في عام 1995 تعرضت دولة الجابون الواقعة وسط غرب القارة الإفريقية لحالتي تفش لمرض الإيبولا الذي يعد أحد أخطر أمراض العالم. ووقتها أصيب بالمرض قرابة 91 شخصا مات منهم 66.
الخسائر البشرية للمرض كانت قليلة إذا قورنت بما حدث عند تفشي الوباء في سنوات سابقة في كل من جمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان، غير أن ما حدث في الجابون مثّل نقطة تحول في الطريقة التي تعالج بها الأوبئة في الدول الفقيرة.
في الوقت الذي بدأ فيه الإيبولا في الانتشار وإحكام قبضته على ذلك البلد الإفريقي الفقير، تم إرسال فريقين طبيين من فرنسا والولايات المتحدة إلى المناطق التي تفشى فيها المرض. وعلى الرغم من النوايا الطيبة، إلا محاولات الفريقين لم تسفر عن نتائج ملموسة.
فانعدام التنسيق بين الأطباء والعمال كان يعني أن الشعب المحلي للبلاد الذي كان تحت وطأة المرض يتعين عليه التعامل مع مجموعتين مختلفتين من الأطباء يوميا يأخذون منهم عينات دم ويسألونهم الأسئلة نفسها كل مرة.
الأسوأ من ذلك تمثل في أن فرق المساعدة الطيبة لم تكن ترجع مرة أخرى للمرضى والمصابين والأصحاء لإخبارهم بما تم التوصل إليه من نتائج، الأمر الذي ولد حالة من الشك والريبة بين المصابين الذين تأصل لديهم بمرور الوقت شعور أن تلك الفرق الطبية غير مفيدة.
الشعور بعدم الثقة هذا تبلور بشكل كبير بعد ذلك بستة أعوام عندما حدث تفش آخر للمرض في منطقة مجاورة، حيث وجدت فرق المساعدة مقاومة شرسة من الأهالي الذين أرادوا منعهم من دخول المناطق المصابة بقوة السلاح.
ووفقا للعالم باري هيوليت من جامعة ولاية واشنطن بالولايات المتحدة، فإن أصل الصراع والخلاف بين الفرق الطبية والأهالي في الجابون يتمثل في عدم فهم الفرق الطبية الأجنبية لتاريخ وعادات وتقاليد قبائل هذه البلدان الإفريقية.
وترى منظمة الصحة العالمية الوضع هناك من المنظور نفسه الذي يراه علماء مثل هيوليت، وفقا لمجلة نيوساينتست التي أفردت لقضية انعدام التفاهم بين الفرق الطبية والشعوب الإفريقية المتخمة بالكوارث الطبية تغطية مميزة في أحد أعدادها الأخيرة.
ففي عام 1997 قامت المنظمة العالمية بمراجعة خطوطها الإرشادية الخاصة بالتعامل مع مرض الإيبولا، حيث أكدت على أهمية الأخذ في الحسبان بدرجة كبيرة الإرث الشعبي السائد في البلد المنكوب. غير أن مثل هذا الإجراء الاحتياطي لم يكن كافيا لمنع دائرة العنف التي حدثت في عام 2001.
والآن وبعد مرور عقد من الزمان، تبين لمنظمة الصحة العالمية صحة ما تم تقديمه من إجراءات في التعامل مع أهالي المناطق المصابة حيث جرت الاستعانة بخبراء في التعامل مع مثل تلك الشعوب.
ووجدت المنظمة أن ما تم فعله مؤثر للغاية وأنه يجب تطبيقه على نطاق أوسع. ويدعو مسؤولو منظمة الصحة العالمية الآن إلى إعادة التفكير بشكلي كلي في الطريقة التي يتعامل بها مسؤولو الصحة العامة في الدول الغربية مع تفشي الأمراض في مختلف أرجاء العالم.
المشكلة من وجهة نظر هؤلاء المسؤولين تكمن في أن مسؤولي الصحة العامة الذين يعملون في مجال التنمية الدولية كانوا ولا يزالون يتجاهلون حقيقة أن الشعوب الأصلية لتلك المناطق المنكوبة لديها طرقها الخاصة في التعامل مع الأمراض والوقاية منها.
وخلصوا إلى أن التعامل مع الأمراض المنتشرة في القارة الإفريقية وفي بلدان العالم الأخرى الفقيرة يمكن أن يحظى بدرجة أعلى من النجاح في حال إدراك مسؤولي الصحة العامة في العالم تلك الحقيقة، وفي حال نجاحهم في العثور على وسائل يمكن من خلالها التنسيق بين الطرق التقليدية والأخرى الحديثة في التعامل مع الأمراض.
كل هذا يبدو أمرا منطقيا ينبغي حدوثه، كما تشير المجلة. غير أن الأمر يمثل اقتراحا راديكاليا بحسب تعبيرها بالمقارنة بما يجري من ممارسات على الأرض. فالنظرة العالمية لأساليب الطبي الإفريقي لم تتعد حدود ما يجري تصويره في أفلام هوليوود من خرافات يقوم فيها أطباء بترديد خزعبلات وسط أصوات الطبول والرقصات الإفريقية الشعبية.
فالاعتقاد السائد في الدوائر العلمية العالمية هو أن جميع أساليب العلاج الإفريقية تعتمد في أصولها على الخزعبلات والشعوذة والسحر الأسود. ولذا فما من عجب أن يعتبر عدد كبير من خبراء الصحة العالمية، بمن فيهم الأفارقة الذين درسوا بالغرب، أن العلاج الإفريقي غير ذي قيمة في أفضل توصيف له وأنه أحيانا يأتي بنتائج عكسية مضرة بل مميتة أيضا.
وعلى الرغم من أن هذه النظرة الدونية تتبناها مجموعة من أكبر خبراء الطب في العالم في القرن العشرين، إلا أن هناك الآن من يؤكد أنها بعيدة كل البعد عن الحقيقة، كما يشير العالم إدوارد جرين، من مركز هارفارد للدراسات البشرية والتنموية.
فقد وجد جرين ومجموعة من زملائه في المعهد أن الأساليب الشعبية التقليدية في العلاج في القارة السمراء، على الرغم من اعتمادها في جزء كبير منها على الشعوذة، تتناغم في جانب كبير منها في الوقت نفسه مع أساليب العلاج الحديثة فيما يتعلق بالتعرض للأوبئة الخطيرة التي تنتشر في القارة.
فالعالم جرين، الذي قضى عقدين من الزمن في العمل في عدد من بلدان منطقة شبه الصحراء الإفريقية، قد جمع مجموعة من الأفكار المختلفة حول ما أسماه هو (نظرية العدوى الخاصة بأهل البلاد الأصليين).
ووفقا لجرين فإن هذه النظرية لها ثلاثة أبعاد تؤكد التوافق بين ما يطبقه الشعب الأصلي للبلدان الإفريقية من علاجات وبين أساليب الطب الغربي الحديث. أول هذه العوامل هي أن تلك الشعوب تعترف أن الكائنات شديدة الصغر، التي عادة ما توصف أنها حشرات صغيرة أو ديدان، هي السبب الرئيسي لأمراض كثيرة للغاية.
ثانيا، يعتقد هؤلاء أن الإنسان تنتقل إليه العدوى نتيجة اتصال أو تلوث ببعض المواد. العامل الأخير هو أنهم يعترفون أن هناك عناصر في البيئة، بما فيها الهواء، يمكنها التسبب في نشر بعض الأمراض.
يشير جرين في هذا الصدد إلى أن الطريقة التي يعبر بها هؤلاء الناس عن هذه المعتقدات قد تبدو غريبة في نظر العالم الخارجي ، ولكن بمجرد أن يعتاد الشخص على المصطلحات والرموز والاستعارات غير الغربية، فإن التلاقي بين مفاهيم هذه الشعوب وبين المفاهيم الغربية يكون واضحا بشكل كبير للغاية.
بل الأكثر من ذلك، على حد قول جرين، هو أن معرفة الكيفية التي تحدث بها تلك الأمراض يمكن أن تؤدي بهؤلاء الشعوب إلى الوصول إلى إستراتيجيات وقائية أو علاجية قريبة للغاية من تلك التي يتبناها الغرب.
وجهة النظر نفسها يتبناها العالم باري هيوليت من جامعة ولاية واشنطن، الذي قام بدراسة مسحية مفصلة على انتشار مرض الإيبولا في إفريقيا لاسيما في شمال أوغندا، هذا البلد الإفريقي الذي حصد فيه المرض اللعين أرواح 224 شخصا، وهي أكبر نسبة ضحايا للإيبولا منذ اكتشافه في 1976.
فبعد أن وجد الأهالي أن الطرق التقليدية في التعامل مع المرض لا تجدي نفعا بل إنها تزيد الوضع سوءاً، أدركوا أنهم أمام وباء غير عادي أطلقوا عليه اسم (جيمو) أو الروح الخبيثة، كما تعني الكلمة في لغتهم الأصلية، وهو ما كان يعني أن الأمر يحتاج إلى إجراءات مستحدثة فريدة للتغلب على الوباء.
وخلص الأهالي أن المرضى يحتاجون إلى عملية حجر صحي بالمنازل، على أن يبتعدوا عن الأصحاء بمسافة لا تقل عن 100 متر. وقام الأهالي بإحاطة منازل المرضى بأكوام من الحشيش الذي تأكله الفيلة. وجرى تمييز أي قرية يكتشف بها المرض بطرق مشابهة.
وكان الذين يعتنون بالمرضى أشخاصا ممن تعافوا من المرض أو من المتقدمين في السن. أما السيدات الحوامل والأطفال فكانوا يُنصحون بالابتعاد عن ذويهم المرضى بأي شكل من الأشكال. ودعا الأهالي إلى قصر الطعام على لحوم الماشية الطازجة .
ولم يكن يجري السماح بأي أنشطة جنسية أو حفلات رقص. وأي شخص يتعافى يجري عزله عن الناس لمدة زمنية محددة كما كان يتم دفن الميت منهم بمعرفة الشخص الذي كان يرعاه في أطراف المدن بعيدا عن القرى.
ويخلص العالمان هيوليت و جرين إلى القول إن الموارد التي توفرها المنظمات العالمية المعنية بعلاج أوبئة الدول الفقيرة ينبغي استخدامها بالتنسيق مع الطرق والأساليب الشعبية التي أثبتت فعالية كبيرة في عدد كبير من مناطق العالم.
حيث سيؤدي هذا إلى نتائج أكثر فعالية لاسيما أن تلك الأساليب تثبت يوما تلو آخر أنها بسيطة التكلفة وفعالة وتحظى بقبول الأهالي بسبب تقاربها مع ثقافتهم المحلية. فإذا حدث نوع من أنواع الاعتراف بهذه الأساليب واستخدامها بشكل علمي مقنن، فإنها ستكون أكثر فائدة بالنسبة لشعوب هذا الجزء الفقير من العالم.
إعداد ـ حاتم حسين
