«هذا الكتاب، في جوهره، تحقيق مطول لصحافي فرنسي ذي شهرة عالمية، ومؤلف العديد من الأعمال التي أثارت ضجة كبيرة من بينها «حرب الخليج» و«عاصفة الصحراء» و«حرب بوش» والعالم السري لبوش» و«الوجه الخفي ل11 سبتمبر». وهو هنا يكشف الكثير من الأسرار حول الصدمة النفطية الأولى وخلفياتها وكيف أن الولايات المتحدة استخدمت سلاح النفط للإطاحة بالاتحاد السوفييتي.

كما يكشف أن ديك تشيني، نائب الرئيس الأميركي، كان يعتمد اعتبارا من شهر مارس 2001، أي قبل ستة أشهر من أحداث 11 سبتمبر، على خرائط للعراق تحتوي على المواقع التي ستتم فيها مستقبلا إنشاءات بترولية. وقد كانت تلك الخرائط أيضاً بحوزة مجموعة من المسؤولين النفطيين ضمّتهم مجموعة سُمّيت ب«الجمعية السرية». والكتاب يحتوي على نتائج تحقيقات مؤلفه في الشرق الأوسط والصين وآسيا الوسطى والقوقاز، وإنذار بالخطر، فمقابل كل ستة براميل يتم استهلاكها اليوم يتم إنتاج برميل واحد، فالعالم أمام صدمة بترولية جديدة لا سابق لها.تدفّق النفط طيلة عقود على الغرب وساهم في ازدهاره، ولكن أيضاً في غطرسته وعماه. فعند نهاية الحرب العالمية الأولى كان يوجد في العالم كله حوالي مليوني سيارة وشاحنة.

وفي أواسط عقد الخمسينات وصل عدد العربات إلى 100 مليون ثم قفز إلى أكثر من 300 مليون سيارة وشاحنة عند الصدمة النفطية الأولى عام 1973 منها 200 مليون في الولايات المتحدة وحدها.لكن ماذا عن حقيقة الصدمة النفطية لعام 1973 التي جعلت أنظار العالم كله مسلّطة على البلدان المنتجة؟ للإجابة عن هذا السؤال يعود المؤلف إلى سرد الأحداث التي رافقت تلك الصدمة ويقدّم معلوماته عنها. بتاريخ 19 أكتوبر 1973، وفي اللحظة نفسها التي دخل فيها الحظر النفطي حيّز التنفيذ أعلن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون على الملأ تقديم مساعدة عسكرية قيمتها 2,2 مليار دولار لإسرائيل، وكان قد سمح اعتبارا من 8 أكتوبر أي بعد يومين من بداية الحرب، لطائرات شركة «العال» الإسرائيلية التي لا تحمل ما يدل على هويتها بالهبوط في الولايات المتحدة من أجل تزويد الدولة العبرية بالعتاد العسكرية.

إن مثل هذا الدعم الكبير لإسرائيل في الوقت الذي كان فيه الجيش الإسرائيلي قد استأنف الهجوم وقبل توقيع أي اتفاق لوقف إطلاق النار كان يُفترض، حسب قول المؤلف، ان يدفع نحو تشديد إجراءات الحظر. لكن لم يحصل شيء من هذا القبيل بل انتهى ذلك الحظر بعد ثلاثة أشهر من دون معرفة دقيقة للفترة التي جرى تطبيقه أثناءها، ولماذا جرى وضع حد له أصلا في الوقت الذي لم يتم فيه تحقيق مكاسب سياسية في الواقع. تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن العاهل السعودي آنذاك الملك فيصل كان قد استبعد دائما اللجوء إلى البترول كسلاح سياسي. وينقل عنه المؤلف تصريحه في شهر سبتمبر 1973، أي قبل شهر من اندلاع الحرب، أن «مجرّد شجب الولايات المتحدة للأعمال الإسرائيلية ربما سيكون له آثار هامة وقد يسمح بعدم اللجوء إلى سلاح البترول». هذا التصريح لم يلق أي صدى في واشنطن حيث لم يأخذ أحد في البيت الأبيض أو في البنتاغون أو وزارة الخارجية مثل ذلك الطلب على محمل الجد. ويشير المؤلف إلى أن الشيخ أحمد زكي يماني، وزير النفط السعودي آنذاك، أكد أن هنري كيسنجر قد قلل لدى الرئيس نيكسون من قيمة تهديدات الملك فيصل.

وفي المحصلة يؤكد مؤلف هذا الكتاب أنه لم يكن هناك أي شح حقيقي للنفط عام 1973، مع التأكيد في الوقت نفسه أن البلدان المستهلكة قد أُصيبت بحالة من الهذيان. وكانت هذه البلدان قد نعمت طيلة عقود من الزمن ببرميل تراوح سعره بين دولار ودولارين. وعرف العالم الغني آنذاك للمرّة الأولى في تاريخه مستوى مرتفعا جدا من الرفاهية والتنمية بفضل مادة أوّلية يتم شراؤها بسعر شبه رمزي. ومن المشاهدات التي يصفها المؤلف تلك الطوابير الطويلة من السيارات في الولايات المتحدة، على الشاطئ الشرقي أو في لوس انجلوس، أمام محطات التزود بالوقود وحيث كان يحافظ السائقون على المحركات وهي تدور مع كل آلات التكييف وبحيث كانوا يستهلكون من الطاقة ما يزيد من تعقيد الوضع. ولم يكن المستهلك الأميركي يفكّر آنذاك سوى بتخزين أكبر كمية ممكنة من المحروقات، مثلما كان الأمر في أوروبا أيضا، مما زاد كثيرا من الطلب العالمي على البترول. هذا مع أنه كانت هناك فوائض كبيرة لكنها نضبت سريعا أمام ذلك الطلب المتعاظم، وكان لابد لذلك من أن يثير توترات كبيرة حول سعر هذه المادة الإستراتيجية.

كان المستهلكون القلقون أمام منظور إمكانية شح البترول وأمام أسعار بلغت «ذروة شاهقة» ووصلت إلى حد خمسة دولارات للبرميل ينتظرون بفارغ الصبر العودة إلى المستويات «المعقولة» للماضي القريب. أعلنت أزمة 1973 نهاية الثمن البخس للنفط والقوة الجبارة للشركات البترولية الكبرى التي كانت تسيطر على 80 بالمئة من الصادرات العالمية. وكانت «الأخوات السبع» ـ اكسون، شل، تكساكو، موبيل، بريتش بتروليوم، شيفرون، جولن- قد حققت أرباحا طائلة، بل أرقاما قياسية في مكاسبها. هكذا زادت أرباح شركة اكسون مثلا بنسبة 80 بالمئة قياسا بالعام السابق. كان مصدر تلك الأرباح هو القيمة الزائدة (فضل القيمة) التي تمّ تحقيقها بواسطة مخزونات الشركات المعنية.

الظاهرة نفسها تكررت بالنسبة للأسعار، إذ قفزت كلفة البرميل خلال شهرين فقط بنهاية عام 1973 من 20,5 دولارات إلى 65,11 دولاراً. ويؤكد المؤلف أن تلك الزيادة الهائلة لا تعود، كما يقال باستمرار، إلى الحظر البترولي حتى ولو كانت البلدان المنتجة قد استفادت من ذلك كثيرا. إن المناخ الهستيري والهلع من شح المحروقات في البلدان المصنعة أثارا ارتفاعا كبيرا في الأسعار. «لقد تصرّف المستهلكون في الحقيقة كأطفال مدللين وأنانيين إذ رفضوا مواجهة الواقع وساهموا بذلك في اتساع الأزمة «كما ينقل المؤلف عن صحيفة «وول ستريت جورنال».

الحقائق والستار

ويصف المؤلف صورة الغرب أثناء أزمة 1973 النفطية بوجود رأي عام يرفض أي تغيير طفيف في أسلوب عيشه واستهلاكه، ومسؤولين سياسيين عاجزين عن الرد بفعالية واستشفاف المستقبل. بل إن هؤلاء المسؤولين، ومن أجل تجنب اتخاذ قرارات قد تقلل من شعبيتهم بفرضهم تقليصا للاستهلاك، قرروا تقليص السرعة على الطرق ورسموا الخطط من أجل مكافحة الهدر والتبذير بالطاقة في أماكن العمل. وهذا ما يرى به المؤلف تجسيدا لمقولة صدرت عن هنري كويل أحد أعمدة الجمهورية الفرنسية الرابعة وجاء فيها: «ليست هناك أية مشكلة، ومهما كانت معقّدة، لا يمكن حلّها عبر غياب القرار السياسي».

وينقل المؤلف أيضاً عن كاتبين انجليزيين هما دافنبورت وكوك قولهما منذ عام 1923: «ألا يعيش الأميركي، إلى حد ما، غارقا بالبترول؟ بكل الحالات إنه لا يستطيع التحرك بدونها. فهناك أميركي من أصل كل عشرة أميركيين يمتلك سيارة والبقية يقتصدون من أجل شراء واحدة». وبعد 50 سنة، بدت الولايات المتحدة موقعا مثاليا من أجل محافظة آثار الصدمة البترولية. ويشير المؤلف في شهادته الشخصية، لمدينة نيويورك، إلى أن أميركا وللمرّة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية واجهت مخاطر شح مواد الطاقة. وكانت «حالة الطوارئ» التي قررها الرئيس نيكسون بتاريخ 27 نوفمبر 1973 والقاضية بمراقبة الأسعار والإنتاج والتوزيع قد أعطت مردودا عكسيا وزادت من الفوضى القائمة.

وسادت آنذاك أجواء قائمة في مدينة «ديترويت»، المدينة الصناعية الكبرى في الشمال حيث توجد مقرّات شركات السيارات الأميركية العملاقة الثلاث جنرال موتورز وفورد وكرايزمر. بل وكان الطريق العريض المؤدي من مطار المدينة إلى وسطها بدون إثارة سوى من لوحة مضادة واحدة تدل على العدد الدقيق للسيارات التي «خرجت» في اليوم نفسه من تلك المصانع. بالطبع هبطت أرقام المبيعات إلى مستويات دنيا.

إن الشركات العملاقة المعنيّة الثلاث لا تجسّد مجرد صناعة، بل إنها تشكل رمزا لنمط الحياة الأميركية ولنمو اقتصادي كان صاعدا حتى آنذاك (1973). لكنها كانت صناعة قد بدأت مسيرة انحطاطها قبل الصدمة النفطية. وتتم الإشارة هنا أنه منذ عام 1948، أي منذ اختراع علبة السرعة «الأوتوماتيكية» لم تعرف صناعة السيارات الأميركية أي تجديد نوعي. وينقل المؤلف عن أحد مسؤولي شركة «جنرال موتورز» قوله له إن الفرق في كلفة تصنيع سيارة «شيفروليه» وسيارة «كاديلاك» لا يتعدى 500 دولار أميركي بينما يصل فرق سعر البيع إلى 000 10 دولار.

ثم جاءت صدمة 1973 تكبح إنتاج السيارات ذات المحركات الضخمة والاستهلاك الكبير بالتالي. مع ذلك لا يزال الأميركيون الذين يشكلون نسبة 6 بالمئة فقط من مجموع عدد سكان العالم يستهلكون 33 بالمئة من الطاقة التي يتم إنتاجها على الصعيد الكوني كله.

أصابع الاتهام

عندما ظهر الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون على شاشة التلفزيون يوم 27 نوفمبر 1973 قال كلمات أثارت الكثير من الانفعالات. وجاء فيما قاله: «إن الولايات المتحدة سوف تواجه نقصا كبيرا في الطاقة هو أقسى ما عرفته حتى أثناء الحرب العالمية الثانية».

هذه الكلمات أثارت المشاعر، كما يشير المؤلف، وسرعان ما حدد المسؤولون المذنب أنه منظمة «الأوبك» وخاصة الدول العربية الأعضاء فيها. وينقل اريك لوران عن السناتور الأميركي «والتر فولبرايت»، رئيس لجنة الشؤون الخارجية، قوله: «إن المنتجين العرب للبترول لا يملكون سوى قوى عسكرية متواضعة في عالم اليوم. إنهم مثل غزلان ضعيفة في غابة كبيرة من الوحوش الكاسرة. وعلينا، من موقع الأصدقاء، أن نذكّرهم بذلك. وسوف يتحمّلون مسؤولية المخاطر الرهيبة التي يعرّضون أنفسهم لها إذا هددوا فعلا التوازن الاقتصادي والاجتماعي للقوى الصناعية الكبرى، وفي مقدمتها القوة الأميركية خاصة».

الإنذار واضح والبلدان المنتجة للبترول لم تفكر أبدا الدخول بمواجهة يتم فيها استخدام القوة مع الغرب. إنها لا تملك إرادة ذلك ولا إمكانياته. مع ذلك أكدت حملة فعالة جدا على المخاطر التي ستثقل بها هذه البلدان النامية على استقلالنا وعلى ازدهارنا. وهكذا فجأة أصبحت «الأوبك» في الصحافة الغربية وكأنها كارتل يفرض قوانينه بينما لم يكلّف أي عارف بهذا الملف عناء التذكير أن هذه المنظمة لم تكن قادرة على انتزاع أية زيادة لسعر النفط ولو كان ذلك لبضعة سنتيمات فقط، وذلك منذ تأسيسها عام 1961 وعام 1971، تاريخ توقيع اتفاقيات طهران. بل والأنكى من هذا هو أن أسعار النفط لم تتوقف عن الانخفاض خلال الفترة نفسها فيما يخص «القيمة المطلقة».

جرى الحديث كذلك أيضاً عن «ثروة الأوبك» الجديدة، إذ كسبت بلدانها في عام 1974 وحده ما قيمته 140 مليار دولار فيها 60 مليار دولار للبلدان العربية الأعضاء في المنظّمة. هنا أيضاً يشير المؤلف إلى أنه لم يكن هناك من أولى اهتمامه لتقديم تفسير آخر للأرقام بحيث يتم وضعها بالقياس مع غيرها وبالتالي قياس ما تمنحه من قوّة. ذلك أن مبلغ الـ60 مليار الكبير ظاهريا إنما لا يعادل سوى 14 بالمئة من الدخل الوطني لليابان و18 بالمئة مما تملكه الشركات متعددة الجنسيات التي كانت تقدّر ثروتها بـ300 مليار دولار في مطلع عام 1974، ولا يعادل سوى 3 ,4 بالمئة من الدخل القومي للولايات المتحدة آنذاك أو حوالي ثلثي صادرات ألمانيا الفيدرالية (الغربية في تلك الفترة).

ويسوق المؤلف في هذا الإطار واقعا مدهشا آخر يدحض كل الأفكار السائدة آنذاك، لكن لم يستخرج منه أحد أي درس. ففي عام 1969، بينما سعر برميل النفط هو دولار أميركي واحد وصل الاستهلاك العالمي إلى 45 مليون برميل يوميا. وما بين عام 1969 وعام 1978، ازداد الطلب العالمي من 45 إلى 65 مليون برميل يوميا أي بزيادة 44 بالمئة خلال عشر سنوات تقريبا، هذا على الرغم من أن أسعار البترول أُعيد النظر فيها 14 مرّة باتجاه رفعها. ويؤكد المؤلف، على عكس ما كان يردده الخبراء، أن زيادة الأسعار لم تكبح الاستهلاك، ولكن المستهلكين كوّنوا فكرة أكثر دقة وتحديدا حول القيمة الحقيقية للمنتوجات المشتقة من البترول التي يشترونها. هنا أيضاً جرى حجب الحقيقة أو تجاهلها.

الاستخبارات الأميركية تنشط

في عام 1975 أصبح شاه إيران الشخصية الرئيسية في «اللعبة الكبرى» النفطية. لقد أمتعه كثيرا ذلك الدور وأنه غدا يستحوذ على اهتمام الآخرين أو خوفهم منه. لكنه لم يدرك تماما إلى أية درجة كانت حياته ومسيرته اللاحقة مرتبطتين بالرهانات البترولية.

ويتحدث مؤلف هذا الكتاب عن ثلاثة لقاءات أجراها مع شاه إيران. وكانت كلها، كما يقول، في السنوات الأخيرة من حكمه. كان اللقاء الأول عام 1973. وكان الشاه قد أقام إستراتيجيته للمحافظة على أمن إيران على أساس الانحياز الكامل للولايات المتحدة. وكان ذلك يصب أيضاً في طاحونة الحسابات الأميركية بعد جلاء القوات البريطانية عن منظمة الخليج عام 1971 وتوقيع اتفاقية صداقة بين العراق والاتحاد السوفييتي مما دفع الرئيس ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر لمحاباة الشاه كثيرا كي تصبح إيران، وحسب التعبير الأميركي، هي «شرطي الخليج».

وفي اللقاء الثاني لمؤلف هذا الكتاب مع الشاه عام 1974، حدّثه طويلا عن التقرير الذي كان قد طلبه من مركز هدسون للدراسات القريب من وزارة الدفاع الأميركية. وقد ارتقب ذلك التقرير أن إيران سوف تصبح بعد فترة وجيزة في عداد الدول الصناعية المتقدمة وستبلغ بعد عشر سنوات المرتبة الخامسة أو السادسة من حيث القوة العسكرية على الصعيد العالمي. وكان الشاه قد لعب ببراعة منذ عام 1971 على ارتفاع أسعار النفط من دون أن يؤدي ذلك إلى أية قطيعة مع حلفائه الأميركيين. ويثير المؤلف في هذا الإطار إلى أن الشاه قد حدّثه عن التحديث السريع لإيران وكما لو أنه كان يريد أن يثأر من الماضي وقد بدا أحيانا وكأنه يتحدث إلى نفسه.

كان النفط أسوأ الهدايا في واقع الأمر بالنسبة له. إذ رأى به عصا سحرية يستطيع بواسطتها أن يحقق كل ما يريد وأن يقود بلاده «ولو قسرا عنها» في طريق التقدم. وقد تحدث مع المؤلف عن الإصلاحات الزراعية المنجزة وحقوق المرأة وال35 مليون إيراني الذين سوف يعرفون بعد فترة وجيزة مستوى معيشة كالذي يعرفه الأوروبيون الأغنياء. لكن «إيران التي كان يصيغها اتسمت بالحداثة والعلمانية، وهذا سيؤدي إلى خسارته»، كما يشرح مؤلف الكتاب ذلك على أساس أن إيران بلاد متدينة في عمقها والشاه قد تجاهل ذلك.

وفي عودة إلى الوراء قليلا يتحدث المؤلف عن تاريخ عائلة الشاه حيث كان والده قد أبدى عند مطلع الحرب العالمية الثانية تعاطفا مع النازية وإعجابا كبيرا بألمانيا الهتلرية مع إظهار البغض حيال بريطانيا وروسيا. وكان هتلر يريد من ناحيته أن يضع يده على نفط أذربيجان المجاورة لإيران وإنما الخاضعة للسيطرة الروسية، ومن أجل تزويد جيشه بالمحروقات وقطع خطوط تزويد البريطانيين بها. كان النفط الإيراني هو مصدر تزويد أسطول التاج البريطاني.

ويتم التأكيد في هذا السياق على أن مسؤولين عسكريين ألمانيين كبارا استقبلهم رضا شاه، ولكن توقف كل شيء في أغسطس 1941. فبعد شهرين من غزو القوات الألمانية للاتحاد السوفييتي دخلت وحدات بريطانية وسوفييتية إلى إيران من أجل حماية مصفاة تكرير البترول الكبرى في عبدان وخطوط تموين البحر الأحمر، ولكن أيضاً من أجل الإطاحة بالشاه.

نُفي الشاه الأب إلى جنوب إفريقيا واعتلى ابنه العرش ليعرف هو الآخر طريق المنفى عام 1953، أي بعد عامين من تولى محمد مصدق رئاسة الحكومة الإيرانية. كان مصدّق قد طالب بتأميم البترول «الذي تعود ملكيته لأجيال الغد» حسب قوله. وفي عام 1953 أُطيح به بانقلاب عسكري حيث كانت إيران على حافة «الاختناق» بسبب الحظر المضروب عليها وعدم قبول أي بلد شراء بترولها.

ويشير المؤلف إلى أن انطوني ايدن، وزير خارجية بريطانيا آنذاك ورئيس وزرائها لاحقا، قد قال له: «لم نفكّر أبدا في الإطاحة به ـ أي مصدّق ـ وقد حوّلنا الملف للأميركيين». هل يمكن تصديق هذا؟ يتساءل المؤلف نفسه ويجيب: «بكل الأحوال، لقد نشطت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كثيرا آنذاك.

ويؤكد أن الرجل الذي قام بتنسيق عملية الإطاحة بمصدق اسمه كيرميت روزفلت، حفيد الرئيس الأميركي الأسبق تيودور روزفلت، وابن عم فرانكلين روزفلت. وكان لكيرميت هذا دور كبير فيما يتعلق بنشاطات الوكالة الاستخباراتية الأميركية في الشرق الأوسط. وبعد سقوط مصدق أُعيد الشاه من منفاه حيث مارس قمعا دمويا لقي أثناءه أكثر من 5000 شخص حتفهم غيلة أو إعداما. أما مصدق نفسه فقد أودع السجن.

ويرى المؤلف أن الشاه أصبح يعاني، منذ عودته إلى الحكم، من حالة «فصام سياسي»، ذلك بمعنى أن سياسته وجهوده تركزت على كيفية التخلص من الوصاية الأميركية من جهة مع المحافظة على أفضل العلاقات معها من جهة أخرى. ومع عودة الشاه إلى العرش جرى توزيع جديد للأوراق في ميدان البترول. لقد حافظت شركة بريتش بتروليوم (الشركة الانجليزية-الإيرانية سابقا) على نسبة 40 بالمئة من الامتيازات النفطية وشل على 14 بالمئة بينما حصلت كل من اكسون وسكوني وتكساكو وجولف وشيفرون على 8 بالمئة. هذا الاتفاق الجديد عزز من موقع الشركات الأميركية في منطقة الخليج حيث أصبحت تسيطر على 55 بالمئة من الإنتاج مقابل 14 بالمئة فقط في عام 1938.

ينهي المؤلف حديثه عن لقاءاته بالشاه السابق بالجملة التالية: «عند استماعي للشاه خلال اللقاءات الثلاثة التي جمعتنا، كان هناك في لهجته وفي أفكاره نوع من إرادة إقناع نفسه وألم غامض كانت تنمّ عنه أحيانا نظرته القلقة. لقد كان حاكما فردا، بل ربما دكتاتورا وربما أنه لم يكن قد تهيأ سيكولوجيا بشكل جيد من أجل القيام بمثل ذلك الدور».

خلال اللقاء الثالث

كان اللقاء الثالث بين مؤلف هذا الكتاب وشاه إيران السابق الراحل عام 1975 في سويسرا حيث كان يمضي عطلته الشتوية. وقد بدا آنذاك، كما يصفه، في غاية السعادة بسبب الاهتمام الذي يوليه له العالم كله ويشير المؤلف إلى أنه فهم آنذاك ما كان الشاه قد قاله للصحافي البريطاني انطوني سامبسون وجاء فيه: «كنا أمة مستقلة إلى أن اجتاح السوفييت بلادنا ذات يوم، كانت قوات ستالين قد احتلّت عام 1946 لفترة شمال إيران الغني بالبترول ولم تخرج إلا تحت ضغط الأميركيين والبريطانيين، بينما أنكم أنتم البريطانيون دفعتم والدي نحو طريق المنفى. ثم وصل إلى مسامعنا قول إن الشركة البريطانية ـ بريتش بتروليوم- كانت تقوم بتنصيب الدمى التي لا عمل لها سوى أن تطيع أوامرها. وهذا جعلها تبدو بنظرنا مثل وحش... أو تقريبا مثل دولة داخل الدولة الإيرانية».

وينقل المؤلف عن الشاه قوله له أثناء ذلك اللقاء بلهجة متعالية: «خلال عشر سنوات سنصل إلى نفس مستوى معيشتكم، أنتم الانجليز والألمان». وعندما أشار له المؤلف إلى أن الغرب قد وصل إلى ما وصل إليه بعد قرون من الجهد، أردف الشاه أنه «متأكد مما يقول». ثم تحدث بعد ذلك عن عما الغرب الذي ينبغي عليه أن يقتنع بنهاية عهد البترول رخيص الثمن وأضاف: «لا تنسوا أن البترول منتوج نبيل، نبيل حقا» ثم «لماذا تطالبون المنتجين بالإسراف في الإنتاج كي تحافظوا على رفاهيتكم؟ ينبغي التفكير بأجيال المستقبل ولا ينبغي علينا أن ننتج أكثر من 8 ملايين برميل في اليوم». لكن إيران لم تكن قادرة على تجاوز إنتاج ما بين 4 و6 ملايين برميل يوميا، وهذا يعزز الشكوك حول حقيقة احتياطييها من هذه المادة، كما يشرح المؤلف.

عندما هم الشاه بالخروج طرح عليه اريك لوران السؤال التالي: كيف يمكن لجلالتكم أن تؤكدوا لي أنكم ستقهرون التخلّف خلال عشر سنوات؟ فجلس الشاه من جديد وقال: «لأنني يا سيد لوران لا أعتقد بوجود قدر محتوم ولا بالدورات التي تتحكم بحياة البشر والشعوب». ثم أضاف: «يمكن لكل شيء أن يتغير وينقلب» و«سوف أعطيك مثالا».

وقال: «في شهر مارس 1969 كنت في الولايات المتحدة لحضور مراسم تشييع الرئيس دوايت ايزنهاور. كان النفط عزيزاً آنذاك ورخيص الثمن وبقيمة دولار واحد للبرميل. لقد التقيت طويلا بالرئيس نيكسون وكان معه وزير خارجيته كيسنجر فقلت له: سيادة الرئيس، ألاحظ أنكم لا تشترون ما يكفي من البترول الإيراني وسوف أقدم لكم عرضا سيكون مثمرا جدا للطرفين. أنا مستعد لتوقيع عقد ببيعكم البترول لمدة عشر سنوات بسعر دولار واحد للبرميل ومهما تغيّرت الأسعار بعد ذلك. هكذا سيمكنكم تأمين مخزونات إستراتيجية (...). إذا وافقتم أنا مستعد لتوقيع العقد مباشرة».

وأضاف: «قال لي نيكسون إنه يحتاج للتفكير ثم عدت إلى طهران لأتلقى بعد أسبوع رسالة من الرئيس الأميركي سلمها لي السفير عندنا بعدم الموافقة مع تقديم المبرر بحجة قانونية هي أن حكومة الولايات المتحدة لا تهتم بشراء البترول سوى ما يخص احتياجاتها العسكرية. ثم ختم الشاه قائلا: «أعتقد أن كيسنجر قد نسف فكرتي كي يأخذ بها فيما بعد. وقد كان تأسيس الوكالة الدولية للطاقة بمبادرته عام 1975 (...) استمرارا لاقتراحي».

كانت الميزانية العسكرية الإيرانية قد عرفت زيادات هائلة من 241 مليون دولار عام 1964 إلى 10 مليارات عام 1977. وقرر نيكسون وكيسنجر تزويد الشاه ب«كل ما يطلبه» حيث كان تقرير صادر عن جهاز الاستخبارات العسكرية الأميركية قد قال إن «نظام الشاه ثابت وسيبقى بنشاط على عرشه أكثر من عشر سنوات أخرى».

وفي عام 1978، أي قبل عام من سقوطه، كان جيشه يملك 3000 دبابة مقابل 1000 دبابة فقط لدى الجيش الفرنسي. وأصبح الشاه أكبر مشتر للأسلحة في العالم حيث لم يكن لدى صدام حسين سوى حلم واحد هو أن يتفوق عليه. وهذا ما حصل مع ما ترتب عليه من نتائج معروفة.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف