تمّت عملية التنقيب الأولى عن النفط الأميركي عام 1859 في قرية صغيرة بشمال بنسلفانيا. لم يكن عدد سكانها يزيد عن 125 نسمة وكانت قرية بائسة يكاد اسمها لا يظهر على الخرائط الجغرافية.

لم يكن هناك تقريبا من يعتقد أنه يمكن استخراج البترول عبر ضخّه من تحت الأرض مثل الماء. لكن ادوين دراك، سائق القطار السابق، ابتدأ بعناد عملية التنقيب بواسطة آلة بدائية، واضطر للتوقف طيلة فترة الشتاء كي يستأنف العمل في الموسم المواتي لكن من دون نتيجة مثمرة.

وفي نهاية عام 1859 خشي الممولون الذين ضمّتهم «شركة سينيكا للبترول» من خسارة مبالغ أكبر من الأموال فأرسلوا له أمرا بالتوقف عن التنقيب. وبتاريخ 29 أغسطس 1859، وحيث لم تكن تلك الرسالة قد وصلت إليه، انبجس البترول من عمق عشرين مترا.

اشترى المساهمون في شركة «سينيكا» على الفور الأراضي المجاورة لكن الخبر انتشر مثل النار في الهشيم. في العام التالي وصل سعر البرميل إلى 20 دولارا لكن غياب الأسواق الكبيرة أدّى إلى الانهيار السريع للأسعار. وفي عام 1861 لم يكن سعر البرميل يزيد عن 10 سنتيمات ثم تدنّت الأسعار أكثر كي يغدو البترول أرخص من الماء.

مع ذلك وفي الفترة نفسها أسس شاب كان يعمل في السابق محاسبا شركة «ستاندارد للبترول» التي جعلت منه أغنى رجل في العالم، واسمه جون د. روكفلر. وكان العديد من المنتجين والمكررين قد «حفروا قبرهم بأنفسهم» عندما دخلوا في منافسة عشوائية أدّت إلى زيادة كبيرة في الإنتاج. لكن روكفلر بقي سيد اللعبة، وصرّح قوله: «هؤلاء المساكين، لو أنهم أنتجوا كميات أقل من البترول لكان بمقدورهم أن يحصلوا على أكبر سعر ممكن. ولو أنهم أنتجوا كميات أقل مما يطلبه الآخرون فإنه ما كان لأي شيء في العالم أن يؤدي إلى إخفاق هذه الظاهرة».

كان من بين الضحايا شركة «سينيكا» نفسها التي كانت قد طردت في عام 1864 أدوين دراك مع تعويض مقداره 731 دولارا. لقد أمضى بقية حياته في أحضان الفقر المدقع، ومات بعد عدة سنوات وهو معاق بشكل كامل تقريبا.

«إن الصعود المدهش لروكفلر والسقوط المريع لدراك يدلاّن على قاعدتين ثابتتين في عالم النفط. القاعدة الأولى هي أن جميع من يجمعون ثروة من هذه الصناعة لن يقتربوا أبدا من بئر نفطي ـ باستثناء بول جيتي، والقاعدة الثانية هي أن عالم البترول يشهد عقوقا كبيرة حيال رجال الميدان، أي أولئك الذين يعود لهم فضل إنتاج الثروة فيه.

استهلاك متعاظم

في عام 1901 حصل ثري مغامر بريطاني اسمه وليام نوكس دارسي من الشاه على امتياز يغطي مساحة 770 ألف كيلومتر مربع، أي خمسة أسداس إيران وما يزيد عن مساحة تكساس، ولم يكن هذا الثري البريطاني قد زار المنطقة سوى مرتين لمقابلة الشاه، ومرّة أخرى من أجل القيام برحلة في نهر النيل.

وكانت الشركة «الانجليزية ـ الإيرانية» التي رأت النور عام 1908 قد لقيت نجاحا كبيرا بفضل العناد الذي أبدته شركة «رينولدز» للتنقيب التي واجهت المناخ القاسي والأوبئة لكن من دون أن تلقى أي اعتراف بعملها من قبل نوكس دارسي.

كانت الحكومة البريطانية ترقب باهتمام عمليات التنقيب في إيران بل أرسلت بعض الوحدات العسكرية التي كانت ترابط في الهند إلى عين المكان من أجل حماية حقول النفط والمعدّات. هكذا للمرة الأولى في التاريخ الحديث يغدو النفط ما سيكونه بعد ذلك باستمرار، رهانا إستراتيجيا وأولوية للأمن القومي وورقة عسكرية رابحة.

كان تشرشل هو أول من أدرك تلك الأهمية الإستراتيجية للنفط عام 1911 حيث كان مسؤولا عن البحرية البريطانية. وقد صرّح أمام البرلمان في 17 يوليو 1913 بقوله: «علينا أن نصبح مالكي الشركة الانجليزية ـ الإيرانية أو على الأقل أن نملك السيطرة عليها من المنبع فيما يخص نسبة من النفط الخام الذي نحن بحاجة له».

وفي 17 يونيو 1914، نص المشروع الذي قدّمه للبرلمان على أن تستثمر الحكومة مبلغ 2 ,2 مليون جنيه استرليني مقابل الحصول على نسبة 51 بالمئة من الشركة الانجليزية ـ الإيرانية. وكان هناك أيضاً اتفاق آخر ظلّت بنوده سرية، وينص على أن يتم تزويد السفن البحرية الحربية، التي بدأت باستخدام المازوت بدلا من الفحم الحجري، بالبترول لمدة عشرين سنة.

طرحت شركة بريتش بتروليوم لاحقا نفسها كمنافسة لشركة «ستاندارد» لمالكها روكفلر وأيضا لشركة «شل» التابعة لمجموعة انجليزية ـ هولندية. وعند بداية الحرب العالمية الأولى لم يكن العالم يستهلك سوى 6 ملايين طن من النفط، ومع ذلك كانت هذه المادة الإستراتيجية موضوع كل الرهانات بينما الفحم،

الذي كان لا يزال مادة الطاقة المسيطرة، لم يكن يثير القدر نفسه من الضغوط. لقد بدا أن العالم قد اكتشف مع البترول «أكسير الحياة» الذي يلبي كل الرغبات، لاسيما مع كلفة إنتاجه البسيطة والذي يولّد مكاسب خرافية، وهو فضلا عن هذا كله عامل مهم في تسريع التقدم.

وفي عام 1900 حيّت الصحف جسارة تيودور روزفلت. لقد كان أول رئيس أميركي يقود سيارة، لكن التعقل كان يعدّل من جسارته. وفي مطلع القرن العشرين كانت الولايات المتحدة هي المنتج الأول للنفط في العالم، لكنها لم تكن تمتلك سوى 170 كيلومترا من الطرق المعبّدة التي كانت تسير عليها 8000 سيارة ذات كوابح غير فعالة تماما، مما كان وراء العديد من حوادث السير.

وفي عام 1908 أطلق «هنري فورد» أول موديل من سياراته، ورفع الشعار التالي: «هذه هي السيارة التي يستطيع كل إنسان الحصول عليها شريطة أن تكون سوداء». وإذا كانت تكفي الآن 18 عملية لإنتاج سيارة، فإن ذلك كان يتطلب آنذاك 7882 عملية منها 949 عملية تطلّب «رجالا أشدّاء ولا يعانون من أي عجز بدني» كما كتب هنري فورد نفسه في مذكراته.

كان عدد السيارات عام 1911 هو 000 619 و2 مليون عام 1914 و18 مليون عام 1924 من بينها 16 مليون في الولايات المتحدة. وفي تلك السنة (1924) كانت الولايات المتحدة تستهلك من البترول ما ستحتاجه أوروبا عام 1960. ولم تكن التبعية حيال هذه المادة الإستراتيجية اقتصادية فحسب، وإنما أصبحت سيكولوجية أيضا. باختصار أصبح النفط عاملا في رفاهية الناس.

وكان النفط أيضاً في صميم التوسع العمراني. فلوس انجلوس مثلا التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 10 ملايين نسمة وتمتد بشكل نصف دائرة على المحيط قطرها 100 كيلومتر مع ضواحيها، لم يكن يسكنها عام 1820 سوى 40 شخصا ووصل عدد سكانها عام 1872 إلى 5000 نسمة ولم يكن يربطها بأوروبا أية وسيلة مواصلات.

وفي عام 1883 انطلقت منافسة الخطوط الحديدية وجذبت لوس انجلوس أعداداً كبيرة من الأميركيين الذين قدموا إليها للعيش أو لشراء ما يمتلكونه ووصل عدد سكانها عام 1886 إلى أكثر من 000 100 نسمة. وزاد وزن السلع المنقولة لها سنويا من 135 طن إلى 000 200 طن، كما زادت قيمة مبيعات العقارات والأبنية من صفر إلى 8 ملايين دولار في الشهر لتصل إلى 13 مليون عام 1887.

وكان من بين سكان المدينة هاري شاندر الذي ملك مع أسرته صحيفة «لوس انجلوس تايمز» الشهيرة، والذين أصبح لهم فيما بعد نفوذ كبير في كاليفورنيا الجنوبية. لقد اشترى شاندلر أراض كثيرة بأسعار بخسة، وأعاد بيعها بأسعار باهظة.

وأصبحت له مصالح في مجال بيع العجلات والسيارات والبنزين وبناء الطرق الكبرى. هكذا شجّع على قيام أحياء جديدة من بينها هوليوود، حيث كان يستشعر ازدهارا كبيرا لصناعة السينما. كان النفط ذو الثمن البخس متوفراً بغزارة، وقد أصبح محرك الازدهار الصناعي الهائل وأيضا محرك المجتمع الاستهلاكي الذي كانت تتبدّى ملامحه.

ولم تكن هناك أية حكومة في العالم تريد أن تعطّل ذلك الازدهار بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914. هذه الحرب أوضحت للجميع البعد الإستراتيجي للنفط الذي لم يعد شرط انتصار الحلفاء فحسب،

وإنما رهان ذلك الانتصار. «لقد أصبح هو المصدر الأساسي للقوة العسكرية عبر نقل الرجال والأعتدة ومن أجل تسيير الدبابات الأولى وتحليق الطائرات المقاتلة»، كما ينقل المؤلف عن جان ماري شوفاليه في كتابه الشهير «معركة الطاقة الكبرى».

في عام 1914 كان الأميركيون ينتجون 266 مليون برميل أي ما يعادل 65 بالمئة من الإنتاج العالمي. وعندما انطلقت الثورة البلشفية عام 1917 أي في أوج الحرب منعت الوصول إلى الحقول النفطية الروسية الواقعة في منطقة باكو. وكانت واشنطن تقوم بتزويد أوروبا بواسطة ناقلات النفط التي أغرق الألمان العديد منها عندما كانت تجتاز المحيط.

لقد اكتشف المسؤولون السياسيون أثناء تلك الحرب أولوية أصبحت همّا لا يبارح تفكير من خلفوهم، وتمثلت في ضمان التزود بالنفط، بأي ثمن، من أجل حسن سير آلة الحرب. لقد غدا النفط عصب الحروب وعصب الاقتصاد. وينقل المؤلف عن جورج كليمنصو، أحد أكبر السياسيين في تاريخ فرنسا، ورئيس حكومتها لسنوات، قوله: «إن قيمة نقطة النفط تساوي من الآن فصاعدا قيمة نقطة الدم بالنسبة للأمم والشعوب».

إن النهاية التي آلت لها الحرب العالمية الأولى سمحت بإعادة توزيع الأوراق. فقبل تلك الحرب كانت هناك مجموعة تدعى «الشركة التركية للنفط» لم تكن تحمل أي شيء له علاقة بتركيا سوى الاسم، إذ كانت تملك الحقول العراقية.

وكانت تجمع بين الشركة الانجليزية ـ الإيرانية (بريتش بتروليوم مستقبلا) بنسبة 50 بالمئة، وشركة شل الملكية الألمانية بنسبة 25 بالمئة والبنك الألماني (دوتش بنك) بنسبة 25 بالمئة أيضا. واعتبارا من تحلل الإمبراطورية العثمانية أعطيت نسبة 25 بالمئة لشركة توتال الفرنسية مقابل سماح فرنسا ببناء خط لنقل النفط يمر في سوريا ولبنان الخاضعين لانتدابها.

عملت الدبلوماسية السرية آنذاك بكل قوتها، وتركزت السياسة الخارجية الأميركية حول المنافسة القائمة بين شركة «ستاندارد للنفط» في نيو جرسي وشركة شل (الانجليزية ـ الهولندية). ورأى العديد من الخبراء أن الحرب ستقوم بعد فترة وشيكة بين بريطانيا والولايات المتحدة.

لكن تلك الحرب لم تقع، ويعود هذا بشكل رئيسي، كما يؤكد مؤلف الكتاب، إلى الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه حول اقتسام شركة نفط العراق (عراق بتروليوم) التي كانت قد حلت محل الشركة التركية للنفط. هكذا وقع الغرب عمليا تحت سلطة حوالي 300 شخص من الرأسماليين.

في الحرب العالمية الثانية

عرفت فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى تحالفات كثيرة لم يكن أقلها أهمية التحالف الذي قام بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي. وقد كان مصير العالم كله يتقرر آنذاك في الكواليس بعيدا عن الأنظار وعن الرأي العام.

كان ذلك يتم على مختلف الأصعدة السياسية والعسكرية والنفطية أيضا. وينقل المؤلف عن ونستون تشرشل قوله عام 1919 أمام مجلس العموم البريطاني: «لا شك أن الحلفاء لم يبحروا حتى النصر سوى على موجة لا تنقطع من النفط».

بعد 20 سنة من ذلك التصريح كانت صورة السوق قد تغيرت كثيرا. كانت الولايات المتحدة لا تزال تنتج ثلثي البترول العالمي تقريبا، لكن آلاف المنتجين الأميركيين طالبوا بالمحافظة على السعر العالي للإنتاج مما حث الشركات الكبرى كي تجد حقول ذات سعر أقل. هكذا بدت حقول العراق وإيران ذات الكلفة المنخفضة جدا بمثابة «الدورادو» جديدة.

في إيران كانت الشركات النفطية تفرض، اعتمادا على الاتفاق الموقع مع الشاه عام 1901، قانونها على سلطة سياسية ضعيفة. وفي العراق كان الأميركيون قد وجدوا موطئ قدم لهم بعد الحرب العالمية الثانية إلى جانب منافسيهم البريطانيين. وفي المحصلة أصبحت شركة نفط العراق «تعوم على محيط من الذهب الأسود» حسب تعبير ونستون تشرشل.

وقد أدّت المفاوضات مع العراق في ظل حكم فيصل الثاني، الذي نصّبه البريطانيون على عرش البلاد بعد إرغامه على التخلي عن عرش سوريا، إلى توقيع اتفاق عام 1925 ينص على منح امتيازات لشركة نفط العراق وبحيث يتم تطبيقه حتى عام 2000 على أن تتلقى الحكومة العراقية 4 شلنات ذهبية (واحد من عشرين من الجنيه الإسترليني) عن كل طن من النفط.

وكانت إستراتيجية نفط العراق وآلية عملها هي التي تبنّتها بعد ذلك الشركات الكبرى من أجل السيطرة على السوق العالمي وفرض قواعدها عليه. وللمرة الأولى أصبح لشركتين أميركيتين هما اكسون (شركة ستاندارد سابقا) وموبيل موضع قدم على أرض، وبالأصح في جوف أرض، الشرق الأوسط إلى جانب الشركات المنافسة شل وبريتش بتروليوم.

كانت هذه الشركات المنافسة قد دخلت حتى آنذاك في حرب أسعار شرسة قادتها إلى المبالغة في الإنتاج العالمي وإلى التناقص الكبير في أرباحها هي نفسها. لكن بعد الاتفاق الجديد على توزيع الحصص جرى تغيير كامل في الإستراتيجية. ذلك أن «الأخوات الأربع»، كما سُميت آنذاك شركات البترول العملاقة، جهدت من أجل تنسيق الرقابة على الإنتاج وتحديد آثار المنافسة.

أثناء الحرب العالمية الثانية، كانت شركة بريتش بتروليوم مع أنها مملوكة بنسبة 51 بالمئة للدولة البريطانية منذ القرار الذي اتخذه ونستون تشرشل عام 1914، تتقاضى من السفن الحربية البريطانية الأميركية ثمن تزويدها بمادة «المازوت» في مرفأ عبدان الإيراني بالسعر المدفوع في الولايات المتحدة.

وفي عام 1945، أي عند نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبح لشركة ارامكو، المؤلفة خاصة من شركتي اكسون وكالتيكس، موضع قدم في المملكة العربية السعودية. هنا يفتح مؤلف الكتاب قوسين كي يشير إلى علاقات كانت قائمة بين بعض رؤساء المجموعات النفطية الكبرى وبين النازية، مثل الهولندي «ديتردينغ»، مؤسس شركة شل أحد أقوى مجموعتين بتروليتين في العالم، الذي أصبح نازيا صريحا عام 1936 وأبدى إعجابه بالرايخ الثالث وبالنظام النازي آنذاك.

وقد بدا هتلر بالنسبة له هو «الحاجز الوحيد» في مواجهة «الخطر الشيوعي». وقد خشي بعض رؤساء الحكومات الأوروبية من أن يجر هذا التعاطف شركة شل ذات الاحتياطات النفطية الهائلة إلى دعم المجهود الحربي للنازية. لقد أرغمت الضغوط المتزايدة «ديتردينغ» على الاستقالة.

فذهب للعيش في ألمانيا حيث كان يتردد أحيانا على هولندا، بلاده الأصلية من أجل الدعوة للرايخ الثالث. توفي قبل ستة أشهر من اندلاع الحرب العالمية الثانية وأرسل هتلر باقة من الورد وضعوها على قبره.

أما شركة اكسون الأميركية فقد جرى اتهامها عام 1941 مرتين من قبل وزارة العدل الأميركية، واعتبر بعض الخبراء المختصين الذين اطلعوا على الملفات أنها قدمت أسرارا عسكرية مهمة بل وذات أهمية حيوية للرايخ الثالث.

لكن ضغوطا هائلة مارسها أعضاء نافذون قريبون من شركة اكسون في الكونغرس دفعت الحكومة للقبول بتسوية «وديّة» مفادها أن شركة اكسون التي حققت أرباحا طائلة من تعاونها مع النازيين أُدينت بدفع غرامة مقدارها 000 50 دولار أميركي. على الرغم من أن الرئيس الأميركي ترومان أجاب على مراسل إحدى الصحف كان قد وجّه له سؤالا عما إذا كانت شركة اكسون قد وصلت إلى حد الخيانة بالقول: «نعم بالتأكيد، ماذا يمكن تسمية ما فعلته غير ذلك؟

مقابلة مع شابير

الان شابير هو قائد نازي، بل كان من أكثر المقرّبين لهتلر ومستودع أسراره ووزير التسليح والإنتاج الصناعي في الرايخ الثالث. حوكم في نورمبرج مع بقية القادة النازيين وخرج من السجن عام 1966. أصدر كتابا أكد فيه أنه لم يتم إخباره أبدا عن جرائم النازية.

جرت المقابلة عام 1972. وكان السؤال الأول للقائد النازي السابق هو عن أحاسيسه عندما جرى تعيينه وزيرا للتسليح والإنتاج الصناعي. تقال: «لقد أعلن لي ذلك هتلر شخصيا. وكان ذلك مصدر اعتزاز كبير بالنسبة لي ومسؤولية كبرى أيضاً إذ كانت غارات طيران الحلفاء تسبب عمليات تدمير كبيرة وتزعزع عمليات تمويننا».

وعن أهم مواطن ضعف النازية أثناء الحرب العالمية الثانية، قال شابير: «هل تعرف ماذا كانت نقطة ضعفنا الكبيرة؟ لقد كانت النفط. وكان هتلر يردد قبل اندلاع الحرب بفترة طويلة أنها كانت كعب أخيل القاتل لنا. لذلك طوّرنا بنجاح كبير البنزين التركيبي الذي كان يمثل عام 1940 نصف تمويننا العسكري».

ثم أكد أن نقطة الضعف تلك كانت وراء اختيار هتلر ل«إستراتيجية الحرب الخاطفة»، و«استخدام أكبر عدد ممكن من المدرعات من أجل الحصول على انتصار سريع وقليل الكلفة بالمحروقات. وقد نجح ذلك المخطط في بولندا كما في فرنسا».

ثم أكد شابير قوله إن النازيين لم يرتكبوا أخطاءً على صعيد التزود بالطاقة لكن الحظ لم يحالفهم. وكانوا قد اعتقدوا أن أميركا لن تدخل الحرب. يقول: «لقد اعتقدنا أن الأميركيين لن يدخلوا في الحرب. ثم إن روزفلت نفسه لم يكن يريد ذلك لكنه رضخ أمام بعض مجموعات الضغط». وعندما سئل عن هويتها أجاب: «أنت تعرف ذلك جيدا.

إنها منظمات يهودية نافذة مرتبطة بلوبي النفط والتسلح». وأضاف: «إن الإمكانية النفطية لأميركا هي التي صنعت الفرق. أضف إلى هذا أن الروس كانوا قد ضمّوا عام 1940 جزءا من رومانيا قريبا من حقول نفط بلوستي».

ولم يتردد شابير في القول أن اجتياح ألمانيا لروسيا كان من أجل النفط. نقرأ: «من أجل هذا السبب كان القصد هو وضع يدنا على مصادر التزود بالنفط التي تسيطر عليها موسكو في منطقة القوقاز. أعرف أنه جرى الحديث عن أسباب أخرى كثيرة،

لكنني أستطيع أن أؤكد لك أن الأولوية كانت عند هتلر هي تزويدنا بالمحروقات ومنع ذلك عن الوحدات الروسية من أجل السيطرة لاحقا على الحقول البترولية لإيران. لقد بُدئ الهجوم في مطلع عام 1942، ولكنه فشل للأسف بالقرب من باكو»، أي بالقرب من «القلب البترولي» لروسيا آنذاك.

لقاء مع ايدن

كان انطوني ايدن، الصديق الحميم لتشرشل ووزير الحربية ثم الخارجية ثم رئيس حكومة بريطانيا، الشخص الوحيد على قيد الحياة عام 1974 من بين القادة الكبار في الحرب العالمية الثانية. وفي تلك السنة التقاه مؤلف هذا الكتاب. وكان هو وراء قرار بريطانيا المشاركة في حرب السويس ضد مصر عام 1956.

وعلى سؤال حول إمكانية تجنب تلك الحرب قال ايدن: «كلا. ولدي الشعور أنني أظهرت حتى النهاية إرادة طيبة وحاولت كل شيء. وفي عام 1954 عندما كنت وزيرا للخارجية فاوضت حول انسحاب آخر قواتنا من منطقة القناة على مدى 20 شهرا.

وقد كلفني ذلك انتقادات كبيرة داخل حزبي. وفي مطلع عام 1955، قبل تعييني رئيسا للحكومة، ذهبت إلى القاهرة لمقابلة عبد الناصر». وهنا تدخلت زوجة ايدن، التي كانت تحضر اللقاء، وقالت: «لقد تلفّظ ببعض الأمثال والأبيات الشعرية باللغة العربية أمام الدهشة الكبيرة لعبدالناصر».

كان عبدالناصر يبحث عن تمويل لبناء السد العالي بكلفة 500 مليون دولار. كانت واشنطن ولندن والبنك الدولي وافقوا على التمويل. لكن ايزنهاور وفوستر دالاس، وزير خارجيته، تراجعا بحجة أن عبدالناصر كان قد أقام صلات وثيقة جدا مع السوفييت.

وينقل المؤلف عن ايدن قوله لخروشوف أثناء زيارته للندن آنذاك: «إن كل تدخل لبلادكم في الشرق الأوسط يمكن أن يمس إنتاج البترول أو نقله وهو المادة الحيوية لأمن الغرب واقتصاده سيدفعنا إلى الرد وبالقوة إذا اقتضى الأمر ذلك». ثم أضاف: «إننا لا نستطيع العيش دون بترول ولن نترك أنفسنا عرضة للاختناق».

وأشار إيدن إلى تعقد الوضع كثيرا بعد قرار عبد الناصر تأميم قناة السويس. ثم وصف موقف الأميركيين بأنه كان غامضا جدا. نقرأ: «كانوا يطلبون منا صد السوفييت في الشرق الأوسط ويرفضون بنفس الوقت الانخراط في أزمة كانوا هم الذين أثاروها (...). فهل تريد أن أقول لك حقيقة ما أفكر به؟ لقد كان عبدالناصر على قناعة أننا لن نتدخل أبدا عسكريا، لكن ايزنهاور كان يعتقد بإمكانية أن نقوم بذلك».

وبعد أن يشير ايدن إلى أن عبد الناصر هو الذي «دفعهم للتدخل»، سأله المؤلف إذا كان حقا قد شبّه الرئيس المصري الراحل بهتلر؟ فأجاب: «نعم هذا صحيح ولم أتراجع أبدا عن هذا الرأي. لقد قرأت بعناية كتابه ـ فلسفة الثورة ـ الذي يدافع فيه عن حق العرب بالسيطرة على الموارد البترولية باعتبارها العصب الحيوي للحضارة (...).

لقد شبهته فعلا مع هتلر الذي خرق المعاهدات عام 1936 واحتل رينانيا من جديد. وناصر فعل نفس الشيء عندما أمم ممراً حيويا لتموين أوروبا بالنفط. وأتذكر أنني في آخر لقاء لي معه في القاهرة ركزت على القول أن القناة هي المكوّن الأساسي لتزويد بريطانيا بالبترول من الشرق الأوسط. فأجاب: نعم لكن البلدان المنتجة للبترول تتلقى 50 بالمئة من الأرباح بينما لا تتلقى مصر 50 بالمئة من أرباح القناة. ثم طالبني بنفس النسبة».

قامت الحرب، وأُغلقت القناة ما بين 1956 و1975. لكن الشركات النفطية العالمية الكبرى عرفت كيف تنتهز الفرصة. هكذا سمحت أزمة السويس لشركة اكسون بزيادة أرباحها 100 مليون دولار بزيادة 16 بالمئة في الفصل الأول من عام 1957 مقابل 24 بالمئة لتكساكو و30 بالمئة لجولف. ولم تتأخر الحكومة الأميركية في دعمها لشركاتها البترولية وجنّدت لذلك دبلوماسيتها وأجهزتها الاستخباراتية وجيشها.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف