أجرت مجلة «اكس.إل. سيمانال» الاسبانية حوارا، مؤخرا، مع الكاتب والباحث الباكستاني أحمد رشيد، الذي يعمل على تأليف كتاب حول الوضع في أفغانستان. وتناول الحوار مفاتيح الصراع الدائر هناك، والذي يمثل تهديدا قد ينفجر في وجه الغرب في أي لحظة.
ويعتبر رشيد، الذي يقيم في مدينة لاهور، شاهدا حيا على مجريات الأحداث في تلك المنطقة من العالم، حيث عاش على مدى ربع قرن منغمسا في أحد أعنف صراعات الزمن الحاضر: حرب أفغانستان.، وذلك منذ انطلاق الحرب التي خاضها المجاهدون الأفغان ضد السوفييت، مرورا بالحرب الأهلية اللاحقة ووصول حركة طالبان إلى سدة الحكم، وانتهاء بتدخل الولايات المتحدة هناك في أعقاب الـ 11 سبتمبر وطرد طالبان من السلطة وانتخاب أول رئيس أفغاني عبر صناديق الاقتراع ومن ثم عودة طالبان والقاعدة إلى الظهور. وفيما يلي نص الحوار:
* يؤكد المسؤولون الأسبان أن القوات الاسبانية موجودة في أفغانستان في مهمة إنسانية وليست حربية. هل يفكر الطالبان بالطريقة عينها؟
ـ بالطبع لا. يبدو لي هذا الطرح منافيا للعقل، ذلك أن قوات طالبان لا تأبه إلى ما إذا كانت القوات الاسبانية تؤدي عملا إنسانيا أو أي شيء من هذا القبيل، فهذه القوات قوات عسكرية.
* هل هناك خطر من مشاركة الأسبان في الأعمال القتالية؟
ـ نعم. في الجنوب تدور رحى حرب أهلية( طالبان ضد الناتو والجيش) تمتد نحو الغرب، حيث يتمركز الأسبان والايطاليون، الذي ليس بوسعهم القتال. ومن المنتظر حدوث هجوم كبير تشنه حركة طالبان في تلك المنطقة. والسؤال هنا هو: هل سيتم انتشال الأسبان والايطاليين من قبل بقية قوات الناتو؟ مع الأخذ في الاعتبار أن ذلك قد يحدث انقساما عميقا في صفوف الحلف.
* هل الناتو مهيأ لمواجهة هذا الوضع؟
ـ الناتو لا يملك قوات كافية( 35 ألف جندي) وهو يعمل ضمن قيود صارمة، مثل الأسبان الذين لا يشاركون في العمليات الهجومية والألمان الذين لا يسمحون لأحد أن يستخدم طائراتهم المروحية. وهذا الوضع مثير للسخرية، وهو يشبه الذهاب إلى الحرب من دون رغبة بذلك. الأولوية هي حماية القوات ودرء الأخطار، أي عكس ما يفعل عادة في الحروب.
* هل تعتقد أنه تم التقليل من أهمية قوة طالبان؟
ـ في عام 2006 تعرض مقاتلو طالبان لخسائر كبيرة بتركيزهم على الغنيمة الخائبة في قندهار، عاصمة البشتون، الذين يشكلون الأغلبية بين طالبان. لكنهم قاموا هذا العام بمهاجمة ستة أو سبعة أهداف في آن. وهذا سيجبر الناتو على توزيع قوات قليلة العدد أصلا. وإذا اندلعت أزمة في مكان ما وأرسلوا قوات إلى هناك، فإن أزمة ثانية ستندلع في منطقة أخرى في اليوم التالي، وهذا يعني أن قوات الناتو لا تستطيع أن تستجيب لكل شيء.
* عادة ما يشن مقاتلو طالبان هجمات حدودية كبيرة. هل تراهم يتعلمون من تنظيم القاعدة؟
ـ بالضبط. فلقد باتوا مؤهلين الآن لتنفيذ كمائن، عمليات انتحارية، بث ألغام، هجمات متعددة.. وفكرهم الاستراتيجي أصبح ناضجا بطريقة لا تصدق بمساعدة (القاعدة)، إذ أن الكثير من العرب الذين ينتمون للقاعدة يصلون من العراق لمساندة طالبان. والتكتيكات المستخدمة في الآونة الأخيرة هي نتيجة استفادة مباشرة من الحرب في العراق.
* يلجأ حلف الناتو بصورة متزايدة إلى عمليات القصف الجوية. هل تضعف هذه العمليات طالبان؟
ـ لا أعلم، لكنها تسبب الكثير من الضحايا بين المدنيين. ففي عام 2006، ألقى الناتو في الجنوب أربعة أضعاف القنابل الأميركية الملقاة منذ 2001، لا بل إنه أطلق من القنابل في أفغانستان خلال عام واحد أكثر مما سقط على العراق خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
* هل تعتقد أن ظاهرة التشدد قد تتقدم في مناطق أخرى مثل الشرق الأوسط في حال أخفق الناتو في أفغانستان ؟
ـ إذا قمنا بتحليل اعتداءات القاعدة الكبرى: لندن، 11 سبتمبر، اندونيسيا، أي جميعها ما عدا اعتداءات مدريد المرتبطة بشمال أفريقيا، فسنجد أن جذورها ممتدة في كل من أفغانستان وباكستان.
وإذا عادت أفغانستان وتحولت من جديد إلى دولة تتحرك القاعدة فيها بطول البلاد وعرضها، فإن ذلك سيكون، بلا شك، خطيرا إلى حد كبير. لا بل إن الأمر قائم بالفعل على قدم وساق، فالقاعدة تعمل في باكستان وتطلق هجمات ثابتة على أفغانستان. وثمة مناطق في باكستان تحكمها طالبان أو القاعدة. هل هناك حاجة لمزيد من الأدلة على أن هذا هو المركز العالمي للتشدد؟
* الرئيس الأميركي جورج بوش لم يضغط كثيرا على الرئيس الباكستاني برويز مشرف فيما يتعلق بوجود القاعدة في بلاده، لماذا؟
ـ حسنا، بوش أو كوندوليزا رايس كانا حذرين جدا بانتقاداتهما لمشرف، لكن على مستويات أخرى هناك شكاوى بدأت تسمع والمسؤولون الأميركيون، الأمنيون والعسكريون والسياسيون على حد سواء، قاموا في الآونة الأخيرة بنقل رسالة قاسية جدا تحث مشرف على ملاحقة طالبان. كما أن الديمقراطيين الذين باتوا يسيطرون على الكونغرس وجهوا بدورهم انتقادات لاذعة. فهم يريدون أن تترافق المساعدة الأميركية لباكستان مع السيطرة على طالبان والقاعدة. باكستان تتلقى نحو مليار دولار سنويا وخسارة ذلك المبلغ من المال سيشكل ضربة قاسية بالنسبة لمشرف.
* هل تعتقد أن مشرف يسيطر على السلطة بكاملها في باكستان؟
ـ حسنا، إنه طاغية يسيطر على الجيش وأجهزة الاستخبارات. لكن ربما كان ذلك بصورة أقل في كل مرة. فها هو يعاني من أزمة خانقة مع السلطة القضائية التي حشدت كل أصناف الجماعات التي تطالب باستقالته.
* ما مرد تلك اللعبة المزدوجة في باكستان؟
ـ إنها سياسة الدولة هناك، والأمر ليس موجها فقط من قبل رجال أجهزة المخابرات، الذين كانت لهم دائما علاقات جيدة مع المتشددين، فذلك الدعم لطالبان مقصود ومتداول. منذ 11 سبتمبر قدم لهم الملاذ والأسلحة والتمويل وتتم إعادتهم إلى أرض المعركة، فهذه الجماعة لا تريد خسارة تأثيرها في أفغانستان، لكنها لا تريد كذلك أن تكون معزولة من قبل الولايات المتحدة.
* كيف تقوم سياسة الرئيس بوش في أفغانستان، مقارنة مع من سبقه من رؤساء الولايات المتحدة ؟
ـ إنه أسوأهم جميعا، فلقد ورط بلاده في الحرب، التي يعتبرها الجميع أمرا جديا، بينما تعامل معها هو وأعوانه كما لو كانت مزحة.
* كانت أفغانستان على الدوام مسرحا رئيسيا للعبة كبرى بين القوى الكبرى والإمبراطوريات وذلك من أجل السيطرة على موارد منطقة آسيا الوسطى. في هذا السياق، هل يمكن اعتبار الولايات المتحدة قوة عظمى؟
ـ في عام 2001 كان من الممكن التفكير بأن الولايات المتحدة كان بإمكانها استغلال تلك الفرصة، لكن سياستها كانت فاشلة بالكامل. ذلك أن أفغانستان لا تزال بعد مضي ست سنوات تعيش في ظل حرب طاحنة ورجال القاعدة وطالبان لا يزالون هناك، ومن جانب آخر فإنه بعد أن تمكنوا من أخذ مكان الروس في آسيا الوسطى وإنشاء قواعد في أوزباكستان وقيرقيزستان وطاجاكستان، هاهم الروس يعودون بطريقة مدوية.
ترجمة: باسل أبو حمدة - عن «اكس. إل. سيمانال»
