عند هذا المنعطف من الكتاب، يتطرق المؤلف إلى قضية الربط بين حزب الله والعنف، ويستهل معالجة هذا الموضوع بتطورات عقد الثمانينات، فيذكر أنه كان عقدا من العنف والفوضى غير العاديين في لبنان، حيث يتذكره الكثيرون في الولايات المتحدة جراء الصور التي لا يمكن نسيانها لأطلال ثكنات المارينز التي دمرها انتحاري في أكتوبر 1983 مما أدى إلى مقتل 220 من المارينز و13 بحاراً وكذلك 58 مظلياً فرنسياً بواسطة شاحنة مفخخة، حيث كان الفرنسيون يشاركون في القوة متعددة الجنسيات التي كانت تعمل في بيروت إثر الغزو الإسرائيلي عام 1982.

وهنا وفي إطار التأكيد على رؤيته التي تربط بين إيران وحزب الله يتخذ المؤلف موقفا حاسما بشأن دور طهران في هذا التفجير، حيث يقرر أنه من شبه اليقيني أن المخططين لهذا العمل من قبل اللبنانيين أنجزوه بتوجيه من إيران، ويعزز ذلك بالإشارة إلى تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة التي وصفت التفجيرات بأنها عمل من أعمال الحرب، وألقت بالمسؤولية إلى حد كبير على طهران.على هذه الخلفية يشير المؤلف إلى أن لبنان ظل ـ وما زال ـ ساحة مفتوحة أمام التأثيرات الخارجية ساحة الحروب بالوكالة، وكان هذا هو الوضع بخاصة في الثمانينات، حيث كان الرعاة السياسيون والعسكريون المتنافسون بما فيهم العراق، إيران، سوريا، ليبيا، الولايات المتحدة إلى جانب الاتحاد السوفييتي وفرنسا يمدون الأطراف المتنازعة بأدوات الصراع ومعداته.

ومما يذكره المؤلف في هذا الصدد، على خلاف ما هو معروف، أنه رغم قيام كل من سوريا وإيران بأدوار رئيسية في ضوء مصلحتهما المشتركة في مواجهة تأثير الولايات المتحدة هناك وهزيمة الاحتلال الإسرائيلي للبنان غير أن سوريا، وفق ما يذكر، كانت متشككة في إيران وحزب الله حيث كانت تنظر لحزب الله، في مطلع الثمانينات على أنه أقرب لإيران أكثر من كونه منظمة مستقلة، وعلى ذلك فإنه في ظل تنامي قوة الحزب حاولت سوريا من وقت لآخر احتواءه.وهو ما بدا بأسلوب مأساوي حينما قتل النظام السوري، حسب رواية المؤلف، 23 من أعضاء الحزب عام 1987فضلا عن أن دمشق أمدت كذلك منظمة أمل المنافسة للحزب بالدعم في المعارك الضارية بينها وبين الحزب عام 1988 و1989 ورغم ذلك فإنه مع بداية التسعينات كان الحزب قد حل محل حركة أمل إلى حد كبير في محيط بيروت.

مسلسل اختطاف الغربيين

بعد هذا الاستعراض لأجواء عقد الثمانينات، يتطرق المؤلف إلى فحص الطروحات التي تدور الإرهاب، فيذكر أنه خلال ذلك العقد نال لبنان صيتاً سيئاً بسبب خطف الغربيين، الذين بلغ مجموعهم ثلاثين شخصا، كان أغلبهم أبرياء من الأجانب سيئي الطالع.

وحسبما يذكر، فإن هذه العمليات لم تكن جديدة تماما على الأجواء في لبنان، حيث كانت حرفة تمارس طوال الحرب الأهلية، إلا أنه في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي في يونيو 1982 لم يكن أول المختطفين الأجانب غربيين، بل أربعة دبلوماسيين إيرانيين اختطفتهم ميليشيا القوات اللبنانية وقتلتهم، وبعد ذلك بدأت سلسلة الرهائن الغربيين بديفيد دود رئيس الجامعة الأميركية ببيروت الذي اختطف عام 1982.

هنا يشير المؤلف إلى أن بعض الجماعات التي قامت بعمليات الاختطاف ارتبطت بحزب الله، من دون أن يوجه اتهاماً مباشراً للحزب بلعب دور في هذه العمليات، فيما أن الآخرين كانوا مجموعات بما فيها مجموعات كانت تعمل فيما يسميه المؤلف «بزنس الرهائن»®. تبيع الرهائن وتقايضهم نظير أرباح، وكانت تلك ظاهرة مثلت نذيرا مبكرا لعمليات الاختطاف الإجرامية المماثلة الآن بالعراق وتمهيدا لها.

ويبرئ المؤلف دمشق من أي دور في عمليات اختطاف الرهائن، مضيفا أنه على الرغم من أن إيران لم تمارس تحكما مباشرا في المختطفين، فقد مارس نظامها الثوري تأثيرا أيديولوجيا قويا، وكان فاعلا بخاصة في بذر الشك في أن الغربيين في لبنان كانوا عملاء للإمبرياليين الأميركيين والإسرائيليين.

ويقرر المؤلف أن اختطاف الرهائن كان متسقا تماما مع هدف الحزب المعلن لطرد أميركا من لبنان، سواء من المواطنين الأميركيين أو الحضور الدبلوماسي معا، وإن كانت هذه الرواية من قبل المؤلف لا يمكن أن تعني بأي حال من الأحوال تورط الحزب في هذه العمليات.

غير أنه يقرر أن مصير الرهائن كان كثيرا ما يستغل لخدمة مصالح إيران حيث أصبح لبنان مكانا غير آمن للأميركيين وهو ما بدا بشكل واضح في حظر الخارجية الأميركية عام 1987 استخدام جواز السفر الأميركي للسفر إلى لبنان، وهو الحظر الذي دام حتى عام 1997 رغم أن الكثير من الأميركيين تجاهلوا الحظر في التسعينات بعد نهاية الحرب الأهلية. فمع تلك التطورات بدأ العنف هناك يتراجع وفي الوقت ذاته أحكمت سوريا قبضتها على لبنان بموافقة ضمنية من قبل الولايات المتحدة التي كافأت دمشق نظير مشاركتها في تحالف حرب الخليج ضد غزو العراق للكويت.

توظيف لتعريف الإرهاب

السؤال الذي يفرض نفسه ويطرحه المؤلف بعد هذا التناول هو: هل يمكن تصنيف أنشطة حزب الله العسكرية على أنها إرهاب؟ يبدو موقف المؤلف في هذا الصدد ملتبسا إلى حد كبير ويشوبه قدر من التناقض على الرغم من محاولته التزام أكبر قدر من الموضوعية، وهو ما يمكن تفسيره في رأينا بالطبيعة المتشابكة للقضية محل التناول، فضلا عن الغموض الذي ينتاب بعض الأحداث التي يتناولها.

بداية يقرر المؤلف، في معرض الإجابة عن هذا السؤال، أنه من وجهة النظر الأميركية -الإسرائيلية فإن الإجابة بالتأكيد في ضوء تعريفهم للحزب بأنه منظمة «إرهابية» واعتبار من يؤيده مؤيدا لمنظمة «إرهابية»، ومن ثم فإن أي فعل عنف يرتكبه أو يسعى إلى ارتكابه يصبح فعل «إرهاب».

غير انه بعيدا عن هذه الرؤية يقرر المؤلف عن حق أن صفة «إرهابي» تعتبر هراوة خطابية مفيدة تستخدمها دول كثيرة لتجريم الجماعات الثورية وتجريد أعضائها من آدميتهم. ويدلل على ذلك بالإشارة إلى أنه طوال سبعينات وثمانينات القرن الماضي وقبل أن توقع إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية على اتفاقيات أوسلو فإن أي ذكر للمنظمة كان يتضمن وصفها بالإرهابية وأي قصف جوي إسرائيلي للمنظمة التي كان لها حضور مسلح كبير في لبنان يعتبر هجوما على أهداف إرهابية وفقا للمتحدثين والصحافيين الإسرائيليين.

غير أن المؤلف يلفت النظر إلى أنه في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وقع الرئيس بوش أمرا تنفيذيا يحدد خطوات مجابهة القاعدة والمرتبطين بها ومواردها ولم تتضمن المجموعات التي وصفت في هذا الأمر التنفيذي بأنهم إرهابيون على الأرض حزب الله، على الرغم من أن الخارجية الأميركية صنفت الحزب عام 1997 على أنه منظمة إرهابية. كما لم يتضمن الأمر التنفيذي منظمة حماس على الرغم من أن قائمة الخارجية للمنظمات الإرهابية تضمنتها كذلك.

في تفصيل للأبعاد السياسية لتهمة الإرهاب التي تم دمغ حماس وحزب الله بها يشير المؤلف إلى أن ذلك التطور أثار جدلاً محتدماً بين مجموعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة وبشكل خاص اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة «إيباك» .

وكذلك بين عدد من أعضاء الكونغرس الذين سعوا إلى تضمين المنظمتين ضمن الأمر التنفيذي، وهو ما لقي معارضة على المستوى الرسمي على أساس وجوب تركيز الجهد على القاعدة المجموعة المسؤولة عن الهجوم فضلا عن أن الولايات المتحدة فيما بعد الهجمات ستكون بحاجة إلى دعم دول عربية تعترف بحماس وحزب الله كجماعتي مقاومة، وإن انتهى الأمر بانصياع إدارة بوش وتصنيف حزب الله ومجموعات أخرى على أنها أعداء في الحرب على الإرهاب.

أنشطة خدمية واجتماعية

وفي محاولة لالتزام الموضوعية بعيدا عن الاستخدام السياسي لمفهوم الإرهاب، يقرر المؤلف أنه يمكن تعريف الإرهاب بأنه الاستخدام المقصود للعنف السياسي ضد المدنيين والمواقع المدنية، مثل المدارس والمستشفيات والمطاعم والحافلات والقطارات والطائرات. وباستخدام ذلك التعريف وتطبيقه على سلوكيات حزب الله يشير إلى حقيقة أن الحزب يدعم أنشطة وخدمات في لبنان لا علاقة لها بالإرهاب، مثل إدارة المستشفيات.

كما أن الحزب اشترك في أشكال للعنف تقع خارج تصنيف الإرهاب، ففي ظل احتلال إسرائيل لجزء كبير من لبنان فإن حزب الله والمجموعات اللبنانية الأخرى إنما كان يمارس حقه الكامل في أن يقاوم الاحتلال، وله الحق في ذلك باستخدام ما يصفه المؤلف بالعنف القاتل.

وهو ما يدعمه من وجهة نظر المؤلف أن المقاومة كانت تقصر هجماتها على الجنود الأعداء وعلى القوات التي تعمل بالوكالة من خلال الاحتلال. ولعل ذلك كان وراء عدم نجاح الولايات المتحدة في إقناع غالبية الدول الأوروبية بالمصادقة على تضمين تصنيف حزب الله على أنه إرهابي، في ضوء إصرار تلك الدول على تعريف أكثر تحديدا للإرهاب من ذلك الذي اعتادت الولايات المتحدة على استخدامه.

غير أن المؤلف يشير إلى أن موقفه السابق لا ينفي أن الحزب اشترك من وجهة نظره في عمليات تشكل إرهابا، بمعناه الأكثر تحديدا وكما يفهمه العامة. ويذكر أن أحد الأمثلة الواضحة على ذلك اختطاف ناشطين «مرتبطين» بحزب الله عام 1985 للطائرة 847 التابعة لشركة التي دبليو أيه في طريقها من أثينا إلى روما حيث تعرض روبرت ستثم البحار الأميركي المسافر بالطائرة للضرب بقسوة وإطلاق النار على رأسه ثم قام الخاطفان، عماد مغنية وحسن عز الدين، بعد ذلك بإلقاء جثته على أرض مطار بيروت.

أما الحالة الواضحة الثانية، وفق المؤلف، فهي اختطاف ويليام هيجنز من المارينز عام 1998 وكان مراقبا أعزل حيث تم قتله على يد المجموعة الخاطفة والمتعاطفة مع حزب الله. غير أن ما يلفت النظر في هذه الاتهامات لحزب الله أنها هي ذاتها تقوض التهمة من أساسها، حيث أنه وفقا لرواية المؤلف فإن الحزب لم يقف بنفسه وراء عمليات الاختطاف، وإنما مجموعات مرتبطة به، وهو ما لا يمكن نسبته إلى الحزب بأي حال من الأحوال.

هنا يعود المؤلف وفيما يشكل نوعا من التضارب إلى الإشارة أنه بشكل عام من السهل اقتفاء أثر الكثير من أعمال الإرهاب في الثمانينات والتسعينات بما يشير إلى أنها إنما تمت من قبل أطراف أخرى، وليس من قبل حزب الله.

ونلاحظ أن المؤلف يقرر بوضوح أن عمليات المقاومة من قبل حزب الله استهدفت بشكل أساسي الجنود الإسرائيليين والميليشيات المتحالفة معهم ولم تستهدف المدنيين، وهو ما يختلف بشكل كبير، وفقا له، عن عمليات حماس في فلسطين، فعلى حين أن حماس استهدفت المدنيين الإسرائيليين، فإن حزب الله لم يفعل ذلك خلال احتلال إسرائيل الممتد لجنوب لبنان، مضيفا أن الهجمات الانتحارية الاثنتي عشرة التي شنها الحزب استهدفت قوة الاحتلال وحلفاءها وكلها أهداف مقاومة مشروعة.

ومع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية في بداية التسعينات، واصل حزب الله تمسكه برؤيته حيث تمسك بسلاحه فيما وافقت جميع الميليشيات الأخرى على أن تحل وفقا لاتفاقية الطائف عام 1989 وقد برر حزب الله إبقاءه على قواته المسلحة بأن أسماها مجموعات المقاومة الإسلامية، وليست الميليشيات، وأنها مقاومة ملتزمة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

وكان منطقه في ذلك أن لبنان في حاجة إلى تلك القوات للدفاع عنه في مواجهة جيش لبنان الجنوبي العميل لإسرائيل وقد تمتع هذا الوضع بدعم كبير وإن لم يكن إجماعياً في لبنان، حيث كان ينظر للاحتلال الإسرائيلي بصفته عائقا أمام استرداد الدولة عافيتها.

في هذا السياق يشير المؤلف إلى بروز مفهوم «قواعد اللعبة» وهو الأمر الذي تواصل احترامه خلال فترات غير قصيرة من قبل الجانبين، حزب الله وإسرائيل. ووفقا لهذه ا لقواعد فإنه كان على إسرائيل الامتناع عن الهجوم على أهداف مدنية وعلى المقاومة أن تركز عملياتها على المنطقة الأمنية.

غير أنه سرعان ما تم انتهاك هذه القواعد إثر إطلاق حزب الله صواريخ كاتيوشا على الداخل الإسرائيلي ثأرا لقتل إسرائيل مدنيين لبنانيين، وهو ما استتبعه قيام إسرائيل بشن عملية «عناقيد الغضب» مستهدفة تقويض الدعم الشعبي لحزب الله. وقد انتهت العملية بمذبحة قانا التي أثارت كراهية كبيرة لإسرائيل.

مهارة حزب الله

بعيدا عن هذا الجانب، يشير المؤلف إلى أن حزب الله برهن على مهارته في التحرك في حدود القواعد، الأمر الذي كان مدعاة لإحباط الجنود الإسرائيليين، حيث إنه كثيرا ما تبنى الجيش الإسرائيلي على مستوى يومي سياسة (اطلق النار أولا ثم وجه الأسئلة فيما بعد) الأمر الذي جعل الحياة اليومية مليئة بالمخاطر لمن يعيشون في إطار المنطقة الأمنية .

حيث كان المدنيون يقتلون بانتظام عن طريق الخطأ وبأعداد تراكمية أكثر من القتلى في المقاومة من قبل الجيش الإسرائيلي أو جيش لبنان الجنوبي، وقد بلغ مجموع من قتل من المدنيين في جنوب لبنان منذ الغزو الإسرائيلي عام 1982 وحتى الانسحاب منه في عام 2000 أكثر من 500 مدني لبناني.

وكان منطق إسرائيل في تلك العمليات هو معاقبة المدنيين اللبنانيين وبأسلوب غير متناسب مع عدم قدرة جيشها على منع الهجمات على جنوده، وعلى الإطلاق الثأري لصواريخ كاتيوشا على إسرائيل الأمر الذي أشعر تل أبيب بعبء الاحتلال، وأدى إلى البحث العملي في خيار الانسحاب.

يعرض المؤلف لتطورات هذه القضية على الجانب الإسرائيلي ووصول باراك إلى الحكم عام 1999 ووعده في حملته الانتخابية بالانسحاب من لبنان في غضون سنة من توليه منصبه، إما من خلال مفاوضات ثنائية مع سوريا أو أحاديا، وقد فرضت الظروف الخيار الثاني إثر فشل لقاء جنيف بين كلينتون والأسد.

كما في الحرب، فإن دوره برز في السلم كذلك، فلقد سادت مخاوف من وقوع فوضى وأعمال قتل وهجمات انتقامية إثر الانسحاب، غير أن حسن نصر الله بسبب تحليله الواضح وتأكيداته الهادئة على استعدادات حزب الله اليقظة لعواقب الانسحاب، أكد على أنه لن يكون ثمة مجال لهذه الاحتمالات.

ويشير المؤلف إلى أن حزب الله رغم الانسحاب الإسرائيلي أصر على مواصلة خيار استمرار المقاومة وكانت مزارع شبعا هي القضية التي اتخذها الحزب مبرراً لاستمرار عملياته ضد إسرائيل، وهى أرض محل جدل حيث تقع في مرتفعات الجولان ويعلن لبنان ملكيتها ما كان يعني وفقا للحزب أن الانسحاب الإسرائيلي لم يكتمل.

ورغم ذلك فمن التناول الذي يقدمه لنا المؤلف تبدو لنا محورية خطوة الانسحاب في الهدوء النسبي الذي شهدته الجبهة اللبنانية الإسرائيلية، حيث انه خلال الفترة من الانسحاب عام 2000 وحتى اندلاع حرب الصيف الماضي يوليو 2006 قتل مدني إسرائيلي واحد بأسلحة حزب الله وقتل خمسة آخرون في عملية فلسطينية يقال إنها تمت بمساعدة حزب الله.

كما قتل تسعة جنود آخرون في صدامات على الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة بعد الانسحاب الإسرائيلي في عمليات ثأرية لمقتل أفراد لبنانيين بواسطة الإسرائيليين. وبشكل عام ووفق ما يورده المؤلف فقد بلغ مجموع القتلى الإسرائيليين طوال السنوات الست 17 قتيلا بينما كان نحو 25 جنديا إسرائيليا يلقون مصرعهم سنويا أثناء احتلال الجنوب اللبناني.

تشجيع المقاومة الفلسطينية

فيما يشير إلى اتساع نطاق تأثير حزب الله وتجاوزه عمليات المقاومة في الجنوب، يشير المؤلف إلى تطورات ما بعد الانسحاب الإسرائيلي، حيث تلاه اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلة سبتمبر 2000، وكان من الواضح أن نجاح حزب الله المذهل قد ألهم بشكل جزئي الفلسطينيين، حيث كانت أعلام حزب الله ترفرف عامي 2001 و2002 عل مخيمات كثيرة في الضفة وغزة.

ويقرر المؤلف أن الحزب لعب دورا في تدريب الكوادر الفلسطينية المعادية لإسرائيل كما لعب دورا ثانويا في تزويدهم بالسلاح ومن بين ذلك شحنة الأسلحة على السفينة كارين - 1 والتي كان بها على ما يذكر المؤلف ملاح من حزب الله واعترضتها إسرائيل في يناير 2002، وهى القضية التي لم يتم التوصل إلى تحديد أطرافها بشكل دقيق ومن الصعب الحسم فيها بشكل كامل.

لقد شجعت هذه العملية بوش على تضمين إيران ضمن محور الشر، وفيما عدا ذلك حرص نصر الله على التأكيد على أن تحرير فلسطين هو مهمة الفلسطينيين، مثلما أن تحرير الجولان هو مهمة السوريين، وعلى الرغم من هذا كان مستوى ما يصفه المؤلف بالتحريض من قبل الحزب عاليا جدا من خلال قناة المنار التي استقطبت نسبة مشاهدة عالية من قبل الفلسطينيين. وهو أمر لا يجد المرء أي غبار بشأنه في ضوء مناصرة شعب يخضع لاحتلال من قبل دولة تمارس معه أبشع الأساليب في ضوء غياب المجتمع الدولي وعدم تدخله على النحو الذي يكفل إعادة الأوضاع إلى طبيعتها.

مزارع شبعا المقاومة

في إطار استعراضه للأجواء الممهدة للحرب، يشير المؤلف إلى أن الحفاوة العارمة لجميع اللبنانيين بانسحاب إسرائيل عام 2000 بدأت تخفت في غضون العامين التاليين خاصة خارج المناطق التي كانت محتلة، حيث كان الناس لا يزالون يذهبون في رحلات إلى بلدة الخيام التي تقع على بعد ميلين شمالي بلدة المطلة الإسرائيلية، حيث كانوا يقومون بزيارة المعتقل الإسرائيلي سيئ الصيت الذي استخدم خلال فترة الاحتلال.

وقد كان المعتقل الذي كان الانتداب الفرنسي أقامه كثكنات عسكرية قبل استقلال سوريا ولبنان سجنا بشعا تعيسا وحتى قصف إسرائيل له في صيف 2006 كان قد احتفظ به كما كان يوم 24 مايو يوم الانسحاب الإسرائيلي حينما فر حراسه أعضاء ميليشيا جيش لبنان الجنوبي العميل لإسرائيل.

رحلت إسرائيل، ولم يكن لدى غالبية اللبنانيين الرغبة في أن يقاتلوا نيابة عن الآخرين ولخمسة أعوام متتالية كانت الحكومة ترعى في يوم 25 مايو من كل عام احتفالا بذكرى تحرير الجنوب لكنها توقفت عن ذلك عام 2006.

ويشير المؤلف إلى أنه في صيف 2000 وقبل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية وقبل أن يبدأ حزب الله حملته ضد القوات الإسرائيلية القليلة المتبقية بمزارع شبعا، كان حسن نصر الله محل حفاوة إقليمية وحتى دولية وصلت إلى حد أن كوفي عنان بادر بزيارة له، وحسبما يذكر المؤلف فقد كان للأمر الذي أصدره بأسر ثلاثة جنود إسرائيليين في مزارع شبعا منطقا واضحا.

ومثل إسرائيل التي كانت اختطفت مقاتلين من أبناء الجنوب لاستخدامهم أوراق مساومة حصل حزب الله على أوراقه الخاصة للمساومة، وقد استغلت تلك الأوراق لأقصى درجة، حينما عقدت صفقة بمساعدة ألمانية لمبادلة ثلاث جثث لجنود ومعهم ضابط متقاعد كان قد تم إغواؤه للذهاب إلى بيروت في ظروف غامضة حيث أسر هناك.

وقد أطلقت إسرائيل، كما أشرنا، بمقتضى هذه الصفقة سراح 423 أسيراً بينهم 23 لبنانيا والباقي فلسطينيون. لقد كان تبادل الأسرى لحظة انتصار ظهرت نتائجها في انتصارات حزب الله الكاسحة في انتخابات البلدية عام 2004.

ورغم ما يشير إليه المؤلف من حقيقة هدوء الوضع على الحدود خلال السنوات الست التي تلت انسحاب إسرائيل من لبنان في ربيع عام 2000 وهو ما قلب تنبؤات خبراء كثيرين بأن انسحاب إسرائيل سيترك فراغا يحتمل أن تملأه المذابح، إلا أنه يشير إلى أن المناوشات التي كانت تحدث أحيانا في شبعا غطت إلى حد ما على هذا الهدوء.

وخلال هذه السنوات الست من الاستقرار النسبي قتل تسعة جنود إسرائيليين في مزارع شبعا، وقتل ثمانية جنود إسرائيليين على الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة بعد انسحاب إسرائيل بعضهم على الأرض اللبنانية وآخرون على الأراضي الإسرائيلية، أي أن مجموع ما فقدته إسرائيل من الجنود طوال السنوات الست كان 17 جنديا مقارنة بحوالي 25 جنديا كانت تفقدهم سنويا أثناء الاحتلال.

كان مجمل دروس تلك المرحلة اقتناع قيادات الحزب بالإجماع وكذلك غالبية مؤيديه بأن بسالتهم في أعمال القتال التي بدت في عمليات المقاومة وكذلك تمكنهم من امتلاك قدرة لا بأس بها من خلال الترسانة العسكرية التي حصلوا عليها قد نجحا في ردع إسرائيل عن اجتياح لبنان مرة أخرى وعن قصف لبنان، كما كانت تفعل دائما في الماضي، إلا أنه في يوليو 2006 اكتشف حزب الله أن هذا الرادع لم يكن مخيفا بالدرجة التي تخيلها.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق