يعرض المؤلف هنا تفاصيل تطورات حرب الصيف الماضي، مستهلا ذلك بالإشارة إلى الظروف التي سادت في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 والتي تتشابه في بعض الجوانب مع ما ساد في أعقاب انتهاء حرب يوليو 2006.

فمع تراجع الفرحة الغامرة بانسحاب إسرائيل بقرار أحادي عام 2000 بفعل تصاعد المقاومة اللبنانية، تراجع المديح المنهمر على حزب الله حيث بدأ المنتقدون في الظهور ليؤكدوا أن هجمات الحزب المتقطعة ضد إسرائيل على الرغم من أنها قاصرة على مزارع شبعا إلا أنها متهورة وغير مبررة.

وفي ذلك الصدد تساءل جبران تويني ناشر صحيفة «النهار» في مقالة له في 5 مايو 2003: من فوض نصر الله في أن يمثل جميع اللبنانيين ويتخذ القرارات نيابة عنهم ويورطهم في أشياء لا يريدون التورط فيها؟ هل عين نصر نفسه الأمين العام لجميع اللبنانيين وللعالم العربي بأكمله؟

لقد كان تويني واحدا فقط من الذين اتهموا نصر الله بأن سمعته قد أوصلته إلى مرحلة غياب الوضوح. ووسط أجواء داخلية غير مواتية ومع ما بدا في الأفق من بوادر الغزو الأميركي ـ البريطاني للعراق في بداية 2003 عمل الحزب على أن يبتعد عن دائرة الضوء فخفف من حدة خطابه ومن مناوشته لإسرائيل عبر الحدود ومن ضرباته ضد مواقع الجيش الإسرائيلي بشبعا.

في تلك الأثناء وفيما بدا محاولة لاحتواء الموقف تقدم نصر الله باقتراح حث العراقيين خلاله على عقد مؤتمر صلح قومي وإجراء انتخابات وتشكيل حكومة جديدة، ورغم أن ذلك لقي تأييدا من جمهور الشيعة بلبنان إلا أنه لم يلق قبولا من شيعة العراق.

حيث لم يكونوا إلى جانب الأكراد في وضع يسمح لهم بقبول اقتراح نصر الله، ولم يثر الأمر سوى الانتقاد في ضوء رؤيتهم أن الاعتقاد أن البعث العراقي سيتقبل عدم وجوده في الساحة أمر يعتبر مثيرا للسخرية.

كما أنه في تلك الأثناء كان إسقاط النظام العراقي فترة تفاؤل بالنسبة للبعض، ولم يكن قد قوضها بعد خطأ حسابات إدارة بوش أو كابوس العنف الذي يسيطر على العراق حتى الآن. وقد برهن تقييم نصر الله للأوضاع على أنه صحيح.

حيث كان قد أكد أن على الولايات المتحدة ألا تتوقع أن يرحب بها شعب المنطقة بالورود والياسمين، بل إنهم سيرحبون بقواتها بالمدافع والدماء والعمليات الاستشهادية، وأعلن أنهم لا يخشون أميركا وأنهم سيمضون يرددون هتاف: «الموت لأميركا» ولم تسهم تلك التصريحات في تقليل عداء الولايات المتحدة لحزب الله.

حزب الله وأميركا

بعيدا عن تشابك الأوضاع في العراق، يشير المؤلف إلى أن نصر الله كانت له أسبابه الخاصة لمعارضة الولايات المتحدة، حيث كان قد أصبح من الواضح مع الأسابيع الأولى للغزو ومع حالة النشوة التي سادت لدى مسؤولي الإدارة الأميركية نتيجة الانتصارات المتتابعة أن إدارة بوش تفكر في تكرار القيام بعمليات عسكرية أخرى لقطف الثمار الناضجة في أماكن أخرى من المنطقة واستغلال الزخم الناجم عن نجاح أميركا الإستراتيجي.

كانت الأمور في واشنطن تتجه إلى احتمال الإطاحة بالحكومة السورية والهجوم على حزب الله والعمل على تبني انتفاضة في إيران للإطاحة بالنظام هناك. هكذا كان تفكير الإدارة الأميركية، وهكذا كانت تخطط، غير أن تطورات الوضع في العراق فيما بعد أدت إلى تراجع العمل بهذه المخططات في ضوء ما بدا آنذاك وما زال ماثلا حتى الآن من أن الوضع في العراق يعتبر بمثابة مستنقع ينبغي البحث عن مخرج منه، وليس الانغماس في مستنقع آخر.

كان مما زاد من قلق حزب الله الأوضاع الداخلية في لبنان والتي يشير المؤلف إلى أنها باتفاق أغلب اللبنانيين ممن تابعوا الحرب الأهلية كانت تسودها الطائفية على نحو أكثر وضوحا بعد تلك الحرب عما كانت عليه أثناءها، وهو ما كان يشير إلى عدم استقرار الأوضاع تماما في الداخل وإمكانيات انفجارها بين لحظة وأخرى، خاصة إزاء الخلاف بشأن الدور السوري وهو الدور الذي كان حزب الله يرحب به.

من هذه النقطة ينتقل بنا المؤلف إلى الظروف المحيطة بقضية الحريري واغتياله فيذكر أن عندما أدت المناورات السياسية إلى تركه منصبه عام 1998 كرئيس لوزراء لبنان شعر كثير من اللبنانيين بالسعادة لذلك إلا أنهم شعروا بنفس القدر من السعادة لدى عودته رئيسا للوزراء عام 2000 .

حينما فاجأ اللبنانيون العالم بل أنفسهم بقلب خطط سوريا لانتخابات كانت تثار التساؤلات بشأن نزاهتها من المتوقع أن يفوز فيها الموالون لدمشق. لقد كان الإحباط من حكومة سليم الحص بلغ أوجه لعدم استطاعته معالجة الورطة الاقتصادية التي خلفها له الحريري ولم يساعد أيضاً موقفها الذي بدا مواليا لسوريا على جذب كثير من التأييد له.

وعلى ذلك فإنه أثناء الإعداد لانتخابات 2000 لاح ظل الحريري ضخما وقد انتزع 18 مقعدا ببيروت وهزم منافسيه السنيين وترك المقعد التاسع عشر مفتوحا أمام شيعيين من حزب الله. فاز الحريري في دائرته الانتخابية ببيروت بأصوات تفوق الأصوات التي حصل عليها المرشحون الستة الآخرون بلبنان.

لقد خيمت على السنوات الأربع التالية حتى استقالة الحريري في أكتوبر 2004 حالة من الإخفاق التام والإحباط السياسي والعداء المتبادل خاصة في ضوء ما يراه المؤلف من حقيقة أن لحود استولى على مزايا للحريري ومن ذلك مثلا أنه رغم أن بنود اتفاق الطائف تنص على ترؤس رئيس الوزراء لاجتماعات مجلس الوزراء فإن لحود كان كثيرا ما ينتزع هذا الحق لنفسه وكثيرا أيضاً ما كان يرفض بإيجاز أجندة الحريري لاجتماعات مجلس الوزراء.

وعلى ذلك فإن الحريري لم يخف إحباطه لخطط مد رئاسة لحود البالغة ستة أعوام ثلاثة أعوام أخرى الأمر الذي كانت تحبذه سوريا. وهنا يذكر المؤلف أن رد دمشق كان حادا حيث أبلغ الأسد الحريري في اجتماع قصير دام عشر دقائق بدمشق في أغسطس 2004 أن معارضة المد للحود سينظر إليها على أنها ترقى إلى معارضة لدمشق. هنا وعلى الفور بدأت التقارير عن هذا اللقاء تنتشر في أنحاء بيروت في المساء ذاته وقد لخص رئيس الوزراء اللبناني السابق سليم الحص النتيجة النهائية للمؤلف في لقاء له آنذاك قائلا: لقد حسم الأمر.

استقطاب شائك

ألقت تلك التطورات بتأثيراتها على الساحة اللبنانية سواء لجهة التأييد أو الرفض حسب موقع الأشخاص في الطيف السياسي. وسط ذلك الخليط كان لحود حليفا لحزب الله وضامنا لعدم إجبار المقاومة على نزع سلاحها. أما في أوساط أخرى مثل بعض الأوساط المسيحية والدروز فقد أثار الأمر استياء وجوا من المعارضة.

وهو ما كان له تأثيره وسط تطورات أخرى في إصدار مجلس الأمن قراره رقم 1559 في سبتمبر 2004 برعاية أميركية فرنسية والقاضي بانسحاب القوات السورية ونزع سلاح حزب الله. ومع الأخذ في الاعتبار علاقات الحريري الوثيقة بشيراك فقد ثارت تكهنات كثيرة عن دور للحريري في صناعة ذلك القرار أو على الأقل في الدفع باتجاهه.

وفيما يراه يعكس تقويمه للأوضاع في تلك الفترة يشير المؤلف إلى لقاء جمعه مع الحريري سأله خلاله عن الفساد المتفشي في لبنان فكان رد الحريري: «إن بعض أعضاء مجلس وزرائي مجرمون، ويجب أن يوضعوا في السجن، لكن ليس باستطاعتي فعل شيء حيال هذا الأمر».

ويعلق المؤلف قائلا إن قوله بالعجز كان تبريرا يخدم مصالحه لكنه أيضاً كان يشير إلى حدود قدرته. وسط هذه الأجواء جاء اغتيال الحريري حيث يبادر المؤلف فيؤكد على ضرورة عدم استباق نتائج التحقيق الذي تجريه الأمم المتحدة بشأن حادث الاغتيال والطرف الذي يقف خلفه.

وفيما يشير إلى حالة الاستقطاب التي سادت لبنان على خلفية حادث الاغتيال يذكر المؤلف أن الموجة الأولى من التظاهرات التي أعقبت الحادث لقيت الترحيب في واشنطن وتعقد الموقف بشكل أكبر مع استعادة حزب الله المبادرة من خلال مظاهرة ضخمة في 8 مارس 2006 شارك فيها نحو 400 ألف شخص تعبر عن التقدير لدمشق.

وفي رد فعل على هذه التظاهرة نظم الجانب الآخر في المعادلة اللبنانية مظاهرة حاشدة خاصة بهم في وسط بيروت في 14 مارس حضرها ما يقرب من مليون شخص ولم تحدث مظاهرة مثلها في العالم العربي منذ أن خرج 4 ملايين مصري لتشييع جنازة أم كلثوم عام 1975. المهم أن ما يسميه المؤلف شهر التظاهرات انتهى بالاعتراف المتبادل بأنه من غير الممكن سيطرة أحد الطرفين، وأن التسوية أصبحت مطلبا ملحا.

في غياب الإجماع

في ضوء مسعاه لرسم صورة متكاملة للأوضاع قبيل الحرب بما يساعد على فهم تطوراتها والنتائج التي نجمت عنها وظهرت في جروح لم تلتئم يذكر نوروتون أنه رغم التطورات المشار إليها في السطور السابقة وفي الأشهر السابقة على صيف 2006 كانت بيروت تستعد لموسم سياحة قياسي في ظل ما بدا من استعادة لبنان لعافيته إثر الحرب الأهلية رغم الخلافات السياسية وهو الأمر الذي حرص حزب الله على التأكيد على الترحيب به وأنه لن يفعل شيئا يهدد السياحة الصيفية المربحة.

لم يعكر تلك الأجواء سوى الدعوات المطروحة إلى نزع سلاح الحزب خاصة بعد انسحاب القوات السورية من لبنان 2005، حيث أكد الحزب على الحاجة للسلاح الآن أكثر من أي وقت مضى بصفته، القوة العسكرية ذات المصداقية الوحيدة المتاحة للدفاع عن لبنان في مواجهة أي اجتياحات إسرائيلية.

لقد جاء هذا الطرح في ظل بيئة لا يسودها الإجماع بشأن هذه الرؤية فرغم أن الحزب يتمتع بتأييد قوي في الجنوب غير أن هناك الكثيرين، على ما يذكر نورتون، كانوا يعملون على التقليل من شأنه في الأسابيع التي سبقت اندلاع الحرب في صيف 2006.

وقد تحول الأمر إلى السخرية التي كان أبرز ملامحها بثا تلفزيونيا لبرنامج فكاهي في الأول من يونيو حيث قام ممثل يلعب دور نصر ويماثله في شبابه بإيجاد تنويعة من الذرائع غير المعقولة بل والمستحيلة لرفض التخلي عن سلاحه، الأمر الذي مثل استفزازا للحزب ومؤيديه، وعلى ذلك تظاهر خلال ساعات عشرات المتعاطفين مع الحزب للاحتجاج على عدم الاحترام البادي لنصر الله.

كما أن الأمين العام لحزب الله نفسه أبدى استياءه من تلك الواقعة، وهو ما يراه المؤلف أحد الأسباب الأساسية التي فتحت شهية الحزب للقيام بعملية مثيرة ضد عدوه الأكبر تتيح له استعادة مكانته وتظهر ضرورة احتفاظه بسلاحه.

ورغم أن ذلك تفسير يتعلق برؤية المؤلف، إلا أنه من الصعب اختزال قرار عملية حزب الله في هذا البعد فقط، وسلخها عن مجمل رؤيته المتعلقة بموقفه من الاحتلال الإسرائيلي والظروف التي كانت تمر بها القضية الفلسطينية آنذاك والتي جاءت العملية في محاولة لشحذ همتها حسبما أعلن الحزب آنذاك فضلا عن العديد من التداخلات الإقليمية والدولية وهو ما يعني أن الحزب أقدم على عمليته التي كانت السبب المباشر في اندلاع الحرب في ضوء أبعاد عديدة تتجاوز الرؤية التي يقدمها المؤلف حال الإقرار بصحتها.

اختيار التوقيت الخطأ

غير أن ذلك لا ينفي ما يذهب إليه المؤلف وأكد عليه حسن نصر الله بغض النظر عن النتائج الأخرى للحرب والتي سنعرض لها من خلال رؤية نورتون من أن عملية حزب الله جاءت في الوقت الخطأ. فعلى الجانب الإسرائيلي كانت الرغبة قد تزايدت في أوساط القيادات الإسرائيلية والعسكرية في تسوية الحسابات مع حزب الله بشكل ملفت عام 2005.

وكان مما زاد من هذا الأمر توصيف نصر الله لإسرائيل ببيت العنكبوت الواهي غير أن السبب الحقيقي حسبما يري نورتون وكان القشة الأخيرة التي أدت إلى تفجر الموقف سلسلة الاتصالات السرية بين حماس وحزب الله في الربيع وأوائل صيف 2006.

وفي تلك الاتصالات، وفق مؤلف الكتاب، حثت قيادة حزب الله الفلسطينيين على التشدد في المفاوضات حول الجندي الإسرائيلي الذي أسر في يونيو، كما أن نصر الله أشار خلالها كذلك إلى رئيس الوزراء أولمرت ووزير الدفاع عمير بيريتس بصفتهما رجلين ضعيفين.

وعلى ذلك فإنه حينما ظهرت تلك الاتصالات إلى الضوء في دوائر القيادة الإسرائيلية مع تقارير تشير إلى أن حزب الله يطور قدرة ضربة أولى لشن هجمات استباقية بالصواريخ ضد إسرائيل أصبح هؤلاء أقل ميلا لاحترام قواعد اللعبة مع حزب الله التي كانت قد ظلت سارية بعد انسحاب عام 2000.

على ذلك كان الإعداد لضرب حزب الله حتى لو لم يقم بتلك العملية، وفي ذلك ينقل المؤلف عن الصحافي الأميركي المعروف سيمور هيرش الإشارة إلى أن لقاء تم في بداية صيف 2006 بواشنطن أعد فيه المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون خططا لضربة ساحقة لحزب الله.

ورغم إشارة المؤلف إلى أنه لم يتضح مدى التنسيق بين الطرفين بشأن العمليات على الأرض والذي تم خلال ذلك الاجتماع إلا أنه يشير إلى أنه ليس ثمة شك في أن المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين كانوا يرون أن توجيه ضربة قوية إلى حزب الله أمر جدير بالعمل على تحقيقه.

كانت الأوضاع على الأرض تعمل على السير في هذا الاتجاه خلال الشهور التي سبقت بدء أعمال الحرب في يوليو 2006. وفي ذلك يشير المؤلف إلى محاولة حزب الله أسر عدد من الجنود الإسرائيليين في إحدى القرى التي تقع على جانبي الحدود اللبنانية ومرتفعات الجولان المحتلة.

وقد مثلت العملية التي أفشلتها القوات الإسرائيلية محاولة من قبل حزب الله للوفاء بالوعد الصادق بأن يضمن إطلاق سراح الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية بمن فيهم سمير القنطار أحد المسؤولين عن الهجوم على مدينة نهاريا بإسرائيل وقتل أربعة أفراد من أسرة إسرائيلية وقد ظلت إسرائيل مصرة على رفض الإفراج عنه.

كما أن الحزب أطلق في مايو 2006 النيران على موقع حدودي إسرائيلي وجرح جنديا وكانت الاستجابة الإسرائيلية النمطية على تلك العملية وفقا لقواعد اللعبة التي تطورت بين الجانبين عقب انسحاب 2000 تقتضي أن يقصف الجيش الإسرائيلي عددا من مواقع حزب الله ومراكز القيادة والتحكم له لكن في تلك الحالة اختارت إسرائيل رد فعل أشد عنفا حيث قصفت 20 موقعا لحزب الله على الحدود ودمرت الكثير منها .

وفي المقابل صعد حزب الله العمليات وقصف صفد موقع المقر الرئيسي الشمالي للجيش الإسرائيلي بثمانية صواريخ أصابت خمسة من تلك الصواريخ المشهورة بعدم الدقة مزرعة هوائيات قريبة من المقر الأمر الذي بعث برسالة واضحة لإسرائيل عن طبيعة ترسانة الحزب.

التي كانت الفكرة عنها أنها تحوي 12 ألف صاروخ على الأقل غالبيتها كاتيوشا قصيرة المدى لكن أيضاً عددا آخر من الصواريخ طويلة المدى وبخاصة صواريخ زلزال 2 التي زودته بها إيران ويبلغ مداها 210 كم. كان ذلك مؤشرا على أن الطرفين في رغبة شديدة في القتال للنيل المتبادل من الطرف الآخر.

نجاح تكتيكي

من هذه النقطة ينقلنا المؤلف إلى قلب العمليات التي اندلعت خلال الحرب مستعرضا أبعادها فيذكر نورتون أن عملية حزب الله الدرامية في 12 يوليو 2006 كانت محاولة أخرى للوفاء بالوعد الصادق، غير أن القيام بهجمة على الأرض الإسرائيلية إنما استهدف كذلك توضيح قدرات حزب الله الهجومية ومحاولة الحصول على تأييد منتقديه من اللبنانيين الذين كانوا ينادون بنزع سلاحه.

على المستوى التكتيكي، يشير نورتون إلى أن العملية مثلت نجاحا مذهلا، حيث أوقع مقاتلو حزب الله دورية آليات إسرائيلية في منطقة غير مأهولة بشمال إسرائيل على حدودها مع لبنان، وأسر الحزب جنديين، وقتل ثلاثة آخرين، وخلال تعقب الجيش الإسرائيلي المقاتلين داخل الأرضي اللبنانية في مهمة إنقاذ قتل 5 جنود إسرائيليين آخرين ودمرت دبابة ميركافا.

يعتبر المؤلف هذه الهجمة بمثابة نقلة نوعية في عمليات حزب الله، وسع بمقتضاها قواعد اللعبة بشن غارة جريئة على الأراضي الإسرائيلية، وهنا يشير إلى أنه رغم أن قيادة حزب الله تنبأت بعملية إسرائيلية ثأرية، إلا أنها توقعت أن تصمد أمامها.

في البداية بدا هدف حزب الله وقد تم إنجازه بشكل بالغ النجاح، غير أن حقيقة الأمر تمثلت، كما ذهب منتقدو الحزب من اللبنانيين وكما اعترف نصر الله لاحقا، في أن الحزب أخطأ في حساباته خطأ كبيرا.

لقد بدأت إسرائيل هجومها الثأري ضد الحزب في 13 يوليو وسرعان ما بات واضحا أن الهجوم يتخطى حدود ما توقعه نصر الله وقيادات الحزب كثيرا، فخلال يوم تم الحصار البحري للبنان، وقصف مطار بيروت الدولي إلى حد الإغلاق عمليا، وبعد ذلك تم قصف مكاتب نصر الله في 14 يوليو.

وعلى ذلك أصدر الحزب بيانا بدا من خلاله سخط الحزب على هذه الهجمات وبهذا المستوى، حيث قال ما مفاده: لقد أردتم حرباً مفتوحة، ونحن مستعدون لها. وفي اللحظة نفسها طلب نصر الله من المستمعين النظر إلى البحر، حيث هز انفجار في الأفق بارجة حربية إسرائيلية ضربها صاروخ موجه وقد أعطبت البارجة وقتل أربعة من بحارتها، فيما كان إشارة مبكرة إلى أن الحزب قد يكون مستعدا بأفضل مما افترضته إسرائيل.

من النقاط التي يشير إليها المؤلف في سياق استعراضه لتطورات تلك الحرب أن ما شجع إسرائيل على مواصلة عدوانها على النحو الذي بدأته ردود الفعل الدولية وخاصة العربية والشجب الذي واجهه الحزب من قبل أطراف كان يفترض بها أن تصمت في هذه اللحظة، حتى لا يبدو موقفها على انه تأييد لإسرائيل.

لقد كان دعم الولايات المتحدة القوي متوقعا، وأصبح واضحا على الفور، أما الذي لم يكن متوقعا فهو استنكار عملية حزب الله من قبل دول عربية رئيسية، في ضوء ما يعتبره خوفا من تلك الدول من تصاعد نفوذ الحزب والتيار الذي يمثله في العالم العربي.

وبخاصة أن حزب الله كسب دعما حماسيا بين أغلبية السكان في العالم العربي. على الجانب الأميركي والإسرائيلي كانت الدولتان تودان نزع سلاح حزب الله وتوجيه ضربة قاصمة إليه باعتباره حليفا لإيران.

وقد بدا آنذاك استيعاب الحزب لهذه التطورات كاملا بغض النظر عن تقويمه المبدئي لعمليته ففي حوار مطول معه على قناة الجزيرة بعد اندلاع المعارك في 21 يوليو 2006 أشار حسن نصر الله إلى الاستنكار العربي الذي اعتبره «مفاجأة».

كما أشار ضمنيا إلى فشله في توقع مدى رد الفعل الإسرائيلي، وقال حسن نصر الله إنه كان من الممكن لرد الفعل الإسرائيلي، على عملية الأسر أن يكون قاسيا لكنه كان سيكون محدودا لولا الغطاء الدولي والعربي.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق