أكد أنتوني كوردسمان، الخبير الدولي المرموق في شؤون الشرق الأوسط، أن التقسيم الحالي للأراضي الفلسطينية بين حركتي حماس وفتح هو أمر جد خطير يثير تساؤلات كثيرة. وفي حوار له مؤخرا مع صحيفة «نيويورك تايمز»، قال كوردسمان إنه ليس في مصلحة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الدخول في تحالف معلن مع إسرائيل، على الرغم من أن هذا التحالف موجود بالفعل الآن، على حد تعبيره.
وأضاف أن غزة لا يمكن أن تحيا اقتصاديا من دون مساعدات خارجية، في حين أن الضفة الغربية لديها إمكانات اقتصادية تؤهلها لأن تكون دولة قائمة بذاتها، مشيرا إلى أن المواجهة العسكرية بين الطرفين الفلسطينيين قد خففت بقدر كبير الضغوط التي واجهتها إسرائيل في الفترة الماضية. وفيما يلي نص الحوار.
* ثمة حالة انقسام مستشرية داخل الأراضي الفلسطينية حاليا. ففتح الآن تمسك بمقاليد الأمور في الضفة الغربية، في حين أن حماس تسيطر على غزة. إلى أي مدى يؤثر هذا الفصل في الأراضي الفلسطينية على أمن إسرائيل؟
ـ الأثر إلى حد ما يحمل طابع المفارقة. هناك الآن طرف معاد لإسرائيل مسؤول عن غزة. غير أن القطاع كان بالفعل معزولا بشكل كبير. ما يؤدي إليه الأمر بشكل فعلى هو أن هذا التقسيم قد تسبب في وضع خط فصل واضح المعالم، وفي تخفيف الضغط الذي وقعت تحته إسرائيل في الفترة الماضية كي تزيد من مساعدتها الاقتصادية إلى غزة وكي تفتح معابر بين غزة وإسرائيل وبين غزة والضفة الغربية أو كي تدخل في حوار مع حماس.
وستكون هناك أيضا مقاومة أقل ضد عمليات الاجتياح الإسرائيلية داخل غزة ومقاومة أقل لأي نوع من الإجراءات الاقتصادية أو الأمنية التي تتخذها إسرائيل. كما أن هذا الوضع إلى حد ما يمثل تهديدا لمصر التي ستجد أن هناك طرفا مناوئا لها في غزة،
الأمر الذي يمكن أن يؤدي أو لا يؤدي إلى أن تبذل القاهرة جهودا من أجل وقف عمليات التهريب عبر حدود سيناء أو عبر ممر فيلادلفيا الذي يفصل سيناء عن قطاع غزة. الأمر ينطوي على مشكلة بطبيعة الحال؛ ليس من الواضح ما إذا كان يمكن احتواء حماس داخل غزة أم لا. وفي الوقت نفسه فإن نظام حكم فتح اتسم بعدم الفعالية وبالوحشية في التعامل مع العمليات الأمنية.
* ماذا عن علاقة فتح بالإدارة الأميركية؟
ـ هناك مؤشرات إيجابية. لقد رفعت الحكومة الأميركية بالفعل العقوبات المفروضة على عناصر فتح في الضفة الغربية. وإذا نظرت إلى الحكومة التي عينها الرئيس محمود عباس، فستجد أنها تقودها شخصية اقتصادية فعالة وهو سلام فياض الذي يحظى باحترام عالمي كبير.
لقد تحدث الرجل عن تكوين حكومة من الخبراء التقنيين تضم عناصر من الضفة الغربية وغزة.و السؤال الذي يظل مطروحا هو: هل ستستطيع هذه الحكومة بالفعل التغلب على إرث الرئيس الراحل ياسر عرفات، والمتمثل في الانقسامات الموجودة داخل فتح وداخل السلة الفلسطينية، وهي الانقسامات التي تسببت في حدوث عدد كبير من المشكلات في الماضي؟
هل يمكن لهذه الحكومة التعامل مع مشكلات الفساد ومع حالة الغضب والاستياء الموجهة ضد هؤلاء العناصر التي جاءت مع عرفات إلى الأراضي الفلسطينية بعد أن كانت في المنفى في تونس، وهي العناصر التي يقول عدد كبير من الشباب الفلسطيني أنها تمثل قيادة فقيرة غير فعالة؟ الإجابة ليست واضحة، لكن من المؤكد أن الأمر سيكون أسهل في حال وجود دعم أميركي وإسرائيلي.
* هل هذا يعني توقف طويل للجهود الرامية إلى قيام دولتين إسرائيلية وفلسطينية؟
ـ ربما تكون الأمور قد اقتربت من حل الدولتين ولكن في حال تحقق هذا الحل ستكون الدولة الفلسطينية هي دولة الضفة الغربية. المشكلة في هذا الصدد تتمثل في أن الضفة الغربية لديها بعض الأمل في الوصول إلى استقرار اقتصادي.
فالتركيبة السكانية بها أقل سوءً والنمو السكاني لا يمثل مشكلة كبيرة كما أنها لديها موارد اقتصادية داخلية، في حين أنه بحسب كل التقديرات التي صدرت عن البنك الدولي ومصادر أخرى فإن غزة لا يمكن أن يكون لها اقتصاد قابل للحياة من دون مساعدة خارجية، وقد كان هذا الأمر واضحا حتى قبل اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000.
الآن وبعد مرور نحو سبعة أعوام من الحرب وبعد هذا النمو السكاني وبعد انهيار النظام المدرسي وقطع التعاون الاقتصادي بشكل فعلي مع إسرائيل، فإن غزة تحولت إلى مخيم لاجئين ضخم لا يملك أي أمل اقتصادي على الإطلاق.
أيضا، ماذا تعني بحل الدولتين؟ وذلك لأنه إذا كان هذا حلا، فإنه سيؤثر إيجابا فقط على الضفة الغربية ولكنه لن يراعي حق رجوع اللاجئين وليست له أي علاقة بالشتات الفلسطيني. وفي الوقت الذي يرى فيه العالم الآن غزة وهي تنهار من دون أن يصنع شيئا، فإن هذا الحل ليس حلا على الإطلاق.
*هل تعتقد أنه يمكن لجهة دولية مثل إحدى منظمات الأمم المتحدة أو الجامعة العربية أن تذهب إلى غزة؟
ـ لا أرى أن أي تدخل خارجي يمكن أن يكون فعالا. أولا، ليس من الواضح من هو الطرف الذي يمكنه التدخل. لم يحدث في غزة أن طرفا لا يتمتع بشعبية استطاع السيطرة على السلطة. فلو لم تكن بالفعل لها شعبية ضخمة داخل القطاع ولو لم تسقط السلطة الفلسطينية وفتح بشكل فعلى عند مواجهة ما يمكن وصفه بتهديد صغير نسبيا في ضوء الحجم العسكري لحماس والمعدات التي تحملها عناصر الحركة، لما استطاعت الحركة الإسلامية السيطرة على الأمور في غزة بتلك السرعة.
الأمم المتحدة ليست في موقع يسمح لها بالتدخل، كما أن البلدان العربية ستجد نفسها في موقف تقريبا لا مكان للنجاح فيه، حتى إذا قامت بتقديم دعم لعملية على الأرض هناك ثم تشرع في الوصول إلى اتفاق حول ما ستقوم به من أجل هيكلة الحكومة ومن ثم الوصول إلى نوع من أنواع التسوية.
الآن من الممكن لقوى خارجية مثل الجامعة العربية والمملكة العربية السعودية والأردن ومصر أن تتدخل. غير أن هناك شكا كبيرا على الأقل على المدى القصير في أي يحدث أي شيء خلال الفترة المقبلة أكثر من مجرد استقطاب؛ فعدد أكبر من أعضاء فتح والسلطة الفلسطينية سيرحلون عن غزة في حين سيغادر مؤيدو حماس من الضفة الغربية إلى غزة.
خلال عملية الاستقطاب هذه، فإن الخطر لن يكون في رؤية قوات أجنبية تأتي لحل المشكلات على الأرض، وإنما يمكن أن يتمثل في إقدام إسرائيل على عمل عسكري ضد غزة في الوقت الذي ستقوم فيه بتقوية مركز فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية.
* هذا هو سؤالي التالي. فهل ترى إمكانية قيام تحالف عسكري بين إسرائيل والرئيس الفلسطيني محمود عباس؟
ـ هناك بالفعل تحالف موجود على الأرض بينهما. ومن الواضح أنه تحالف غير فعال بشكل كبير. لقد حاولت الولايات المتحدة إعادة بناء الحرس الرئاسي وإنشاء قوة عسكرية رئاسية تواجه بها القوة الصاعدة لحماس. لقد أفرط الرئيس الراحل عرفات في تقسيم قوات السلطة الفلسطينية لدرجة أنها لم تعد فعالة على الإطلاق.
وتعرضت بقايا تلك القوات إلى مزيد من الدمار على أيدي إسرائيل في الفترة بين عامي 2000 و2007. فضلا على ذلك، كان هناك قدر كبير من الفساد وعدم الكفاءة بين صفوف قوات الأمن بالإضافة إلى وحشية التعامل مع الشعب، الأمر الذي أدى إلى استعداء عدد كبير من الفلسطينيين داخل غزة.
النتيجة في النهاية ستكون قيام تحالف سياسي بين الطرفين. وأنا متأكد من أنه سيكون هناك دعم أميركي متواصل للحرس الرئاسي. وقد تكون هناك محاولة لبناء قوة عسكرية للسلطة الفلسطينية وفتح في الضفة الغربية، وبالتأكيد ستعمل إسرائيل ضمنيا على دعم عباس. غير أن أي تحالف معلن بين الطرفين سيتسبب في ضرر وليس فائدة عباس والفلسطينيين المعتدلين.
ترجمة: حاتم حسين عن «نيويورك تايمز»

