على الرغم من أن خوسيه ماريا أزنار رئيس الوزراء الأسباني السابق يؤكد انسحابه من الصف السياسي الأول في اسبانيا، الا أنه لا يخفي ميوله الأيديولوجية ، ولا يدخر انتقاداته البتة . صحيفة «لا ناسيون» الأرجنتينية انتهزت فرصة زيارة قام بها أزنار، مؤخرا، إلى بوينس أيريس وأجرت معه حواراً تناول العديد من القضايا الساخنة المتعلقة بالسياسة الداخلية في بلاده ، فضلا عن بعض جوانب السياسة الأسبانية الخارجية.
فيما يتعلق بالنشاطات المتعددة التي يمارسها أزنار حاليا، ذكر أنه يعطي دروساً في السياسة الأوروبية في جامعة جورج تاون في واشنطن كما أنه يعمل مستشارا لشركة «نيوز كوربوريشن»، التي تعد قمة الهرم في الإمبراطورية الإعلامية للقطب الأسترالي روبرت مردوخ.
لكن ذلك لا يعني أن أزنار ابتعد عن عالم السياسة أو بالأحرى عن الاشتغال بالشأن العام ، إذ يقول:«أنت لا تستطيع نسيان السياسة مطلقا، لكن موقعي وطموحي لم يعودا في الصف الأول. موقعي في عالم الأفكار وفي المساهمة في تقديم أسس مهمة للمجتمع الحالي». وعلى هذا الموضوع بالذات يقوم كتابه القادم «فيما يتعلق بالقيم» ، الذي سيصدر قريبا، والذي سيكون الكتاب الثالث من تأليفه .
وذلك بعد أن صدر له كتاب « ثماني سنوات: رؤية شخصية عن اسبانيا» ، الذي يجري فيه جردة حساب لإدارته عندما كان يشغل منصب رئيس الحكومة الأسبانية بين عامي 1996 و2004، وكتاب «صور وصور جانبية: من فراغا إلى بوش»، الذي يعد مراجعة للسير الذاتية للقادة الذين أثروا فيه أكثر من غيرهم. وهو يقول في هذه الصدد: «أنا أخوض معركة الأفكار، التي تعد المعركة الأهم ولا أخوض معركة المناصب». وفيما يلي نص الحوار:
* كيف ترى الوضع في الأرجنتين؟
ـ أعتقد أن الأرجنتين شهدت تطوراً سياسياً على جانب كبير من الأهمية يتمثل في النصر الذي حققه ماوريسيو دي ماكري، رئيس الحكومة المنتخب في مدينة بوينس أيريس. ومن الواضح أن البلاد شهدت بعد الأزمة تحسناً ملحوظاً، وعلى الصعيد السياسي، فإن فوز ماكري مهم جداً.
* كيف تنظر إلى ما أقدم عليه الرئيس كيرشنر عندما اختار زوجته كمرشحة لخلافته؟
ـ إن مشكلة الكثير من المجتمعات تكمن في الحاجة إلى توسيع رقعة العمل المؤسسي. يراودك انطباع أحيانا بأن البقاء في السلطة يجب أن يكون أبديا، الأمر الذي حاربته طوال حياتي، وذلك حتى قبل وصولي إلى رئاسة الوزراء ، فلقد أعلنت حينها أني لن أبقى سوى لفترتين في الحكومة.
واحترمت كلمتي. فأنا أملك شعوراً مؤسسياً، ولا أؤمن بالتجمعات حول الزعماء الأذكياء إلى حد ما. فالبلدان تحتاج إلى مؤسسات متينة وقوية، والأحزاب يجب أن تكون جيدة وعلى رأسها قادة جيدون وتشكل جزءاً من التطور المؤسسي للبلاد، ويجب ألا تبنى الزعامات من دون أحزاب.
* هل يمكن اعتبار كيرشنر زعيماً؟
- أنا أتحدث مع احترامي الكامل لرؤساء البلدان التي زرتها وأنا على علاقة طيبة بالرئيس كيرشنر . وكانت رحلتي الأخيرة إلى بوينس أيريس من أجل تقديم ما نسميه أجندة الحرية لأميركا اللاتينية، التي تحيط بها الكثير من المخاطر وعلى رأسها الخطر الذي تمثله الشعوبية والسياسات الاقصائية والنقص في العمل المؤسسي وفي آليات عمل اقتصاديات السوق.
* بعيدا عن انفجارات مدريد، إلى ماذا تعزو التغيير في السياسة الأسبانية الخارجية بمجرد انتهاء فترة حكومتكم؟
ـ الحكومة قررت سحب قواتها من أهم تحالفاتها مع أهم البلدان . وكان ذلك خطأً جسيماً، وجاء نتيجة نقص كبير جداً في الفهم السياسي وجراء عمل حكومة متشددة جداً تعتقد أن السياسة الخارجية تتوقف على القيام بعكس ما قامت به الحكومة التي سبقتها، الأمر الذي يعد منافيا للعقل والمنطق ، فضلاً عن أن هذه الحكومة لم تعرف كيف تميز بين مصالح البلاد على المدى البعيد ومصالح الحكومة على المدى القصير.
ولا شك بأن رفض الوقوف بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للانتقال إلى الوقوف بين فنزويلا وكوبا كان قفزة سلبية. فلقد صاغت اسبانيا طوال سنوات سياسة كان حضورها وقدرتها فيها يتعززان بصورة دائمة. وكان ذلك بارزاً، بحيث كانت تلك السياسة محترمة ومقدرة في جميع أنحاء العالم، لكننا هربنا من ذلك الموقع لأن تلك الساسة كان يصنعها آخرون، الأمر الذي يبدو لي ممارسة صبيانية للسياسة إلى حد كبير وخطأ.
* الأمور لم تمض على نحو جيد مع الآخرين.
ـ ولا مع اسبانيا نفسها، فخسارة ذلك الموقع الذي كانت تحتله لم تجلب لها أي شيء جيد، فلقد خسرت تأثيرها ومقدرتها وحضورها في العالم، كما يحدث لكل تلك البلدان ، التي تنكب على صنع المشكلات الداخلية عوضا عن وضع تطلعات مهمة جدا والاتحاد من أجل تحقيقها. عندما يضع المر وجوده نفسه على بساط البحث، فمن الصعب جدا أن يتمكن من امتلاك سياسة خارجية متماسكة.
* سحبت اسبانيا قواتها من العراق، لكنها زادت من تعداد كتيبتها في أفغانستان وتعاونت في لبنان.
- إنها ممارسة صبيانية زيادة عن اللازم، التفكير أن بعض الأشياء تعوض عن أشياء أخرى أو تعادلها ، فعندما تنعدم الثقة في علاقة سياسية ما، كما تنعدم الثقة العائلية أو الشخصية، فإنك لا تسترجعها من خلال طرق أخرى، فأنت تدرك تماما أنك فقدتها. وسلوك الحكومة الأسبانية عندما سحبت القوات من العراق بحيوية ونشاط شديدين لن يعوض مطلقا، مهما تم إرسال جنود إلى أفغانستان أو لبنان. إنها رؤية صبيانية للسياسة.
* هل ستشكل منظمة «إيتا» الموضوع المسيطر على الحملة الانتخابية بعد وقف الهدنة مع الحكومة؟
- الموضوع المسيطر سيكون الأسى الوطني. هذا هو الموضوع الذي تغرق فيه اسبانيا . فهناك الكثير من الناس الذين لا يتفهمون أن ذلك أمراً ممكناً.
* ولا أنا .. ؟
- أنظر، البلدان تصنع وتفككك وليس هناك أي بلد لديه ازدهار دائم مضمون ولا محكوم عليه بالفشل دائما. اسبانيا لديها مشكلات تخص بلداً غنياً، لكنها فتحت عملية سياسية ذات خطورة وتعقيد غريبين وأحد عناصرها، المتمثل في المواثيق والعهود التي أسست لمرحلة التحول الديمقراطية، قد تمت تصفيته.
وهذا يعني أن لدينا سياسة إقصائية عوضاً عن السياسة التكاملية. العنصر الثاني هو أن الواقع الوطني وجهاز الدولة آخذان بالتحلل بصورة مضطردة جراء الأتفاقات مع أكثر القوميين تشددا وتحركات «إيتا» الإرهابية.
* هل يمكن لمشكلة «إيتا» أن تحل على طريقة مشكلة أيرلندا الشمالية؟
- لا. ذلك لأن «إيتا» لديها هدف يتمثل في تحقيق السلطة والاستقلال ببلاد الباسك. ومن أجل ذلك الهدف نجدها تقتل الناس وتضع قنابل وتخطف وتبتز وتنتزع هدن وتعلنها. لكن مهمة الحكومة ليست التفاوض مع الإرهابيين ، وإنما الوقوف في وجه تلك الأهداف وتوطيد أركان الدولة والبلاد وهويتنا وقيمنا. أما إذا فعلت العكس، فإنها تضعف الدولة ويصبح الخطر كبيراً.
ترجمة : باسل أبو حمدة -عن«لا ناسيون»
