عند هذا المنعطف من الكتاب يمضي بنا المؤلف شوطاً أبعد في متابعة أسرار عالم النفط وكواليس آليات عمله، فيلقي الضوء على تلك المرحلة التي اكتشفت فيها عواصم الغرب أن منظمة «أوبك» لها عضلات أيضاً، وأنها ليست ذلك التجمع الذي كان عاجزاً قبل سنوات قلائل من حرب أكتوبر عن زيارة سعر البرميل الهزيل للنفط سنتاً واحداً.
حيث زادت الأسعار زيادة أخرجته من عصر النفط الذي يباع بأسعار رمزية إلى عصر النفط الذي يعطي للمنتجين بعض حقوقهم، وتصل هذه المتابعة إلى ذروتها حقاً عندما نكتشف الكيفية التي استخدم بها المخططون الأميركيون النفط ضمن منظومة هائلة من الأدوات لخنق الاقتصاد السوفييتي.في عام 1967 تجاوز النفط الفحم ليفرض نفسه كمصدر أول للطاقة في العالم. ومثّل في أواسط عقد السبعينات الماضي 54 بالمئة من الاحتياجات الاقتصادية العالمية، بينما لم يكن يمثل عام 1950 سوى ربع الاستهلاك العالمي للطاقة مقابل 62 بالمئة للفحم.بدت الشهية للبترول من دون أية كوابح، وازداد استهلاكه ما بين عام 1960 وعام 1975 بنسبة 160 بالمئة. وازدادت نسبة النفط المصدر من منطقة الشرق الأوسط إلى أوروبا واليابان والولايات المتحدة من 38 بالمئة إلى 53 بالمئة. فهذه البلدان التي كانت لا تستهلك عام 1960 سوى 65 مليون طن تشتريها من الخارج أصبح عليها الآن أن تجد عام 1973 حوالي 290 مليون طن ثم 410 ملايين طن في عام 1978.
في 14 فبراير 1971 وقّع ممثلو الشركات النفطية اتفاقا جديدا مع مفاوضي منظمة الأوبك. وينقل المؤلف عن صحافي انجليزي بارز قوله آنذاك إن ممثلي تلك الشركات وجدوا أنفسهم أمام خيار بسيط: «إما أن يقتلوا أنفسهم أو يقتلهم الآخرون». هكذا كان اتفاق «الاستسلام» كما وصفه عدة مسؤولين بمثابة الإعلان عن نهاية مبدأ المناصفة بين الشركات والبلدان المنتجة التي أصبحت تملك، حسب الاتفاق الجديد، نسبة 55 بالمئة بالإضافة إلى مبلغ 0,30 دولار من السعر المعلن للبرميل ثم مبلغ 0,50 دولار اعتبارا من عام 1975.
وينقل المؤلف في هذا السياق عن أحد مسؤولي منظمة الأوبك قوله: «للمرة الأولى يكتشف العالم أن للأوبك عضلات». وفي سبتمبر من عام 1973 زادت أسعار النفط في الأسواق عن السعر المعلن المتفق عليه. وفي الوقت الذي كانت ترتسم فيه إمكانيات شح النفط في الأفق تعززت أكثر فأكثر فكرة استخدام هذه المادة الإستراتيجية كسلاح في الحرب لدى الشعوب العربية.
وأعلن العقيد معمّر القذافي الذي كان يحتفل بالذكرى الرابعة للثورة الليبية عن نية تأميم جميع الشركات النفطية، وهدد بوقف أية صادرات إلى أميركا إذا استمرت واشنطن في دعمها لإسرائيل. ردّ الرئيس نيكسون عبر مداخلة تلفزيونية حاول فيها تخويف ليبيا من عواقب قيامها بأي حظر، وذكّرها بمصير محمد مصدّق في إيران.
ويومها كتب أحد الصحافيين في افتتاحية لصحيفة «نيويورك تايمز» قائلا: «هل غاب عن فهم رئيس الولايات المتحدة الواقع المهيمن إن السؤال لم يعد معرفة ما إذا كان يمكن للبترول أن يجد أسواقا وإنما ما إذا كانت الأسواق تستطيع أن تجد بترولا؟».
وفي 8 أكتوبر 1973، وفي أجواء من تفاقم الأزمة، التقى ممثلو المجموعات النفطية الكبرى مع مندوبي منظمة الاوبك في فيينا. وعندما وصلوا إلى العاصمة النمساوية كانت القوات المصرية تختار قناة السويس وتكتسح المواقع الإسرائيلية شرقها، بينما قامت سوريا بهجوم في هضبة الجولان. لقد اندلعت حرب أكتوبر، وحثّت بعض البلدان العربية الأعضاء في الأوبك نحو التصلب بمواقفها أكثر.
أجواء غريبة
كان المفاوضان الرئيسيان عن الشركات النفطية المعروفة بلقب «الأخوات السبع» هما جورج بيرسي من اكسون والفرنسي اندريه بينار المدير العام لمجموعة شل. بالمقابل طالب أحمد زكي يماني، وزير النفط السعودي آنذاك، بزيادة يصل معها سعر البرميل إلى 6 دولارات. واقترحت الشركات النفطية زيادة 15 بالمئة فقط، بينما كانت الحرب قد أضافت لمسألة السعر إمكانية الحظر.
وينقل المؤلف عن اندريه برنار قوله: «إننا خلال ال36 ساعة التي أمضيناها في فيينا لم نفاوض سوى لساعات قليلة مع بلدان الاوبك، إذ أمضينا بقية الوقت في إرسال رسائل ـ تلكسية ـ إلى حكومات البلدان المستهلكة، نطلب منها توجيهات. لكننا لم نتلق أية إجابة. كان الأمر غريبا إذ بدا العالم وكأنه أخرس تماما آنذاك ومصاب بالذهول».
ازدادت أسعار النفط أربعة أضعاف خلال أقل من شهرين، مما أدى إلى اهتزاز الأسس القانونية والسياسية والاقتصادية التي كانت نافذة ومطبّقة من قبل الشركات النفطية طيلة نصف قرن تقريبا. جرى في ذلك سياق تكليف المحامي النيويوركي الشهير جون ماك كلوو الذي لم يكن يمثل «الأخوات السبع» الكبرى فقط وإنما أيضا أغلبية المنتجين المستقلين.
قام هذا المحامي بتسليم رسالة للرئيس ريتشارد نيكسون تتضمن رؤية موكليه. حوّلها الرئيس لكيسنجر، وزير الخارجية، لدراستها، والذي قام بتحويلها بدوره إلى الكسندر هيغ كبير موظفي للبيت الأبيض. كانت تلك الرسالة تركز على القول: «إن أية مساعدة أميركية عسكرية جديدة لإسرائيل سوف تسيء كثيرا للعلاقات التي نقيمها مع البلدان العربية المنتجة للنفط وذات الموقف المعتدل». كما أشارت تلك الرسالة إلى «خطر أن تحل المصالح الأوروبية، بل وحتى السوفييتية، محل المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط والخليج».
مع الملياردير المتقشف
هنا يفتح المؤلف قوسين كي يتساءل عما إذا كانت صرخات الرعب والتباكي لا تخفي وراءها عملية مراوغة كبيرة. فقبل عامين لم يكن مسؤولو الصناعة النفطية يخفون واقع أن الاستثمارات المقبلة تتطلب مبالغ مالية هائلة لن يمكن الحصول عليها إلا عبر زيادة أسعار النفط الخام. وكان دافيد روكفلر، رئيس «مانهاتن بنك» قد حدد في روما عام 1973 رقم «3000 مليار دولار كاحتياجات الصناعة النفطية للسنوات المقبلة بصيغة استثمارات». ثم أضاف: «إن الاستثمار، بالنسبة للشركات المعنية، يتحكّم بالإنتاج».
كان روكفلر هذا هو الشخصية الأكبر نفوذا في العالم الغربي، وأغنى رجل على سطح المعمورة. وينقل المؤلف عن أحد زملائه قوله: «إنه يحمل أفضل اسم في العالم ويدير ما ينبغي اعتباره أكبر بنك في البلاد». وكان الرئيس جون كيندي قد حاول عبثا عام 1961 تعيينه وزيرا للمالية.
كان اقتراحا ليس ذا قيمة كبيرة بالنسبة لرجل قيل عنه أن «رئاسة الولايات المتحدة لن تكون بالنسبة له سوى أمر قليل الأهمية». لكن التصريحات التي أدلى بها روكفلر عام 1973 في روما تبيّن العلاقات الوثيقة القائمة دائما بين أسرته وبين الصناعة النفطية.
وكانت مؤسسة روكفلر تملك عام 1987 الحصة الأكبر من أسهم شركة اكسون بواقع 000 300 4 سهم بالإضافة إلى 2 مليون سهم في شركة شيفرون و000 300 سهم في موبيل و000 300 سهم في شركة كونتننتال للبترول. وهناك مؤسسات أخرى أقل أهمية تعود ملكيتها لأسرة روكفلر وتملك 3 ملايين سهم في اكسون و000 300 سهم في موبيل و000 450 في ستاندارد للبترول في اوهيو. وكانت قيمة موجودات الشركات التي تملك أسرة روكفلر الحصص الأكبر من اسمها تعادل 50 مليار دولار في تلك السنة (1978).
وتمارس مؤسسة روكفلر نفوذا حاسما في الميدان السياسي وعلى المجتمع الأميركي. إنها تمثل، كما يصفها مؤلف الكتاب، إدارة أميركية موازية حقيقية تمتلك أدوات ضغط وإمكانيات تأثير هائلة على الرأي العام حتى ولو كانت قد فقدت حاليا من بعض نفوذها. ومن بين المستفيدين من كرم أسرة روكفلر الأمم المتحدة التي أقيم مقرها في نيويورك على قطعة أرض قدّمتها الأسرة. أما الاستثمار الأقل مردودية فيتم تحديده ب«الحزب الجمهوري».
وينقل المؤلف عن المؤرخ «تيودور وايت» قوله إن الحزب الجمهوري «تابع لأسرة روكفلر بمقدار تبعية مؤسسة روكفلر نفسها». وكانت الأسرة حتى نهاية عقد السبعينات الماضي تتحمل كل ديون الحزب سنويا. وكان أحد أفراد الأسرة «نلسون روكفلر» شقيق «دافيد» وحاكم ولاية نيويورك قد أصبح نائبا لرئيس الولايات المتحدة الأميركية جيرالد فورد خلال فترة 1974-1976.
ويشير مؤلف الكتاب إلى أنه التقى مرتين بديفيد روكفلر الذي يصفه ب«المتقشّف». كان روكفلر قد أنشأ هيئة خاصة أثارت الكثير من النقاشات والجدل حولها باسم «اللجنة الثلاثية» التي كانت تجمع الشخصيات الأكثر شهرة في العالم السياسي والصناعي والمالي من يابانيين وأميركيين وأوروبيين.
كانوا يجتمعون في لقاءات «غير رسمية» كي يبحثوا المشاكل الكبرى المطروحة على العالم في حينها. وقد رأى بعض المعلقين من القائلين بنظرية «المؤامرة» أن تلك اللجنة كانت تشكل نوعا من «حكومة عليا كونية» لعالم الأعمال. وينقل المؤلف عن ديفيد روكفلر قوله بشأنها: «فكرت أنه ينبغي تأسيس إطار للتفكير يتناسب مع خطورة وإلحاح المشاكل».
ويشير المؤلف إلى حالة الاستغراب التي قوبل بها دخول جيمي كارتر إلى تلك «اللجنة الثلاثية» كان يومها حاكما لولاية جورجيا. وكان الاستغراب أكبر عندما جرى انتخابه رئيسا للولايات المتحدة، حيث لم يكن هناك من يتوقع ذلك. كما أثار الدهشة اختياره لأركان إدارته الذين كانوا جميعهم أعضاء في لجنة روكفلر «الثلاثية» وعلى رأسهم والتر مونديل نائب الرئيس وسيروس فانس كوزير للخارجية وهارولد براون وزير الدفاع وزبغنيو بريجنسكي على رأس مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض.
وعندما سأل مؤلف الكتاب ديفيد روكفلر، عن سر ذلك، أجاب بكل بساطة: «هؤلاء هم الأكثر كفاءة من أجل شغل المناصب المعنية. وعلى سؤال حول وجود علاقة ما بين تأسيس اللجنة الثلاثية عام 1973 مع الصدمة النفطية أجاب روكفلر: «بالتأكيد، لقد واجهنا وضعا جديدا كان يتطلب طريقة جديدة في التفكير بالمشاكل المطروحة».
وعلى سؤال يتعلق بإمكانية وجود علاقة بين ما قاله في روما عن وجود احتياجات مالية هائلة لدى الصناعة النفطية مما حث الدول المنتجة إلى زيادة تصلب موقفها وبين تحرك الشركات النفطية الكبرى «سرا» من أجل رفع أسعار النفط نفى روكفلر تماما وجود أية علاقة مؤكدا أن المسألتين متمايزتين ولا رابط بينهما. لكن مؤلف الكتاب يؤكد أنه بحث خلال سنوات طويلة من أجل أن يكتشف أن المسألتين كانتا متداخلتين إلى حد كبير.
كذلك يؤكد المؤلف أنه منذ عام 1971 قام الرئيس نيكسون بتشكيل لجنة تعمل بمنتهى السرية من أجل إعادة تفحص السياسة الأميركية للطاقة. وقد توصلت تلك اللجنة إلى نتائج واضحة مفادها أن هناك ضرورة في أميركا لرفع سعر النفط المستورد من أجل «تثبيت الأسعار الداخلية في مستوى مرتفع وتشجيع الاستثمارات الضرورية لتطوير المصادر الوطنية للطاقة».
ونصح التقرير أنه، بانتظار ذلك، ينبغي العمل على «تحسين» العلاقات مع البلدان المصدّرة بغية تجنّب المساس بالواردات الأميركية. في 28 يونيو 1973 صرّح وزير المالية وليام سيمون قوله: «لقد حددت الولايات المتحدة هدفا رئيسيا لها هو تبنّي خطة للعمل ترمي إلى تقليص تبعيتها في ميدان الطاقة حيال الخارج». مثل هذه الكلمات رددها عمليا بعد 33 سنة جورج دبليو بوش أثناء خطابه حول حالة الاتحاد عام 2006.
ويؤكد المؤلف أنه جرى العمل من أجل التأثير على الرأي العام اعتبارا من شتاء 1972-1973، إذ ظهرت بعض مؤشرات الشح في النفط في عدة ولايات أميركية، وللغرابة كما في عام 2000 قبل انتخاب جورج دبليو بوش رئيسا. لقد جرى تقنين البنزين وأغلقت عدة مدارس ومصانع بسبب نقص النفط. واحتلّت أخبار تلك «الأزمة» صدر الصفحات الأولى في الجرائد.
وأطلق أرباب الصناعة النفطية حملة ترمي إلى جعل «الأزمة» أكثر درامية. وساهمت الإعلانات في تحذير الرأي العام من التبعية حيال النفط الأجنبي، خاصة العربي. كان ذلك كله بقصد زيادة في أسعار النفط. هكذا أدّت مضاعفة أسعاره أربع مرّات عام 1974 إلى زيادة أرباح الشركات الكبرى الثلاثين في العالم بنسبة 71 بالمئة بينما لم يرتفع حجم مبيعاتها أكثر من 10 بالمئة. وحققت أكبر ست شركات نفط أميركية خلال الفترة نفسها مدخولا إجماليا بلغ 50 مليار دولار بينما بلغت أرباحها الصافية 6 مليارات دولار.
وينقل المؤلف في هذا السياق عن السناتور الأميركي هنري جاكسون، قوله أمام عدسات التصوير: «يريد المواطنون الأميركيون أن يعرفوا كيف ترتفع أرباح الشركات النفطية بنسب هائلة، والمواطنون الأميركيون يريدون أن يعرفوا عمّا إذا كانت هذه الأزمة المزعومة في ميدان الطاقة هي مجرد حجّة وغطاء من أجل إنهاء المصدر الرئيسي للمنافسة في الأسعار».
لكن الكونغرس الأميركي نفسه لم يكن بعيدا عن أجواء الفساد المحيط. إن اتهامات عديدة جرى توجيهها لشركة «جولف للنفط» الأميركية بأنها قامت ما بين 1960 و1974 بتحويل 12 مليون دولار لأغراض سياسية عبر شركة جرى إنشاؤها في جزر البهاما. وكشف التحقيق أن الأموال التي كان يتم نقلها عبر بلدان الكارييبي كان يتم توصيلها «بمعدّل خمس إلى ست مرات كل سنة» بظروف مختومة إلى مكاتب 15 سناتور من أصحاب النفوذ الذي كانوا ينتمون إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
ومن بين هؤلاء هيو سكوت رئيس المجموعة البرلمانية الجمهورية في الكونغرس والذي خلفه في المنصب أيضا هوارد بيكر الذي أصبح لاحقا الأمين العام للبيت الأبيض. وكان الرئيسان السابقان لندن جونسون وجيرالد فورد قد استفادا أيضا من «سخاء» المجموعة.
ويخلص مؤلف الكتاب إلى القول عن الصدمة النفطية لعام 1973 أنه قد ترتب عليها «فترة استراحة» قصيرة الأمد قبل العودة إلى الإفراط في استهلاك النفط. وكانت السيطرة التي مارستها نصف دزينة من الشركات على الحقول النفطية المنتشرة في العالم كله قد سمحت بالمحافظة على سعر برميل النفط أدنى من 2 دولار لمدة ستين سنة.
النفط والاتحاد السوفييتي
يقول المؤرخ الأميركي دانييل يارجن أن «10 بالمئة من النفط اقتصاد و90 بالمئة سياسة». ويؤكد مؤلف هذا الكتاب سنوات 1970-1980 تؤكد هذه المقولة.
كيف؟ في شهر ديسمبر 1972 قال الرئيس السوفييتي آنذاك ليونيد بريجينيف أمام مجموعة من الزائرين الغربيين: «إن المبادلات الاقتصادية والتجارية تشكل النواة الصلبة والثابتة للوفاق الدولي».
هكذا كان التقارب الأميركي ـ السوفييتي من صنع أوساط رجال الأعمال أولا ثم دعمه ووجهه رجال السياسة. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب قوله أنه خلال الأزمة النفطية لعام 1973 اتخذ البلدان (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق) بأكبر قدر من السرية إجراءات مشتركة مغايرة تماما للمواقف السياسية التي كانا قد أعلناها.
ويذهب المؤلف فيما يقوله أبعد ليشير أن الحظر الذي قررته البلدان العربية المنتجة للبترول كان يرمي إلى الضغط على الغرب عامة، وعلى الولايات المتحدة خاصة، كي تمارس بدورها ضغطا على إسرائيل. ذلك الحظر جرى إفشاله وهو في بداياته... من قبل الاتحاد السوفييتي. إن موسكو التي كانت تعلن مساندتها للمبادرة السياسية للبلدان العربية استوردت آنذاك بترولا قادما من الحقول التي كان حليفها العراقي قد أممها. ثم كانت تبيع من جديد ثمرة ذلك «الانتصار المعادي للإمبريالية» إلى الولايات المتحدة.
وبغية إبعاد «ذلك العمل التجاري» عن التداخل مع المبادئ السياسية، كان يتم أولا توجيه النفط العراقي إلى رومانيا، التي كانت البلد الوحيد في أوروبا الشرقية الذي حافظ على علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، ومنها كان يعاد بيعه إلى الولايات المتحدة بواسطة شركة تجارية سوفييتية.
هذه العمليات السرية والمعقدة كشف عنها العديد من العاملين في السوق النفطية. وكانوا قد لاحظوا أن هناك علاقة واضحة بين استيراد 7 ملايين طن من النفط الآتي من الشرق الأوسط والصادرات المتزامنة في نفس الفترة إلى واشنطن وبنفس كمية 7 ملايين طن. وهذا ما يخلص منه المؤلف إلى القول أن «الحصول على العملات الصعبة والكسب السريع انتصرا مرّة أخرى على إغراء استغلال تلك الأزمة التي عانت منها الرأسمالية».
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن رومانيا كانت تستورد كميات كبيرة من النفط الإيراني الذي كان يمر قسم منه عبر أنابيب النفط التي كانت إسرائيل قد قامت ببنائها أيام حكم شاوشيسكو.
في 6 نوفمبر 1980 أنتخب رونالد ريغان رئيسا للولايات المتحدة. وفي صباح اليوم التالي 7 نوفمبر، عقد أكبر الرؤساء سنا في تاريخ أميركا مؤتمرا صحافيا حضره مؤلف هذا الكتاب. وقد قال ريغان موجها حديثه للصحافيين: «هكذا انتهت متاعبكم ـ ملاحقة الحملة الانتخابية ـ يا أبنائي وبدأت متاعبي». ولكن أيضا «متاعب الاتحاد السوفييتي»، كما يشير اريك لوران.
جعل ريغان في مقدمة اهتمامه العمل على تحطيم الاتحاد السوفييتي الذي وصفه عام 1983 أنه «إمبراطورية الشر». وينقل المؤلف عن أحد المقرّبين من ريجان أنه قال ذات يوم لنائبه جورج بوش (الأب) ما يلي: «جورج إن الاتحاد السوفييتي في الرمق الأخير». كان ذلك القول اعتمادا على تقرير «سري للغاية» أعدته إدارة الشؤون الاقتصادية في مجلس الأمن القومي الأميركي ذات المصداقية الكبيرة لدى إدارة ريجان.
وكان مما جاء في ذلك التقرير أنه «ليس أمام السوفييت سوى حلين من أجل مواجهة الصعوبات التي يعانون منها. فإما أن يزيدوا من مبيعات أسلحتهم، لكن هامش مناورتهم ضيّق جدا ذلك أن المشترين المهمّين، مثل سوريا والعراق، يعانون من أزمة كبيرة في الدفع بسبب السعر المنخفض جدا للنفط. وإما اللجوء إلى قدر أكبر من القروض». هذا الحل الثاني هو الذي اختاروه.
كان معدّ تلك الدراسة هو روجيه روبنسون، أحد نوّاب رئيس «مانهاتن بنك» المكلف خاصة بالقروض للاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، والذي أصبح رئيسا لإدارة الشؤون الاقتصادية في مجلس الأمن القومي بناء على طلب وليام كينري، رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية آنذاك ووزير الدفاع «كاسبار واينبرغر».
التقى مؤلف هذا الكتاب عدة مرات مع روجيه روبنسون الذي كان فخورا بمساهمته الفعالية في «تخليص الأرض من الشر المطلق» الذي كان يمثله بنظره الاتحاد السوفييتي والشيوعية. وكان ريغان نفسه على اقتناع كامل بأن نظاما «مأساويا ولا أخلاقيا» مثل روسيا الشيوعية ينبغي أن يزول سريعا. هكذا بدأت الحرب السرية التي كان النفط أحد أدواتها الرئيسية، ولكن من دون أن يعي المنتجون الدور المركزي التي سوف يلعبونه فيها، كما يؤكد المؤلف.
ويشير إلى أنه للمرة الأولى في تاريخ وكالة الاستخبارات المركزية، يحصل مديرها وليام كيسي على درجة وزير ويحضر جميع اللقاءات عمليا مع الرئيس في البيت الأبيض. وكان يعمل على ثلاثة ملفات رئيسية هدفها الإطاحة بالاتحاد السوفييتي وهي دعم نقابة تضامن في بولندا، وتمويل المجاهدين ودعمهم في مواجهة القوات السوفييتية المرابطة في أفغانستان، وأخيرا «خنق» الاتحاد السوفييتي ماليا عبر تقليص مداخيله من العملات الصعبة.
كانت الوسيلة الأساسية في العمل هي تخفيض أسعار النفط. هكذا عملت الاستخبارات الأميركية من أجل إقناع السعودية، البلد المنتج الكبير للنفط، بأن «الاتحاد السوفييتي يريد محاصرتها». وقد ذكّر «وليام كيسي» نظيره السعودي الأمير تركي الفيصل، بما قاله عام 1939 «مولوتوف» وزير خارجية ستالين، لسفير هتلر في موسكو وجاء فيه: «تشكل منطقة جنوب باكو وحتى منطقة الخليج أحد المراكز التي يتطلع لها الاتحاد السوفييتي».
اضطر الاتحاد السوفييتي في ذلك السياق إلى بيع كميات كبيرة من احتياطي الذهب الذي كان يملكه. وعندما جرى إخطار البيت الأبيض بذلك قرر المسؤولون الكبار في الإدارة الأميركية «تسريع» عملية «الخنق الاقتصادي» للاتحاد السوفييتي. هكذا فرض ريغان حظرا على بيع الأعتدة والأجهزة المصنعة في الولايات المتحدة والمكرّسة لبناء خط أنابيب الغاز الأوروبي ـ السيبيري.
ثم كمّل ذلك بخطوة أخرى تمثلت في حظر ثان على الأدوات الأميركية المصنعة في أوروبا. كانت خسائر الأوروبيين كبيرة، ولكن كان الرهان كبيرا أيضا بنظر الأميركيين. وكان «صقور» الإدارة الأميركية قد فرضوا أيضا الحظر على القروض والتكنولوجيات الغربية باتجاه موسكو.
قرر النظام الشيوعي السوفييتي تعبئة كل موارده من أجل بناء خط أنابيب الغاز الأوروبي ـ السيبيري على نفقته وبواسطة تكنولوجيته. لكن إمكانياته وتقنياته المتواضعة أدت إلى مراوحة حقيقية بالمكان. وخسرت موسكو على مدى عامين تقريبا أكثر من 2 مليار دولار.
وقد دلّت تقارير الاستخبارات الأميركية أن انهيار أسعار النفط المدروس بعناية جعل خسائر موسكو تصل إلى 13 مليار دولار، ولم يتم تعويض الخسائر بواسطة مبيعات الأسلحة أيضا بسبب انخفاض مداخيل المشترين الرئيسيين. وكانت الحرب في أفغانستان تكلّف السوفييت 4 مليارات دولار سنويا. هكذا وصل الاتحاد السوفييتي إلى وضع «لم يعد يملك فيه إمكانيات ولا رغبة انتهاج سياسة قوة عظمى».
لعب جورج بوش الأب دورا مركزيا في ذلك، وبدا لفترة أنه «رجل وحيد ضد الجميع». لكنه كان يعتمد في الحقيقة على شبكات لم يكن أحد قد أدرك مدى قوتها.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

