عندما اندلعت الحرب في لبنان خلال الصيف الماضي، لم تكن هناك إلا أصوات قليلة داخل إسرائيل تعارض الحملة العسكرية. فقد أثبتت استطلاعات الرأي وجود تأييد شعبي غير مسبوق لخوض إسرائيل تلك الحرب. وامتلأت شاشات التلفزيون والمحطات الإذاعية بالمتحذلقين والخبراء الذين أصروا على القول بأن إسرائيل تخوض حرباً من أجل بقائها وستحارب كي تزيل حزب الله عن الوجود.

غير أنه كان هناك برلماني إسرائيلي واحد يرى الأمور بشكل مختلف. ذلك البرلماني كان عزمي بشارة الذي قال إن حزب الله حركة مقاومة تخوض حرباً بدأتها حكومة إسرائيلية يقودها مجموعة من «التافهين والجبناء والانتهازيين»، جميعهم مسؤول عن «عمليات التخريب الهمجية في المنطقة والاستهداف المتعمد للمدنيين». وبعد عقود من العمل البرلماني في الكنيست الإسرائيلي، عُرف عن بشارة أنه أكثر الشخصيات السياسية جرأة وصراحة داخل الأقلية العربية في إسرائيل. وبعد انتهاء الحرب بقليل، سافر بشارة برفقة عدد قليل من أعضاء حزبه «بلد» إلى سوريا ولبنان، حيث استمر في التنديد بالحكومة الإسرائيلية. ولم يكن بشارة بحاجة إلى انتظار رد فعل الإسرائيليين لفترة طويلة، حيث أمر المدعي العام الإسرائيلي في شهر سبتمبر الشرطة بالتحقيق مع بشارة جنائياً.

ولم يكن ذلك هو أول تحقيق يخضع له بشارة بسب أنشطته المنتقدة لإسرائيل، ومن ثم فإنه لم يفاجأ عندما استدعته الشرطة بعد ذلك بستة أشهر للتحقيق معه حيث التقى مرتين بضباط شرطة ثم غادر إسرائيل بحجة القيام بجولة كان متفقاً عليها من قبل في الأردن. غير أن بشارة لم يعد إلى إسرائيل. وفي شهر أبريل قدم استقالته من الكنيست إلى السفارة الإسرائيلية في القاهرة. والآن هو يقيم مع زوجته وطفليه الصغيرين في شقة أحد أصدقائه في عمان بالأردن. وفي مقابلة نادرة مع صحيفة «غارديان» مؤخراً، قال النائب السابق في الكنيست الإسرائيلي: «أعلم إنهم يودون محاكمتي لإدانتي. أعلم ذلك جيداً. ولكنني لن أسمح لهم بتحقيق هذا الأمر. فأنا دائماً أسبقهم».

وينفي بشارة الاتهامات التي وجهتها إليه إسرائيل، ويقول إن السبب الحقيقي وراء التحقيق معه ليس ما قام به أثناء الحرب اللبنانية وإنما هو دعوته الطويلة والمستمرة إلى إجراء تغيير جذري في طبيعة دولة إسرائيل، حيث يعتقد بشارة أن الدولة الإسرائيلية لا يجب أن تكون دولة يهودية، وإنما ينبغي لها حماية الحقوق العربية و«التحول إلى دولة لكل المواطنين الإسرائيليين». ويضيف بشارة: «إنهم يريدون إدانة أي أيديولوجية فكرية ويتعاملون معها باعتبارها غطاءً لنوع مختلف من الأنشطة، وهو أمر غير صحيح بالمرة».

في مارس الماضي، نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية تحقيقاً صحافياً يفيد أن جهاز شين بيت الإسرائيلي لديه تسجيلات لبشارة أثناء الحرب يتحدث فيها إلى عناصر من حزب الله ويوجههم إلى إصابة أهداف مهمة بصواريخهم. وقالت الصحيفة أيضاً إن بشارة حصل على مئات الألوف من الدولارات نقداً مقابل القيام بهذا الأمر وذلك من خلال رجال يعملون في مجال تغيير العملة في القدس الشرقية عن طريق استخدام كلمات سر معينة. وأضافت الصحيفة ان «المحققين قالوا إنهم على علم بأن بشارة كان يستخدم كلمات كودية لأنه كان يشك في أنه كان يجري التنصت عليه».

ويؤكد بشارة على عدم صحة هذه المعلومات. ويقول إنه لم يتصل بأي مسؤول في حزب الله طوال فترة الحرب. ويقول في هذا الصدد: «نعم كنت أتحدث في الهاتف ونعم كان هناك من يتنصت علي، ولكن هل كنت أتحدث مع حزب الله؟ الإجابة هي لا». وقال بشارة إنه تحدث بالفعل إلى سياسيين وصحافيين في سوريا ولبنان ولكنه أكد أنه ليس لديه أسرار ينقلها إليهم. ويقول في هذا الشأن: «ليس لدينا ذلك النوع من المعلومات التي ننقلها إلى أي طرف». ووصف الاتهامات التي وجهت له بغسيل الأموال بأنها محض هراء.

وقد حدث مؤخراً أن أجرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية مقابلة صحافية مع أبراهام بيرج، الرئيس السابق للكنيست والرئيس السابق للوكالة اليهودية، أعرب فيها عن إدانته الشديدة للهيكلية التي تقوم عليها الحكومة الإسرائيلية. وقال بيرج: «لا يمكن للأمر أن يسير بالصورة الحالية. فتعريف إسرائيل باعتبارها دولة يهودية هو المفتاح الذي يقود إلى نهاية هذه الدولة. فالدولة اليهودية تقف على برميل من البارود يمكن أن ينفجر في أي وقت». ودعا بيرج هو الآخر إلى تغيير قانون العودة، وانتقد بشدة ما وصفه بـ «الصهيونية الإسرائيلية التصادمية». وجاءت تلك التعليقات من جانب بيرج لتعضد وجهة نظر بشارة الذي رد عليها بالقول: «كل ما يقال يوحي بأن هناك فيلاً في الغرفة ولكن لا يوجد أحد يريد التحدث عن وجوده».

يقول بشارة إن قانون العودة هذا يمثل مشكلة جوهرية، تماماً مثل فكرة دولة هي يهودية وديمقراطية في وقت واحد. ويضيف في هذا الشأن: «مشكلة هذه الدولة هي أنها لا تستطيع توفير العدالة. لا تستطيع فصل الدين عن الدولة. وستكون دائماً لديها رسالة أيديولوجية تمنعها من الاندماج في المنطقة المحيطة بها وتمنعها من خدمة مواطنيها». ويصف بشارة إسرائيل بأنها دولة «ديمقراطية استعمارية».

ويضيف بشارة: «العلاقة الأساسية بين أي دولة وبين مواطنيها يجب أن تكون علاقة المواطنة وليس العلاقة العرقية أو الانتماء الديني. من هو المواطن الإسرائيلي؟ هل ابن عمي في لبنان الذي غادر الدولة في 1948 يُسمح له بالعودة أم لا؟ هذا أمر رئيسي وجوهري. ولكن الشخص الذي يمكنه إثبات أن والدته يهودية، ولو كانت من بروكلين، يستطيع العودة!».

غير أن الواقع يشير إلى أن فرصة تطبيق أي من تلك الأفكار وتحولها إلى قانون في المستقبل القريب هي فرصة ضئيلة للغاية. فليس لدى إسرائيل دستور، وتظل هناك اختلافات كبيرة حول قضايا أخرى، غير العلاقات العربية ـ اليهودية، لاسيما تلك الخاصة بالعلاقة بين اليهود المتدينين واليهود العلمانيين.

وقد قوبل رأي بشارة في قضية الدول اليهودية بهجوم إسرائيلي لاذع. يقول أرنون سوف، رئيس قسم الإستراتيجيات الجيولوجية في جامعة حيفا: «يتعين علينا بذل قصارى جهدنا كي نبقي على إسرائيل دولة يهودية. أرى بوضح أن التحول إلى أقلية في هذه المنطقة يعني نهاية الشعب اليهودي ونهاية الحلم اليهودي ونهاية الدولة اليهودية. إنهم يستخدمون كلمات مثل «الديمقراطية»س، ولكنهم لو كانوا في موقع سلطة، لكانت نهاية الديمقراطية على أيديهم. علينا ألا نكون سذجاً».

ورفض بشارة بقوة آراء هؤلاء الذين يقولون إن العرب بالفعل لديهم حقوق كافية داخل المجتمع الإسرائيلي، وخصوصاً حقوق المواطنة وحق التصويت في الانتخابات وحقق الحديث ضد السياسات المطبقة. يقول بشارة: «أنت أخذت الأرض ومنحتني حرية التعبير. من الطرف الكاسب هنا؟ دعنا نعيد الاتفاق. فلتأخذ حرية التعبير التي منحتني إياها ولتعطني فلسطين مرة أخرى. ما رأيك في هذا؟»

ويضيف بشارة أنه كلما طال الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني سيحدث تقارب أكبر بين الإسرائيليين العرب والفلسطينيين في المناطق المحتلة وستزداد الدعوة إلى وجود دولة واحدة بجنسيتين، وهي الدعوة التي يفضلها بشارة بشكل كبير وواضح.

يقول بشارة: «في حال استمرار الوضع هكذا فإنه سيحدث تلاق بين قضية العرب الإسرائيليين وقضية الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. دولة ذات جنسيتين تعني أن العرب ينبغي لهم أيضاً الاعتراف باليهود كجنسية، ولا تعني تدمير الدولة، وإنما تعني دولتين سياسيتين سيتعين عليهما العيش سوياً. مثل هذا الحل سيكون بمثابة تسوية رائعة».

ترجمة: حاتم حسين عن «غارديان»