انفجار آخر تشهده الأزمة في باكستان، فالانفجار الأول كان بطله المجتمع المدني بمحاميه وقضاته، الذين طالبوا بفصل السلطات ونظام قضائي مستقل. وبموازاة ذلك الانفجار، اختارت مجموعة من الواعظين في مسجد إسلام آباد الذهاب باتجاه التحرك العنيف والمباشر، مطالبين بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، انطلاقا من ذلك المسجد غير البعيد كثيرا عن المباني الحكومية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف تمكنت هذه المجموعة، من دون مساعدة حكومة في لحظة ما، من السيطرة على أرض ثمينة إلى هذا الحد وبناء هذا المسجد والمدارس الملحقة به؟ مستحيل. فوالد الواعظين الاثنين الذي أدار العملية كان يعمل لدى جهاز المخابرات العسكرية قبل أن يظهر مشرف على الساحة بوقت طويل.
وبعد أن كانا يتلقيان التمويل والمساعدة من الحكومة، تم الإعلان عن أنهما خارجان عن القانون وقطعت عنهما الأرصدة. وحتى العام الماضي كان من الممكن لهذا الوضع أن يستمر، لكن لم تكن هناك عروض واضحة. والآن بات الوقت متأخرا كثيرا، فالجماعات المسلحة بادرت بإطلاق النار على الشرطة والجنود. وبذلت جهودا للوساطة، لكن أيا من الطرفين لم يتمكن من قبول طلبات الطرف الآخر. في حين تحدى العسكريون النظام وقاموا بضربتهم الدموية.
من الجدير بالملاحظة أنه لم تحدث عملية تعبئة للجماهير لا لدعم القضاة ولا الجماعة المسلحة. وبقيت الحشود في استكانة صامتة، فالمصالح محط الصراع لا يرون أنها مصالحهم. وتحالف الأحزاب الدينية، القوية في أقاليم الحدود الشمالية الشرقية، لم يحدد هوية المجموعة التي حولت المسجد والمدارس الملاصقة له، ولقد اقتصر موقفها على المطالبة باحترام حياة النساء والأطفال الأبرياء.
كل ذلك يطرح قضية قديمة، إلى أين يصل الاختراق الأيديولوجي في صفوف العسكريين؟ إن حالة التعقل غير العادية التي أبداها النظام منذ بضعة أشهر، عندما كان واضحا أن هذه الجماعات المسلحة كانت تعد العدة للمؤامرة، لا يمكن إلا أن تكون ناجمة عن الخوف من تعميق الانقسامات في صفوف القوات المسلحة.
وهناك أسئلة تطرح حول هوية صاحب فكرة تنظيم عملية خطف المواطنين الصينيين، التي جعلت من المستحيل على النظام الاستمرار في التعاطي مع المشكلة. وهذه الأسئلة قد تكمن الإجابة عليها في واقع أن مسألة القيام بعمل حاسم بدت ضرورة غير قابلة للتأجيل منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها المصالح القومية في اللعبة.
وصل مشرف إلى السلطة عام 1999 مع وعد بمجموعة إصلاحات قادرة على تحويل البلاد. لكنه أخفق في الوفاء بها جميعا، وقام بمقايضات مع زمرة من السياسيين سيئي الصيت وانتهى إلى إضعاف نفسه عندما قبل أن يصبح الرجل القوي للولايات المتحدة في المنطقة.
والسواد الأعظم من البلاد استمر بالتعفن، مما فتح مجالا للجماعات المسلحة بالاستعداد على أكمل وجه. وبينما كانت كل هذه الأمور تحدث في الداخل، اجتمعت الأحزاب السياسية المعارضة الـ 36، كبيرها وصغيرها، في لندن بهدف وضع إستراتيجية مشتركة لاستعادة الحكومة المدنية، لكن هذا الاجتماع انتهى من دون اتفاقات، وهو رمز لعجزها السياسي.
وترددت أنباء عن محاولة اغتيال جديدة ضد الجنرال مشرف، لكنه نجا منها. وحده انفجار حركة الجماهير من القاعدة بوسعه زعزعة المشهد العام، لكن الشعب يخوض حربا. ولقد تعرض للخيانة عدة مرات من قبل الجنرال والسياسيين. فلماذا التضحية بالأرواح سدى؟
عن «ربليون»
