يطلعنا المؤلف هنا على جانب مما يجري في كواليس عالم النفط وإدارته من قبل صانعي السياسات الأميركيين، ومن حق القارئ أن يقف طويلاً حيال ما ينقله المؤلف عن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من أنه حضر جانباً من فعاليات المؤتمر العالمي للنفط الذي عقد في مدريد عام 1992 وأن جيمس شليزنغر وزير الدفاع الأميركي الأسبق والملقب بقيصر الطاقة اعتلى المنبر ليقول بوضوح بالغ إنه من المسلي أكثر ضرب سكان الشرق الأوسط على قفاهم مقارنة بقبول الأميركيين للتضحيات.
في 8 أبريل 1988، وبعد ثماني سنوات من الحرب الطاحنة مع إيران، بدت بغداد في أوج قوتها مع جيش قوي لا مثيل له في الشرق الأوسط، حيث كان لديه 55 فرقة مقابل 10 فرق عام 1980 ومليون جندي جاهزين للقتال و500 طائرة و5500 دبابة (أي أكثر مما كان لدى الولايات المتحدة وألمانيا الغربية مجتمعتين).لكن كان للميدالية وجهها الآخر إذ أن وضعية العراق المالية كانت بالغة السوء. ذلك أنه كان يمتلك عند بداية تلك الحرب 30 مليار دولار من الاحتياطي النقدي الأجنبي. وبعد ثماني سنوات من الحرب بلغت ديونه مئة مليار دولار.كان صدام حسين يردد أمام جميع زائريه الأجانب أنه كان طيلة ثماني سنوات من الحرب مثل (درع حقيقية تحمي الأشقاء العرب من التهديد) ويضيف أنه ينتظر من الأغنى منه المساعدة من أجل تسديد الديون المترتبة على بلاده.
وفي 19 أبريل 1988، أي في اليوم التالي لإعلان وقف إطلاق النار بين العراق وإيران أعلنت الكويت عن زيادة إنتاجها البترولي، خاصة من حقل الرميلة، مما اعتبره الرئيس العراقي عملية تحريض مقصودة، لاسيما وأنها تزيد من العرض في سوق النفط ومن تسريع انخفاض أسعاره.
وفي مطلع عام 1990، اطّلعت العواصم العربية الرئيسية على تقرير سري عن حالة الاقتصاد العراقي، أعدّه أحد أهم المصرفيين في الشرق الأوسط. وقد أفاد التقرير أن العراق زاد من دخله النفطي من مليار دولار عام 1972 إلى 25 مليار دولار عام 1980، أي عام بداية الحرب مع إيران. وأكد التقرير أن العراق المكبّل بالديون لم يعد قادرا حتى على دفع فوائدها و(سوف ينتهج سياسة متهورة خطيرة والاستدانة بقروض يزيد معدّل فائدتها الفعلي عن 30 بالمئة سنويا).
جاء في الفقرة الأخيرة من التقرير: (إن صدام حسين على علم تام اليوم بوضعه المالي. فما هي الخيارات المتاحة أمامه في العراق نفسه؟ إنها خيارات عديدة. لكن هناك دائما الكويت على بعد عدة كيلومترات من جيشه المحتشد على شط العرب. والعراق بحاجة إلى منفذ على المياه المفتوحة للخليج). في مثل ذلك السياق قامت القوات العراقية في 2 أغسطس 1990 باجتياح الكويت. وأصابت الصدمة العالم كله بالذهول.
مع ذلك كانت التقارير منذ أشهر تنذر بالخطر. فهل كان الأمر نقصاً في الرؤية لدى واشنطن أم أنها تركت الأمور تسير، عن وعي، بذلك الاتجاه؟ هكذا يتساءل المؤلف. ويجيب إن صدام حسين سيطر بعمله ذاك على أكثر من 20 بالمئة من البترول المنتج في العالم كله.
السيناريو الكابوسي
حازت الأزمة التي انفجرت على اهتمام العالم كله. وكان لها وقع كبير في الولايات المتحدة لدى الرئيس جورج بوش الأب، الذي كان قد جنى أموالا كبيرة من امتيازات نفطية تعود إلى سنوات الخمسينات في الكويت. وكذلك بالنسبة للجنرال نورمان شوارزكوف الذي قاد لاحقا التحالف الدولي العسكري في الحرب ضد العراق، وكان والده، خريج أكاديمية (وست بوينت) مثله قد عمل كعميل متجول لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية التي أوفدته إلى طهران عام 1942 من أجل حماية أمن الشاه الذي كان قد جلس على العرش خلفا لأبيه.
ثم شارك عام 1953 في التنسيق للانقلاب الذي أعدته الوكالة الأميركية ضد رئيس الوزراء الإيراني آنذاك محمد مصدّق. وكان نورمان وهو في سن الثانية عشرة قد رافق والده إلى المملكة العربية السعودية عندما كان في مهمة تفاوضية فيها مع الملك عبد العزيز بن سعود، مؤسس المملكة.
كان الجنرال نورمان شوارزكوف على اقتناع بأن منطقة الخليج (حيوية بالنسبة لأمن الغرب ولاقتصاده). ويشير المؤلف إلى أن هذا الجنرال وجّه في نوفمبر، أي بعد ثلاثة أشهر من وقف إطلاق النار بين العراق وإيران، تقريرا سريا للبنتاغون جاء فيه: (إن أسوأ ما يمكن أن يحصل في منطقة الخليج هو أن يستولي العراق على آبار نفط السعودية. وبغداد تملك أقوى جيش في المنطقة وربما تملك رابع جيش في العالم، والسعودية قريبة وليس لنا قوات مرابطة في المنطقة).
ويشير المؤلف إلى أنه قابل الجنرال شوارزكوف مرتين. وقد تحدث له في إحداهما عن لقائه الأول مع ديك تشيني، وزير الدفاع الأميركي آنذاك في إدارة جورج بوش الأب. وقد سأل تشيني شوارزكوف قائلا: (من هو برأيك البلد الذي يشكل تهديدا أكبر بالنسبة لأمن الخليج، هل هو إيران أم العراق)؟ وكانت إجابة الجنرال دون تردد (إنه العراق).
كذلك تتم الإشارة في هذا السياق إلى تقرير يعود إلى عام 1989 كان عنوانه: (الإستراتيجية العسكرية القومية) أعدّه الأميرال وليام كراو، رئيس أركان الجيوش الأميركية ويحدد الأولويات العسكرية للولايات المتحدة ولا يولي سوى أهمية قليلة لمنطقة حيوية مثل الخليج. لقد بدا من ذلك أن إدارة بوش الأب تواجه مشكلة نقص العقيدة الإستراتيجية.
ويفتح المؤلف هنا قوسين ليؤكد على أن الرئيس الأميركي جيمي كارتر كان قد شكّل عام 1979، عند سقوط شاه إيران قوى للتدخل السريع تتمثل مهمتها في حماية آبار النفط في منطقة الشرق الأوسط. بل وجرى إعداد خطة سرية بهذا الخصوص تحمل الرقم 90-1002. لكنه تم تصور إمكانية قيام مواجهة مع الاتحاد السوفييتي في المنطقة، دون أي ذكر لاحتمال اجتياح الكويت من قبل العراق.
كانت المشكلة الكبرى التي واجهت الأميركيين في البداية من أجل تحضير منظور تنفيذ الخطة السرية الموضوعة هي أن القوات الأميركية متدرّبة على الحروب في مسارح عمليات مثل أوروبا وشبه الجزيرة الكورية، وليس على الحرب في رمال الصحراء من أجل حماية حقول البترول. وينقل المؤلف عن أحد مسؤولي قيادة أركان الجيش الأميركي اعترافه: (لقد بدأنا من نقطة الصفر). وعندما سأل الرئيس جورج بوش الأب عن عدد القوات التي يمكنه الاعتماد عليها مباشرة، كانت الإجابة واضحة ومحددة وهي 2500 مقاتل من الفرقة 82 المحمولة جوا والمرابطة في فورت براغ بكارولينا الشمالية.
أشارت الصور الجوية التي التقطتها الأقمار الصناعية صبيحة 4 أغسطس 1990 أن مئة ألف جندي عراقي قد توغلوا في المنطقة المحايدة بين الكويت والمملكة العربية السعودية. هكذا اعتبر المسؤولون الأميركيون أن الأزمة قد بلغت درجة جديدة مع بروز تهديد إمكانية سيطرة صدام حسين على أكثر من 40 بالمئة من النفط الذي يتزود به العالم.
ويؤكد المؤلف أن تلك الأزمة كانت مثل كاشف كبير يشرح سلوكية ديك تشيني الذي يصفه أنه أقوى نائب رئيس في التاريخ الأميركي. لقد كشفت له أزمة 1990 أن الولايات المتحدة لم تكن مستعدة للتصرف عسكريا في منطقة تؤمّن تزويدها بالبترول. وينقل المؤلف عن أحد مساعديه السابقين تلخيصه لتفكير تشيني ب(عدم قبول مثل ذلك الوضع بعد الآن).
بوش والإستراتيجية النفطية
شكّل البترول عام 1914 ثم عام 1939 وعام 1956 و1973 و1979 و1991 صميم اهتمام الإدارات الأميركية المتعاقبة. وهو يشكل اليوم صميم الإستراتيجية التي اتبعتها إدارة جورج دبليو بوش وصميم تفكير ديك تشيني.
هذا ما يؤكده مؤلف الكتاب ثم ينقل عن الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان قوله: (إن نمط الحياة الأميركي غير قابل للتفاوض). هذا المبدأ طبّقه حرفيا جميع الرؤساء الذين خلفوه. إن الأميركيون يستهلكون كميات من البترول أكثر مما استهلكوه في أي وقت مضى، وهم يحرقونه في السيارات والشاحنات وليس في نشاطات إنتاجية غالبا. كما مالت الأسر الأميركية خلال سنوات التسعينات نحو شراء سيارات ذات محركات أضخم، كما زادت التنقلات بحيث أن الأميركيين يجتازون سنويا أكثر من 20 مليار كيلومتر. رغم هذا بقي سعر البنزين رخيصا.
وفي اللحظة التي أطلقت فيها واشنطن خلال يناير-1991 عملية (عاصفة الصحراء) تدنّى سعر برميل النفط إلى أقل من 20 دولارا، وحافظ على هذا السعر طيلة سنوات التسعينات تقريبا. لكن ذلك الهدوء كان خادعاً من وجهة نظر ديك تشيني العارف بخبايا أمور البترول.
ويقول المؤلف أنه في عام 1991 وعند نهاية مقابلة كان قد أجراها مع تشيني من أجل القناة التلفزيونية الفرنسية الأولى، أخذ بيده ملفا كان أمامه على الطاولة ومدّه للصحافي مع ابتسامة خفيفة قائلا: (يبدو أنك شديد الاهتمام بحرب الخليج، خذ هذا فقد يفيدك في فهم الأمور).
كان ذلك الملف يتضمن مداخلة ديك تشيني أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي بعد عدة أسابيع من غزو العراق للكويت، وقد جاء في أحد مقاطعها: (إن مصالحنا الإستراتيجية في منطقة الخليج معروفة ولكن تستحق التذكير بها أيضا. إن مصلحتنا واضحة فيها بسبب الطاقة التي تشكل رهان منطقة الخليج. وإذا ملك صدام حسين الكويت ونشر جيشه سيكون في موقع يسمح له بفرض سياسية التحكم بالطاقة العالمية كلها. وهذا سيجعله يسيطر على اقتصادنا وأيضا على اقتصادات العديد من الأمم الأخرى).
ومنذ أواسط سنوات التسعينات الماضية عرفت الثروات البترولية الأميركية تدنيا سريعا مما دفع البلاد إلى استيراد أكثر من 50 بالمئة من احتياجاتها من الطاقة. وكان ديك تشيني قد أصبح عام 1995 بدعم من بوش الأب رئيسا ومديرا عاما لمجموعة زهاليبرتونس التي تحتل المرتبة العالمية الأولى في ميدان الخدمات البترولية، أي ما سمح لتشيني أن يكون على علم أفضل بالوضع البترولي العالمي وبالأولويات الحيوية للشركات النفطية الكبرى التي أصبح ينتمي إلى (ناديها) المغلق.
وينقل المؤلف عن ديك تشيني قوله عام 1999 أثناء حفل غداء نظمه معهد لندن للبترول: (البترول مادة فريدة لأنها إستراتيجية بطبيعتها. إننا لا نتحدث هنا عن حساء الشوفان أو عن ثياب النزهة. الطاقة أساسية حقا بالنسبة للاقتصاد العالمي. وقد عكست حرب الخليج - عام 1991- هذه الحقيقة).
ثم أضاف: (من وجهة نظر الصناعة البترولية، فإننا نواجه منذ أكثر من مئة عام مشكلة كبرى ففي كل مرّة يتم العثور فيها على البترول واستخراجه من الأرض يصبح من المطلوب مباشرة البحث في الجدار من أجل إيجاد كميات أكبر وإلا يمكن الخروج من اللعبة. هذا صحيح بالنسبة للشركات البترولية ولكن أيضا، وبصورة أكبر، بالنسبة لمجمل الاقتصاد العالمي (...). وعلى الشركات الدولية، من أجل الاستجابة للاحتياجات العالمية، أن تجد ما يكفي من البترول لتعويض ال71 مليون برميل المستهلكة يوميا، وكذلك للإجابة على طلبات جديدة).
وهنا ينقل المؤلف عن أحد مدراء شركة (بريتش بتروليوم) وكان حاضرا ذلك اللقاء لكنه طلب عدم ذكر اسمه قوله عن مداخلة ديك تشيني: (إنه لم يتحدث أبدا كرجل مؤسسة وإنما كرجل سياسة مشغول بمصالح المؤسسة البترولية. كنّا مبهورين وقلقين في الوقت نفسه، وتعاظم دور شركة هاليبرتون كان يعود بدرجة أكبرإلى الصلات السياسية التي يقيمها ديك تشيني في الولايات المتحدة وعلى الصعيد العالمي أكثر مما هو إلى موهبته في الإدارة).
وبعد أن يشير المؤلف إلى (الإضاءات) التي يمثلها كلام تشيني بالنسبة لسياسة إدارة جورج دبليو بوش لاحقا، ينقل عنه أيضا قوله في معهد لندن للبترول حول خطورة الوضع البترولي لاحقا. نقرأ: (تدل بعض التقديرات أن متوسط الزيادة في الطلب العالمي للبترول خلال السنوات المقبلة ستصل إلى 2 بالمائة سنويا وستتناظر مع تناقص سنوي للاحتياطات الموجودة بنسبة 3 بالمائة سنويا. هذا يعني أننا سنكون في أفق عام 2010 بحاجة إلى 50 مليون برميل إضافي كل يوم. فمن أين سيأتي هذا البترول)؟
ويضيف: (تسيطر الحكومات والشركات النفطية الوطنية على 90 بالمئة من جميع الموجودات النفطية. ويبقى النفط مسألة تخص أساسا السياسات الحكومية. ورغم أن مناطق عديدة في العالم تقدّم آفاقا واعدة، فإن منطقة الشرق الأوسط التي تمتلك ثلثي النفط العالمي مع كلفة استخراج هي الأدنى تبقى هي المنطقة ذات الأسعار الأكثر جذبا).
معادلة الاستهلاك والاكتشاف
قامت قناة (بي.بي.سي) التلفزيونية بتحقيق حول تناقص كميات النفط المثبتة عام 2004، وقد جاء فيه: (إننا نستهلك اليوم ستة براميل من النفط مقابل اكتشاف برميل واحد فقط).
ويشير المؤلف إلى أنه عند وصول جورج دبليو بوش وفريقه الى البيت الأبيض عام 2001 لم يكونوا يجهلون أبدا هذه الحقيقة. ولم تكن هناك أية إدارة أميركية أخرى قد تسلّمت قيادة البلاد وتفوح منها رائحة النفط أكثر من هذه الإدارة. فبالإضافة إلى الرئيس جورج دبليو بوش نفسه، فإن العديد من مسؤولي فريقه قدموا مباشرة من قطاع الصناعة البترولية. فكوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الحالية، كانت مديرة وعضوة في مجلس إدارة شركة (شيفرون)، بل وبتحديد أكثر كانت مسؤولة عن الاستثمارات في منطقة بحر قزوين.
وكان شركة شيفرون قد توحّدت في عام 2001 مع شركة تكساكو وحققت أعمالا بقيمة 130 مليار يورو. ودونالد ايفانس، الصديق الحميم لجورج دبليو بوش ووزير التجارة الأميركي، كان رئيسا لشركة زتوم براونس الشركة الهامة في ميدان الطاقة. ودونالد رامسفلد، أحد أكبر الأثرياء في الإدارة، يمتلك كميات هائلة من الأسهم في عدة شركات بترولية. وجاك مورتون، وزير الداخلية يمثل مصالح شركة بريتش بتروليوم. لكن لا شك أن ديك تشيني، نائب الرئيس، هو الذي يمثل أكثر من غيره تشدد هذه الإدارة وغموضها أيضا.
لقد عبّر تشيني منذ تسلّمه منصبه في إدارة بوش عن احتقاره الكبير لاتفاقيات كيوتو الموقّعة عام 1997 وتهدف إلى تقليص بمعدل 5 بالمئة للغازات الصادرة عن المصانع في البلدان المتقدمة وتؤذي الغلاف الجوي، وذلك خلال فترة 2008-2012. وكان تشيني، قبل دخوله إلى إدارة جورج بوش الأب عام 1988، قد اقترع في الكونغرس دائما ضد جميع القوانين الخاصة بحماية البيئة.
ذلك أنها كانت تتناقض بشكل واضح مع مصالح المجموعات البترولية الكبرى التي كان قريبا منها باستمرار، وينقل عنه المؤلف إعرابه عن غضبه أمام ندوة حول الطاقة عام 1996 من العقوبات التي جرى فرضها على بعض الأنظمة، إذ قال: (تبدو هذه الحكومة -حكومة بيل كلنتون- وكأنها تحب كثيرا العقوبات. المشكلة هي أن العناية الإلهية لم تشأ دائما أن تكون احتياطات الغاز والبترول موجودة في بلدان ذات أنظمة ديمقراطية).
وقد أظهر ديك تشيني تشددا كبيرا حول الملف العراقي والخطر المضروب على بغداد. ينقل عنه المؤلف قوله أثناء مقابلة تلفزيونية عام 2000: (إنني أنتهج سياسة متشددة حيال الحظر ضد العراق وتتمثل بعدم أي تعامل مع هذه البلاد، وحتى من خلال تسويات يمكن الحكم عليها أنها مشروعة).
هذا ما يرد عليه المؤلف بالقول: (للأسف، إن هذا القول غير دقيق). ويشير أنه في الفصل الأول من عام 1997 ثم في مطلع عام 2000 قامت شركتان فرعيتان تابعتان لمجموعة هاليببرتون، هما دريسر راند وانجيرسول دريسربومب، بيع قطع تبديل مكرّسة للصناعة النفطية ولتجهيزات أنابيب النفط للعراق بواسطة شركات فرنسية. ويقوم المؤلف هنا بالتذكير أن فرنسا متهمة من قبل الأميركيين أنها تدافع فقط عن مصالحها في العراق في مواجهة (الحرب الديمقراطية) التي كان ديك تشيني يدعو لها.
العراق في الرأس
ظل العراق في صميم مشاغل إدارتي جورج دبليو بوش، هذا ما يؤكده المؤلف قبل أن ينقل عن نيكولا ساركوزي، رئيس الجمهورية الفرنسية الحالي، في مقابلة كان قد أجراها معه في يونيو 2005، قوله: (حضرت في عام 1992 المؤتمر العالمي للنفط في مدريد. كان أحد المتحدثين هو جيمس شليزنغر، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركي ووزير الدفاع الأميركي الأسبق، والملقّب بقيصر الطاقة والمكلّف بتحديد السياسة البترولية للولايات المتحدة الأميركية بعد الصدمة النفطية الأولى).
وأضاف نيكولا ساركوزي: (لقد صعد شليزنغر إلى المنبر وصرّح أمام الحضور المذهولين: الدرس الذي حفظه الشعب الأميركي من حرب الخليج -1991- هو أنه من المسلّي أكثر ضرب سكان الشرق الأوسط على قفاهم مقارنة بقبول الأميركيين للتضحيات). وبعد الصمت للحظة أضاف: (بالطبع لا يعكس مثل هذا القول تفكيري، ولا أفعل سوى ترديد ما يقال وما يُفكّر به في أعلى الدوائر السياسية في واشنطن).
ويعلّق مؤلف الكتاب على هذه الأقوال أنه إذا كان هناك إنسان يعرف ما يدور في قلب المؤسسة السياسية الأميركية فهو جيمس شليزنغر الذي يستطيع أن يسمح لنفسه بالكشف عمّا يوضح للملأ النفسية التي تحرّك القادة الأميركيين.
ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في تأكيده أنه عندما وصل بوش وتشيني إلى السلطة العليا في الولايات المتحدة لم يكن همهما الأول هو أسلحة الدمار الشامل في العراق أو التهديد الإرهابي كما نشرت ببراعة الدعايات الرائجة. كلاّ، ذلك أن الطاقة وصمان التزود بها كانا هما الشغل الشاغل الأساسي لديهما. وكانت المعلومات المعمّقة حول مسألة الطاقة تثير بالفعل الكثير من المخاوف. ذلك أن التوقعات الخاصة بالإنتاج العالمي بدت تدل على أن استخراج البترول سيبلغ ذروته عام 2001 وبعدها لن يكون بمقدور المنتجين أن يذهبوا أبعد من ذلك.
وفي 29 يناير 2001، وبعد أسبوع واحد من تولّي الرئيس جورح دبليو بوش مهام منصبه رسميا، أنشأ ديك تشيني لجنة لتطوير السياسة القومية الأميركية في ميدان الطاقة. بقيت أهداف هذه اللجنة وأسماء أعضائها وجلسات عملها محاطة بالكتمان الشديد ولكن أيضا بالأسرار، ومما يفتح السبيل أمام مختلف الافتراضات.
وينقل المؤلف عن الصحافية الأميركية في (الواشنطن بوست) دانا مالبانك ذات الشهرة الكبيرة وصفها للجنة التي ترأسها تشيني بأنها (جمعية سرية) ثم تقول عن (الاحتياطات) التي تمّ اتخاذها من أجل تجنب أي تسريب لما يدور بداخلها: (عند بداية كل اجتماع مع الشخصيات أو المجموعات الخارجية، كان أعضاء اللجنة يطلبون عدم تسجيل اللقاء وبأنه لن يكون هناك أي تبادل للوثائق من أجل تجنب التسريبات ولا ينبغي أبدا القيام بأي اتصال مع وسائل الإعلام).
لقد رفض البيت الأبيض بإصرار الكشف عن هوية الشخصيات التي تساهم في تلك اللجنة، لكن يمكن توقع أن يكونوا، دون الخوف كثيرا من الخطأ، حسب قول المؤلف، أن بعضهم هم من مسؤولي الشركات البترولية الكبرى. لكن (لماذا هذا القدر من السريّة)؟ تتساءل (دانا مالبانك)، وتجيب باحتمال أن يكون السبب هو إخفاء العلاقات الوثيقة القائمة بين إدارة بوش وصناعات الطاقة.
مسؤولو ومديرو استخبارات
يشير المؤلف تحت هذا العنوان إلى أن 39 شركة ذات علاقة بمجال الطاقة دفعت ما بين 1999 و 2002 مبلغ 3 ,6 ملايين دولار كعطايا سياسية منها 5, 4 ملايين مكرّسة للحزب الجمهوري، وإذن لإدارة بوش. وتتم الإشارة أيضا في هذا السياق إلى أن أعضاء الإدارة الأميركية كانوا يتجنبون قبل أشهر من الحرب ضد العراق الحديث عن قضية البترول خشية أن يتم تفسير ذلك كدعم للصناعة البترولية.
لكن الحقيقة في الكواليس كانت شيئا آخر، ذلك أن دوجلاس فيث، نائب وزير الدفاع، أسس مجموعة تهتم بخطط الطاقة، وضّمت بأقصى درجة من السرية مسؤولين من القطاع البترولي ومدراء من الوكالة المركزية للاستخبارات. كان ذلك في سبتمبر 2002.
وكان الهدف هو ضمان أمن الحقول أثناء وبعد الحرب ثم الوصول إلى أقصى حد ممكن من الإنتاج. كان التفاؤل هو السمة المشتركة بين المسؤولين الأميركيين. كانت التقديرات تقول أن الاحتياطات النفطية السعودية هي أقل مما هو معلن رسميا وأن هناك تباطؤا مقلقا في الإنتاج ببعض آبارها. لذلك بدا أن العراق يمكن أن يكون بديلا ويستحق مخاطرة القيام بتدخل عسكري.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

