في المنعطف الأخير من تناول المؤلف لتفاصيل وأبعاد العمليات العسكرية والجوانب السياسية لحرب يوليو 2006، يشير إلى أن إسرائيل اعتمدت في خطتها الحربية اعتمادا كبيرا على قوتها الجوية والقصف المدفعي من شمالها إلى الداخل اللبناني. وقد تمثلت أهدافها العسكرية في عزل ميدان القتال بقطع طرق إعادة تزويد حزب الله وضرب ترسانة صواريخه، خاصة طويلة المدى التي تستطيع الوصول إلى العمق الإسرائيلي وضرب مراكز القيادة والتحكم للحزب ووسائله الإعلامية، مثل قناة المنار.
كانت تلك الأهداف تقتضي من إسرائيل قصف الطرق والكباري والموانئ البحرية والمطارات في جميع أنحاء لبنان بالإضافة إلى قصف الضاحية الجنوبية كثيفة السكان، حيث كان يعتقد أن مراكز التحكم لحزب الله تقع هناك. يشير المؤلف إلى أن إسرائيل في محاولاتها لإسكات صوت الحزب الإعلامي، قناة المنار، قصفتها تكرارا طوال الحرب، لكن باستثناء توقف دام بضع دقائق لم تعطل المحطة أبدا، وفي 15 يوليو استهدفت القنابل الإسرائيلية منزل العلامة محمد حسين فضل الله ودمرته وأثار قصف هذا المنزل دهشة المحللين اللبنانيين في ضوء ما هو معروف من أن العلاقات بين فضل الله ونصر الله كانت متوترة بسبب انتقاد فضل الله للحزب لعدم مرونته السياسية أحيانا.
وفي إشارة إلى ضراوة العمليات الإسرائيلية يبرز نورتون حقيقة أنه خلال أيام من بدء العمليات العسكرية قصفت مئات الأهداف في أنحاء جنوب لبنان وحول بيروت وسهل البقاع وحتى في شمال لبنان، وأجبر سكان الجنوب والضاحية على الفرار الجماعي إلى الأمان النسبي في أي مكان يمكن أن يوجد وغالبا في المدارس والجراجات أو لدى الأصدقاء والأقرباء. وكان من الواضح أن هدف الخطة الإسرائيلية في الجنوب هو إجبار جميع السكان المدنيين على النزوح، ولتحقيق هذا الهدف قصفت إسرائيل محطات البنزين ومواقع المسلحين المحتملة وأيضا المطاعم وكأنما لتضمن عدم قدرة المدنيين على تحمل الحصار.
إزاء هذه القوة الغاشمة لم يصمت حزب الله، وإنما اتسم رد فعله بقدر من الندية في حدود قدرته كجماعة مسلحة، وليس دولة، حيث أطلق الصواريخ على إسرائيل، ووصل متوسطها تقريبا إلى نحو 150 صاروخا في اليوم، فيما وصل عددها الفعلي في آخر يوم للقتال إلى 250 صاروخا.
وفي تطور غير مسبوق استهدف حزب الله يوم 16 يوليو مدينة حيفا التي يسكنها أكثر من 275 ألف نسمة بصواريخ أبعد مدى. وقد قتل 8 أشخاص في الهجمة الأولى على ثالثة كبرى المدن الإسرائيلية، وكان بإمكان الصاروخ «زلزال ـ 2» ضرب تل أبيب لكن الجيش الإسرائيلي يزعم أنه قد دمر معظمها في الأيام الأولى للحرب.
حديث عن الكاتيوشا
هنا يشير المؤلف إلى الميزة التي كانت تتمتع بها صواريخ كاتيوشا قصيرة المدى حيث يمكن إطلاقها في دقيقة واحدة بأسرع من أن تكتشفها الأجهزة الإسرائيلية على حين تتطلب الصواريخ الأكبر قواعد إطلاق أكثر تعقيدا ووقتا أطول كثيرا، وفي مواجهة عدو يملك التفوق الجوي الكامل وقدرات كشف كثيرة فإن الصواريخ الأكبر أصعب في إطلاقها.
وفي اليوم التالي لقصف حيفا خاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت الكنيست وعرض أهدافه من الحرب المتمثلة في استرداد الجندين الأسيرين ووقف إطلاق نار نهائي عبر الحدود اللبنانية، مما يعني إنهاء وجود حزب الله بالقرب من حدود لبنان مع إسرائيل، ونشر الجيش اللبناني في الجنوب وطرد حزب الله من هناك، وأكد تصميمه على إنهاء وجود حزب الله كقوة عسكرية وتفكيك جميع الميلشيات اللبنانية وغير اللبنانية كما يقضي قرار مجلس الأمن رقم 1559.
وفي الأمم المتحدة ردد السفير الإسرائيلي دان جيلرمان الذي يصفه المؤلف بأنه ضيف دائم على البرامج التلفزيونية الإخبارية الأميركية المواقف التي عبر عنها أولمرت بأن أشار تكرارا إلى حزب الله بصفته سرطانا يجب استئصاله. وفي محاولة للموازنة يشير المؤلف إلى أن تلك التوصيفات غير قاصرة على إسرائيل، فحزب الله يستخدمها في توصيفه لإسرائيل، وهنا تبدو الحقيقة التي تغيب عن المؤلف وتتمثل في ان إسرائيل بالفعل كيان غريب عن المنطقة يمكن أن يصح بشأنها التوصيف، فيما لا يصح بأي حال من الأحوال على حزب الله.
وعلى عكس النتيجة النهائية التي آلت إليها الأمور، يذكر المؤلف أن المواقف الإسرائيلية التي عرض لها أولمرت وجيلرمان كشفت عن توقع بإمكانية محو حزب الله من لبنان بوسيلة ما وعلى ذلك فإن الإسرائيليين متحمسون لإقناع البيت الأبيض الذي يصفه بالسذاجة بأن ذلك كان احتمالا شديد الواقعية، وفي مناقشات سرية مع البيت الأبيض وعدت إسرائيل بوش بنتيجة سريعة حاسمة وفقا لمصادر المؤلف الخاصة، وقالت لرايس: إنكم حققتم هذا في حوالي 70 يوما في كوسوفو لكننا بحاجة إلى نصف هذا الوقتز أي 35 يوما
الفشل الأميركي ـ الإسرائيلي
غير أن الفشل كان مصير هذا التصور، حيث أثبتت المساعي الإسرائيلية لاستئصال حزب الله على أنها مميتة مثل علاج كيميائي أسيء استخدامه، ربما كانت نقطة التحول هي قصف إسرائيل لقانا في 30 يوليو وقتل 28 مدنيا هناك، وبعد هذه المأساة ذابت حملة دعم إسرائيل في مختلف العواصم تحت حرارة الغضب العارم العلني والتظاهرات، ففي مصر مثلا اندلعت عشرات التظاهرات في أواخر يوليو وأغسطس.
ورغم أن تلك المظاهرات لم تكن كبيرة حيث ضم أكثرها 8 آلاف متظاهر، فإن الغضب التحتي المنتشر والإثارة في العديد من الدول العربية أجبرت الأنظمة على تغيير لهجتها. وقد عزز ذلك حقيقة أن حزب الله أثبت قدرته على الصمود أكثر مما تنبأ به المحللون الإسرائيليون، وفي ذلك يذكر نورتون أن البريجادير جنرال إسرائيلي جاى زور قائد إحدى الفرق الإسرائيلية التي قاتلت في لبنان وصف حزب الله بأنه أعظم مجموعة قتالية في العالم تفوق غيرها كثيرا جدا.
وبعد أكثر من شهر من القصف الإسرائيلي خرج حزب الله من الحرب من دون أن يتغير الدعم له إن لم يكن قد زاد في أوساط سكان الجنوب بشكل خاص كما رسخت قدرات الحزب والمثيرة للإعجاب لاحتياجات من دمرت منازلهم وحياتهم قاعدة الدعم له، فقد ترك مقاتلو الحزب إيصالات موقعة منهم نظير الأشياء التي أخذوها من المحال أثناء الحرب.
وفي ذلك يذكر نورتون في دلالة على وفاء الحزب بالتزاماته ما ذكره احد أصحاب المحال في قرية بالجنوب من انه تلقى ألف دولار نظير عشرة إيصالات قدمها، الأهم هو أن حزب الله دفع من 10 آلاف إلى 12 ألف دولار لكل شخص فقد مسكنه، وشمل ذلك نحو 15 ألف أسرة من التي شردت.
كما خطط معماريون ومهندسون مرتبطون بحزب الله لإنشاء منازل جديدة ووزع الأطباء أدوية مجانية، وكانت حوالي 35 ألف وجبة مجانية توزع يوميا في الأسابيع التي تلت وقف إطلاق النار. وأخيرا توصلت الأمم المتحدة ولبنان إلى وقف لإطلاق النار تم تفعيله منتصف أغسطس 2006 وبمقتضى ذلك تم إجبار إسرائيل والولايات المتحدة على تخفيض مطالبهم وتوقعاتهم من نتائج الحرب والتراجع عنها.
ووفقا للمؤلف فقد كانت خطة النقاط السبع التي نشرتها الحكومة اللبنانية والتي تحافظ على حقوق لبنان السيادية ووقف إطلاق النار النقطة المركزية في قرار مجلس الأمن رقم 1701 وهو زيادة عدد قوة حفظ السلام في جنوب لبنان مع مشاركة أوروبية كبيرة على أمل أن تكون القوة الدولية الجديدة قوة تستدعى للتدخل حينما يتطلب الأمر لنزع سلاح حزب الله ولكن واقعيا فإن القوة محظور عليها بصراحة القيام بأي عملية لنزع سلاح الحزب دونما موافقة الحكومة اللبنانية وهو أمر غير محتمل الحدوث.
ويشير المؤلف إلى انه في ضوء الأخذ في الاعتبار القاعدة العريضة لحزب الله في الجنوب وحقيقة أن جمهوره اللبناني لا يرى أية قوة أخرى باستطاعتها ردع إسرائيل إذا قررت إعادة إشعال الحرب، فإنه يصبح من غير الواقعي تماما توقع أن تنجح فرق الطوارئ الدولية الجديدة في نزع سلاح حزب الله أو تقليص حجم الدعم له. ومن جانبه فقد أعلن حزب الله رسميا موافقته على القوات الدولية بشرط أن يتم إيقاف أي أفراد منها يكتشف أنهم يحملون سلاحا وينزع سلاحهم.
مفتاح الاستقرار
يخلص المؤلف من تناول هذه الجزئية إلى الإشارة إلى أن مفتاح استعادة الاستقرار في جنوب لبنان ليس هو امتناع حزب الله عن القيام بأية عمليات فقط، بل أيضاً أن تتحاشى القوة الجديدة أن ينظر إليها على أنها أداة للنفوذ الإسرائيلي أو للاحتلال.
واذا كانت إسرائيل قد طلبت انتشار الجيش اللبناني في الجنوب فقد تضمن القرار 1701 ذلك، ولكن الجيش انتشر، كما أشار العديد من قادته للعمل بالتعاون مع المقاومة، معتبرا هذا لا يبعث على الدهشة لأن حوالي نصف الموجودين في صفوف الجيش اللبناني من الشيعة كما أن للمقاومة شعبيتها في صفوف الجيش.
لقد استمرت الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحزب الله أربعة وثلاثين يوما، وفي تلك الأثناء نزح نصف سكان شمال إسرائيل، وكاد جنوب لبنان يخلو من سكانه، حيث تم إجلاء حوالي 900 ألف شخص، أي ما يقارب ربع سكان لبنان وبانتهاء الحرب كان 43 مدنياً إسرائيلياً و1109 لبنانيين مدنيين قد قتلوا أما الإصابات العسكرية فكانت 118 جندياً إسرائيلياً و28 جندياً لبنانياً وحوالي 200 من مقاتلي الحزب.
وفيما تزعم إسرائيل أنها قتلت 500 من مقاتلي حزب الله في يوليو وأغسطس فإن المصادر المستقلة الموثوق بها تقول إن هذا الرقم مبالغ فيه بشكل كبير. أما على مستوى الخسائر المادية فقد بلغ مجموعها 500 مليون دولار في إسرائيل ونحو 4 مليارات دولار في لبنان التي شهدت تدمير إعادة اعمار ما بعد الحرب الأهلية حيث تم قصف 900 مصنع وأصيب ودمر حوالي 15 ألف منزل.
لقد دفع الجانبان ثمنا باهظا للحرب، وكان لبنان هو من دفع الثمن الأكبر، لكنها رغم ذلك وكما يقول المؤلف كانت حرب دونما منتصر مطلق، فلقد دخلت إسرائيل وحزب الله الحرب للتوكيد على مصداقيتهما وقدرتهما على ردع الأعداء لكن لم ينجح أي من الجانبين تماما، وهو ما يرجعه المؤلف، إلى أن كلاً من الجانبين أساء قراءة عدوه بدرجة كبيرة وحينما انتهت حرب الأسلحة بدأت الحرب الكلامية مع اجتهاد كل طرف لإقناع الأصدقاء والأعداء معا بانتصاره مما يوضح حسب المؤلف هشاشة مزاعم الطرفين.
الإعجاب بحزب الله
وفي قراءة ختامية لنتائج الحرب وتأثيراتها على مختلف المستويات، يشير المؤلف إلى أنه عربيا أثارت الحرب الغضب من المعاناة التي أنزلت باللبنانيين ومن رفض الولايات المتحدة الإنضمام إلى الجهود الدولية التي كانت تهدف إلى وقف إطلاق النيران. ومن خلال وجوده في مصر خلال رمضان بعد شهر ونصف من توقف الحرب واندماجه في لقاءات مع الكثيرين ومتابعة ردود الفعل المختلفة يشير المؤلف إلى أن حزب الله ما زال يلقى الإحترام الواسع وحتى الإعجاب لنجاحه في مواجهة إسرائيل حتى بين الأسر التي تعتنق القيم العلمانية.
ويذكر في معرض التأييد الواسع الذي كان يلقاه الحزب تنظيم الإخوان المسلمين ـ السنة ـ كثيرا من المظاهرات التي انضمت إليها مجموعات معارضة غير إسلامية مثل حركة (كفاية) وكان من اللافت للنظر في المظاهرات في مصر وغيرها أن المسلمين السنة عبروا علانية عن تضامنهم مع حزب شيعي، ما يدل حسب نورتون على أن الخط المذهبي المفترض الذي يفصل السنة عن الشيعة والذي يحظى باهتمام العلماء والباحثين إنما هو ظاهرة هامشية، فلقد كان من الواضح أن نموذج حزب مقاوم ورفضه الإنصياع حفز دعما واسعا من السنة.
وفيما استمرت الحرب بين إسرائيل وحزب الله خلال شهر أغسطس، فقد أجبر الغضب المتزايد ضد إسرائيل والإستياء المتصاعد من موقف الحكومات العربية ـ أجبر هذه الحكومات على التراجع عن تصريحاتها العلنية عن الصراع، فخفت نغمة نقد القيادات العربية المبكرة لحزب الله وبدأ بعضها في نقد إسرائيل على هجماتها غير المتناسبة على لبنان.
وكان من بين الدلالات على المكانة التي حفرها الحزب لنفسها في الأوساط الشعبية العربية تلك المكانة التي يحظى بها حسن نصر الله في دمشق، حيث هناك تدافع لشراء كل الرموز التي تشير إلى الحزب من ميداليات المفاتيح والقمصان والأزرار وملصقات السيارات وبوسترات يظهر عليها إما نصر الله وحده أو هو وبشار الأسد ووالده حافظ الأسد.
لقد ساد الإحتفاء بنصر الله على نطاق واسع كصلاح الدين هذا الزمان.. القائد الكردي الذي يعتبر عربيا وإسلاميا بطلا حرر القدس من الصليبيين عام 1189. كما استثار نموذج قوة حزب الله العسكرية في مواجهة إسرائيل حماس الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الإحتلال الإسرائيلي ومثلما حدث في الماضي حين ساعدت المقاومة الناجحة في جنوب لبنان المقاتلين الفلسطينيين على إندلاع انتفاضتهم ضد إسرائيل، انفجرت المشاعر المؤيدة لحزب الله في الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية وغزة.
شهرة تغزو الآفاق
انتشرت بوسترات حزب الله والكتابات المؤيدة له على الجدران في أنحاء الأراضي المحتلة، وحدثت طفرة في عدد مشاهدي قناة المنار، حيث اجتذبت الكثيرين، رغم ان «الجزيرة» تظل الأكثر شعبية. كما أيد غالبية الفلسطينيين الحزب على الرغم من قلق بعض أوساط السلطة الفلسطينية لأن المعركة اللبنانية نقلت الإهتمام الغربي بعيدا عن المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون في ظل العقوبات المنسقة والمتوافق عليها. ورغم ذلك أعلن فاروق القدومي وهو يتحدث إلى أكثر من 200 ألف فلسطيني من اللاجئين في لبنان ابتهاجه بنجاح حزب الله.
أما في الداخل الفلسطيني فقد سجلت فرقة موسيقى محلية وهى «فرقة الشمال» شريط «صقر لبنان» تحية لنصر الله واكتسب الألبوم على الفور شعبية عارمة في الضفة، وتحتفي الأغاني بالبسالة والشجاعة التي تتصف بها تلك المعركة بصفتها شجاعة إسلامية، وتردد أن الفلسطينيين لا يريدون سوى الحياة الحرة وأنهم مستعدون للترحيب بالموت من أجل الحصول عليها بدأت قوات الإحتلال الإسرائيلية وقد أقلقها تأثير حزب الله بالتفتيش على أجهزة المحمول الشبان الفلسطينيين وإلقاء القبض على من تحمل هواتفهم صورة نصر الله.
أما في المشاهد العربية الأخرى فقد فاقت مبيعات السي ديهات التي تحوي خطب نصر الله مبيعات تسجيلات المطربات اللبنانيات المحبوبات، مثل نانسي عجرم وهيفاء وهبي، كما أثرت الخطابات نفسها في الثقة الشعبية العربية وألهمت تحية نصر الله للمقاتلين في أيام الحرب الأولى أغنية جوليا بطرس أحبائي التي لاقت ذيوعا واسعا حيث تحوي مقاطع من الخطاب مثل (أود أن أقبل رؤوسكم وأن أقبل أصابعكم التي تضغط على الزناد). كما كان الدعم القوى لحزب الله في المجتمع الشيعي العراقي حيث أصدر آية الله السيستاني فتوى في 16 يوليو أدان فيها هجمة إسرائيل على لبنان بصفتها غير متكافئة.
فاتورة الحرب
بالتوازي مع الإحتفاءات بانتصار حزب الله في العالم العربي لم يكن الثناء على الحزب في لبنان شاملا. فرغم التضامن الذي بدا خلال فترة الحرب فإنه في الأسابيع التي تلت توقف إطلاق النار سرعان ما تراجع فيما بدأ اللبنانيون يتساءلون علنا عن دور حزب الله في اندلاع الحرب وكان من الصعب الإحتفال بنصر في مواجهة فاتورة إعادة اعمار تقدر بأربعة مليارات دولار.
كانت الحرب كما يصفها المؤلف مصيبة اقتصادية حلت بالبلد وسيستغرق إكمال إصلاح البنية الأساسية أو التحتية عامين على الأقل وسيتضمن ذلك إعادة بناء حوالي 78 كوبري مدمرا وقوضت الحرب موسم السياحة لعام 2006 ومثلت خسارة عائد يبلغ ملياري دولار وسط معاناة باحتمال معاناة مستقبلية لهذا القطاع.
لقد قسمت الحرب الأخيرة لبنان إلى معسكرين يمثل احدهما ما أطلق على نفسه لقب «ثورة الأرز» ويعتبر هذا المعسكر أن عمليات حزب الله المستفزة بما في هذا الكمين الذي تم فيه أسر الجنديين الإسرائيليين انقلابا. أما المجموعة الأخرى وتضم الجنرال ميشيل عون فضلا عن حزب الله والقوى المناصرة له فيرى النظام السياسي على أنه فاسد لا يلبي احتياجات الشعب كما يعمل الطرفان على توسيع نصيبهم في السلطة بقدر كبير.
وهو ما يعني في التحليل الأخير أن الأمل في وحدة قومية لبنانية حقيقية أصبحت مرة أخرى حلما، في ضوء الخلاف الذي يسود بشأن قضايا عديدة من الصعب حسمها في المستقبل القريب على رأسها سلاح حزب الله خاصة في ضوء الشرط الذي يطرحه الحزب ويبدو تعجيزيا ويتمثل في تحقيق ذلك حال إقامة دولة مركزية قوية ينتفي منها الفساد تستطيع حماية لبنان، وهو الشرط الذي يستدعي الإبتسامات من قبل من يعتقدون أن القبلية اللبنانية ليست في سبيلها للإختفاء في المدى المنظور.
يأتي ذلك في الوقت الذي يرفض الحزب تحميله المسؤولية عن اندلاع حرب يوليو 2006 حيث يؤكد نصر الله أن إسرائيل كانت تخطط لشن تلك الحرب قبل شهور من عملية أسر الجنديين الإسرائيليين في 12 يوليو وأنها استخدمت عملية الأسر ذريعة لشن حملتها الفاشلة لإبادة الحزب.
ورغم ذلك فإن نصر الله لم ينف في مقابلة تليفزيونية هامة أن التنظيم أخطأ وأقر بأنه لو أن أي أحد منهم أعضاء المجلس السياسي العسكري للحزب البالغ عددهم خمسة عشر ساوره القلق بنسبة 1% بأن رد إسرائيل سيكون بمثل هذه الوحشية لما أسروا هذين الجنديين. وفي نفس الوقت اتهم نصر الله التحالف الحاكم بالتواطؤ في خطة بقيادة أميركا وإسرائيل لتدمير حزب الله.
ماذا بعد؟
لقد كشفت تطورات الموقف في لبنان وعلى فترات مختلفة وفي ظل ملابسات مختلفة أن من الصعب على أية مجموعة أن تسيطر على نظامها السياسي لوقت طويل ولهذا فعادة ما تطغى أنصاف الحلول والتسويات كما يحتمل أن يحدث في الأزمة التي بدأت في 2006.
إن الأمر يعتمد وفق رؤية المؤلف، إلى حد كبير على أن يظل حزب الله ملتزما بالمبادئ التي كثيرا ما أعلن تبنيه لها طوال العقد الماضي وخاصة فيما يتعلق بعدم المناداة بدولة إسلامية في لبنان أو العمل على ذلك والتزام الحزب بالتعددية في المجتمع اللبناني فتنوع لبنان تحديدا هو الذي يميز جاذبيته الفريدة وطبيعته.
وكما أخبر حسن نصر الله رفيق الحريري في أول لقاء من لقاءات المصالحة العديدة في عام 2000 حين قال له: «نحن لا نملك مواطنة أخرى.. لقد ولدنا هنا وسنموت وندفن هنا.. إننا نجوع هنا ونشبع هنا ولا يستطيع أحد أن يزايد على وطنيتنا أو على حقنا في الإنتماء».
لقد ألقت حرب يوليو بقنبلة على الحياة السياسية في لبنان، وكان من المتوقع تماما أن يخرج الشيعة من الحرب مجموعة محتشدة أكثر تمسكا بحقوقها وفي الوقت نفسه فإن المخاوف التي تسيطر على معارضي حزب الله ومفهومة، وبخاصة إذا أخذنا في الإعتبار التدمير الذي نجم عن الحرب.
ومن هنا يخلص المؤلف في رؤيته الختامية إلى أن إعادة الإعمار ستتطلب ليس المهارة الهندسية والتفاني في إعادة بناء عشرات الكباري فقط، بل أيضاً الشجاعة السياسية والمعنوية لإقامة جسور سياسية لعبور الغضب الذي ما زال يقسم اللبنانيين. وفي ضوء حقيقة أن ذكريات الحرب الأهلية ما زالت قوية في لبنان وما زالت ذكريات العنف والتدمير فإنه توجد حوافز قوية للوصول إلى تسويات براجماتية لتحاشي المزيد من الكوارث في بلد من الواضح فيه أن من المقدر لحزب الله أن يلعب دورا متواصلا ومهماً.
عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق


