى في عام 1951 عندما عاد ونستون تشرشل إلى السلطة. وقد كوفئ بالمقابل بواسطة مبيعات النفط الروسي. كان هدف ستالين هو الحصول على دعم بريطانيا، القوة المتقهقرة إنما القوة النفطية الفاعلة من الطراز الأول، وذلك على الجهة الأخرى من الحدود، أي في إيران.
كان القائد الروسي يلعب لعبة مزدوجة. ففي عام 1948 عرضت قيادة أركان الجيش السوفييتي على المكتب السياسي للحزب، وبناء على طلبه، خطة كبيرة لعمليات عسكرية تتضمن هجوما خاطفا على منطقة الخليج تشارك فيها قوات مدرّعة مكونة من خمسين فرقة. بعد عامين، وتحديدا في نوفمبر 1950، نظّمت موسكو ندوة مكرّسة للشرق الأوسط جرى فيها بحضور موفدين عديدين من البلدان العربية التفكير ب(وسائل حماية المنطقة النفطية في الاتحاد السوفييتي وفي الوقت نفسه ضم مصادر الطاقة في البلدان المتاخمة).
كانت المشكلة التي واجهها ستالين هي نفسها التي واجهها من خلفوه، وتمثلت في التخلّف الكبير الذي كانت تعاني منه التقنية النفطية السوفييتية. وكانت هذه الهوة تتسع باستمرار. وقد قدّر الخبراء النفطيون الغربيون آنذاك أن هناك فارقا يزيد عن 30 سنة تعاني منه موسكو في ميداني التنقيب والحفر.
وفي عام 1980 كانت الشركات الغربية تستطيع أن تسبر جوف الأرض حتى عمق 20 كيلومترا بينما لم تستطع الشركات السوفييتية أن تذهب أبعد من 5 كيلومتر. وما كانت الشركات الغربية تنجزه في ستة أشهر كانت الشركات السوفييتية تستغرق فيه ثلاث سنوات. لكن من السهل الوصول إلى نفط منطقة بحر قزوين وإيران ومنطقة الخليج.
وفي عام 1991 أدّى انهيار الإمبراطورية الشيوعية إلى حرمان موسكو من أحد مصادر تزويدها الرئيسية بالبترول. فأزربيجان البعيدة والمهملة من قبل السلطة المركزية لعقود طويلة غدت دولة مستقلة، ولكن في الوقت نفسه محط جميع الأطماع.
ويشير المؤلف في هذا السياق، اعتمادا على معلومات نشرتها (الصنداي تايمز)، أن (بريتش بتروليوم) لعبت دورا في الانقلاب العسكري في ازربيجان عام 1993 والذي أطاح بالرئيس المنتخب ديمقراطيا لأول مرّة ويتم وصفه على أنه كان ذو نزعة استقلالية متشددة وليس حقا المحاور الباعث للإطمئنان والأكثر طواعية بالنسبة للمجموعة البترولية.
معلومات (الصنداي تايمز) مصدرها تقرير للأجهزة السرية التركية يصف بالتفصيل التحضيرات للانقلاب العسكري واللقاءات التي تمّت مع مسؤولين في الشركة النفطية الانجليزية للنقاش حول اتفاق (الأسلحة مقابل النفط).
وينقل المؤلف في هذا الإطار عن ضابط الاستخبارات العسكرية التركية السابق، الذي كان يحضر الاجتماعات التي ضمّت ممثلين ومسؤولين مهمين في شركات بريتش بتروليوم وإكسون وأموكو وموبيل والشركة النفطية التركية. كان الهدف هو الحصول على حقوق بتروليةس. ويدل التقرير المعني بوضوح أن بريتش بتروليوم واموكو اللتين شكّلت الشركة الازربيجانية الدولية للنفط كانتا (وراء الانقلاب الذي أطاح بالرئيس وأدى إلى مقتل 40 شخصا).
ويشير المؤلف أنه حصل على معلومات في عين المكان من أشخاص أصرّوا على عدم ذكر هويتهم تدل على أن عملاء من جهاز الاستخبارات البريطاني (ام-16) كانوا موجودين في باكو. وقد نسجوا صلات مع رؤساء المافيات المحلّية من أجل تجنيد الرجال الضروريين. ثم إن عملية الإطاحة برئيس البلاد قد جرت تقنيا بعناية احترافية فائقة ومدروسة بدقة من ألفها إلى يائها.
ويتم التأكيد في هذا السياق على وجود علاقات قوية بين الشركات النفطية الدولية وحيدر علييف، رجل ازربيجان القوي في زمن الاتحاد السوفييتي والذي كان أول مسلم يصبح عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي آنذاك.
وصل حيدر علييف إلى السلطة من جديد في أزربيجان عام 1994 وتحوّل الشيوعي السابق إلى مؤيد متحمس للرأسمالية. لقد وقع بعد توليه الرئاسة بفترة قليلة اتفاقا مع شركة بريتش بتروليوم وعدة شركات نفطية غربية أخرى بقيمة 5 مليارات جنيه استرليني ويتعلق باستغلال حقول النفط في منطقة بحر قزوين.
وينقل المؤلف في هذا السياق عن أحد العاملين مع جهاز سرّي أوروبي في أزربيجان أن معلومات عديدة تقاطعت لديه وتدل على أن الولايات المتحدة وإسرائيل تستخدمان أراضي أزربيجان كقاعدة خلفية من أجل تسريب القوات الخاصة التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ولجهاز الموساد الإسرائيلي إلى الأراضي الإيرانية من أجل رصد المواقع العسكرية والنووية في أفق فرضية إمكانية القيام بعمل عسكري. وتتم هنا الإشارة إلى أنه إذا كان هذا محتملا، فإنه من المستحيل تأكيد أحد لصحته.
الرهان النفطي الكبير
يتمثل الرهان الأكبر خلال الثلاثين سنة الماضية في خط أنابيب النفط المنطلق من باكو حتى مرفأ سيهان ومرورا بجورجيا وبعدها بتركيا والبالغ طوله 1750 كيلومترا من بحر قزوين وحتى البحر الأبيض المتوسط والذي يسمح لشركة بريتش بتروليوم اموكو، المسؤولة عن تنفيذ المشروع، وشركائها أن يتجنبوا المرور عبر روسيا. عمل في تلك الورشة 12ألف شخص لمدة تزيد عن عامين، وبكلفة إجمالية بلغت 6. 3 مليارات دولار.
تضم المجموعة التي تملك المشروع من مجموعة من الشركات ذات الجنسيات المختلفة مثل بريتش بتروليوم ب1. 30 بالمئة من الأسهم وسوكار بنسبة 25 بالمئة ويونوكال بنسبة 9. 8 بالمئة وغيرها. ومن الملفت للانتباه تقديم البنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة التعمير والتنمية لمساهمات في المشروع.
بينما البنك الدولي يموّل، حصرياً، مشاريع للتنمية في بلدان العالم الثالث مثلما يفعل البنك الأوروبي في أوروبا الشرقية، وليس من مهمتهما نجدة الشركات النفطية عبر استثمار مئات الملايين من الدولارات في صناديق عامة. بالمقابل ليس هناك أي خطر بالنسبة للتمويل الذي قدمته الشركات النفطية التي أقامت حساباتها على أساس سعر برميل 25 دولار. هذا السعر قد جرى تجاوزه كثيرا اليوم.
تشهد المنطقة مرور دوريات مستمرة تقوم بها طائرات هيلوكوبتر أميركية الصنع للتذكير بمدى حساسية الرهان وتعقيده بالنسبة لواشنطن، التي تراهن على موارد نفطية لمنطقة غير مستقرة سياسيا مع سعيها إلى عزل إيران واحتواء روسيا، الدولتين المجاورتين الأكثر قوة في المنطقة.
إن خط أنابيب النفط مُراقب على طوله، 1750 كيلومترا، من قبل دوريات مسلّحة باستمرار. ولكن أيضا وخاصة من قبل الأقمار الصناعية للتجسس التابعة لوكالة الفضاء الأميركية. البيت الأبيض يعتبر حماية خط أنابيب باكو تبليسي-سيهان أولوية بالنسبة له. مع ذلك، ورغم التصريحات الانتصارية لبريتش بتروليوم - أموكو وللسلطات الازربيجانية فإن الأمور لا تجري كما كان مقررا لها.
فكميات النفط المنقولة هي أقل كثيرا مما كان مأمولا، إذ لا تصل سوى إلى 300 ألف برميل في اليوم، بدلا من مليون برميل. ويعود هذا خاصة إلى واقع إعادة النظر بمخزونات الحقول باتجاه خفضها. ثم إن المشروع لم يكتمل تماما في الوقت الذي كان متوقعا أن تبدأ ناقلات النفط التزود بحمولتها من مرفأ سيهان اعتبارا من نهاية عام 2005.
تمثّلت منطقة المواجهة الرئيسية في جورجيا. وينقل المؤلف عن خبير نفطي عمل لمدة سبعة شهور في تنفيذ خط أنابيب باكو -تبليسي- سيهان قوله: (هذه البلاد لا تمتلك نفطاً وإنما خسرته بينما أن الشروط كلها مجتمعة كي تتقاضى غاليا الثمن المقابل لمروره في أراضيها.
حاولت شركة بريتش بتروليوم أن تمر أولا بالقوة. لكنها لم تنجح في ذلك. ثم تصرفوا بعد ذلك كشركاء محترمين أخذوا باعتبارهم المطالب المقدّمة فيما يخص الأمن أو البيئة. فسرّ الجورجيون ذلك الموقف كدليل على الضعف وفي عام 2004 قرروا توقيف الأشغال).
ويروي المؤلف في هذا السياق كيف أنه حجز ذات يوم مكانا في القطار السريع المنطلق من باكو باتجاه تبليسي والذي يربط بين العاصمتين ثلاث مرات أسبوعيا. كان ذلك القطار يحتوي على ثلاث عربات فقط إحداها مخصصة للطعام بينما كانت القطارات العادية تحتوي على 18 عربة.
عندما وصل إلى الرصيف استقبله الموظف المسؤول وقال له مبتسما: (إننا ننتظرك بفارغ الصبر، سيد لورانس. فعلق لوران قائلا: زلكنني لست متأخرا، هل وصل المسافرون الآخرون)؟ فأردف الموظف: (إنك المسافر الوحيد) وأضاف: (من المفترض أنك تعمل مع شركة بريتش بتروليوم).
عندما وصل المسافر إلى تبليسي كان بانتظاره أحد معارفه، وهو وزير سابق للنفط في آخر حكومة بعهد شفرنادزة. وكانت جيورجيا قد عرفت حربا أهلية وسلطة استبدادية قبل أن تندلع (ثورة الزهور) عام 2003.
ويبدي مؤلف الكتاب استغرابه من تزامن ذلك التقدم الديمقراطي مع إرادة جورج دبليو بوش وفريقه تسريع بناء خط أنابيب باكو -تبليسي-سيهان. لكن (الأوهام) التي أثارتها تلك الثورة سرعان ما تبددت، وهذا ما تعبّر عنه بشكل ممتاز دعابة مفادها القول: (لقد حلّ أصحاب الملايين من الرأسماليين الجدد مكان أصحاب الملايين من الشيوعيين القدامى).
ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن النفط كامل الحضور في مختلف الصناعات والنشاطات منذ بدايات النهوض الكبير الذي عرفه العالم. وأن له (جماعات ضغط) في أعلى مستويات القيادة، لاسيما في البيت الأبيض والبنتاغون في أميركا. كما يؤكد أيضا عبر البراهين والأرقام أن تهديدات كبيرة تواجهها البيئة والمناخ من جرّاء تصاعد كميات هائلة من غاز الفحم الصادر من المصانع مما قد تكون له نتائج كارثية على العالم كله.
ويشرح المؤلف حالة (العماء) التي يعيشها الغرب بالنسبة للنفط والغياب الكامل للمسؤولية في استهلاكه، حيث أن الحقول التي تشكّلت على مدى ما يقارب 500 مليون سنة سيتم استنزافها على مدى قرن واحد فقط. هكذا سيكون النفط هو المادة الأولية التي عرفت أقصر عمر بعد اكتشافها،
بينما يسود الاعتقاد أن حالة الازدهار السائدة التي لا مثيل لها إنما هي أبدية. لكن الواقع شيء آخر فهذا الازدهار الذي وُلد مع النفط سوف يزول معه. والخطر الأكبر هو أننا نعيش اليوم في عالم هش ومحفوف بالمخاطر وبأسباب قيام النزاعات والحروب باسم الأمن القومي والأمن الغذائي المرتبطين بشكل وثيق.
تضليل إعلامي
تحت عنوان (تزييف وتضليل إعلامي) يقول المؤلف أنه ينبغي الاعتراف اليوم أن سيطرة النفط لم تكن سوى فاصل زمني قصير في تاريخ العالم، وأنه ليس هناك أي مصدر بديل للطاقة يمكن أن يحل محله وأن يسمح بتشغيل منظومات الإنتاج والتنمية السائدة.
والتزييف والتضليل الإعلامي يبلغان ذروتهما عندما تتم معرفة أن المنظومات البديلة - الطاقة الشمسية والهيدروجين والمفاعلات النووية، الخ، تعتمد على تقنية متقدمة مستفيدة من المعلوماتية إنما حيث يبقى البترول مادة أساسية.
يرى المؤلف أن جميع السيناريوهات المطروحة حول بدائل الطاقة تؤدي إلى نتيجة واحدة هي الفشل. الملاحظة الأولى التي يقدمها تفيد أنه إذا توفرت إمكانية تطوير بديل جديد ذي مصداقية وفعّال من أجل مواجهة شح النفط فإن ذلك يتطلب استثمارات مالية خرافية.
ويخشى أن تكون البنوك والمنظمات المالية كلها هي الضحية الأولى لنضوب النفط، فهو السلعة التي بررت القيام بعمليات إنفاق كبيرة في البداية وبنجاح لمدة عقود وإنما بنوع من العماء لاحقا. وبعد أن يشرح المؤلف واقع عدم دمج سيناريوهات مصادر الطاقة البديلة لفرضية النضوب السريع لموارد الطاقة ولسبل التزود بها في حساباتها، مع أنها فرضية لها ما يدعمها في الواقع، يؤكد على اقتناعه بأن النفط سوف ينضب بعد فترة من الزمن.
وقبول مثل هذا المنظور يعني بالضرورة تصور عالم غارق في التوترات أو الحروب. وينقل عن جيمس وولسي، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تصريحه قبل أثناء ندوة حول مصادر الطاقة المتجددة قوله: (أخشى أننا قد نكون في حالة حرب وليس لعدة سنوات وإنما طيلة عقود. إننا سوف ننتصر في النهاية، لكن مفتاح هذه الحرب سيكون النفط).
وفي يونيو 2005 نشرت (فينانشال تايمز) مقالا لوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر المعروف بصلاته الوثيقة بالعالم النفطي. وقد جاء في ذلك المقال قوله: (يمكن للطلب على الطاقة والمنافسة من أجل الوصول إليها أن يصبحا مصدرا للحياة أو للموت بالنسبة للعديد من المجتمعات).
ثم أضاف: (عندما تتبعثر الأسلحة النووية وتصبح في متناول ما بين ثلاثين أو أربعين بلدا ويتصرف كل منها بناءً على حساباته الخاصة، وبهذا القدر من التجربة أو ذاك، وبالاعتماد على منظومات مختلفة للقيم، فإننا سنكون أمام عالم مهدد باستمرار بكوارث وشيكة).
بهذه الكلمات لهنري كيسنجر يختتم اريك لوران هذا الكتاب.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف


