أفغانستان ليست العراق، وكابول ليست بغداد. لا يوجد في أفغانستان صراع شيعي ـ سني. لم يهرب ملايين الأفغان من بلادهم خلال السنوات الثلاث الماضية خوفا على حياتهم. ولم يصل عدد الذين يُقتلون شهريا هناك إلى خانة الألوف مثلما هو الحال في بلاد أخرى.

غير أننا نعلم أن الحرب ضد المسلحين في أفغانستان لم تُحسم بعد. فلا يزال الجنود البريطانيون يقتلون في ولاية هلمند. ونجا الرئيس الأفغاني قرضاي من أكثر من محاولة اغتيال على أيدي حركة طالبان. وبشكل فعلي يتبين أن حركة طالبان اليوم هي أقوى بكثير مما كانت عليه بعد أن تم إسقاطها من السلطة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

هناك تفسيرات عديدة لهذا الأمر. غير أن أهم هذه الأسباب تقريبا هي أنه عندما يشعر رجال طالبان أنهم يتعرضون لضغط كبير، فإنهم بالإضافة إلى زملائهم في تنظيم القاعدة، ينسحبون إلى المنطقة الوعرة الحدودية الواقعة بين باكستان وأفغانستان. تلك المناطق التي هي جزء من باكستان، لا تستطيع الحكومة الباكستانية فرض سيطرتها عليها ومن ثم فإن المسلحين يستطيعون الاسترخاء فيها وإعادة تنظيم أنفسهم وعتادهم واستقطاب عناصر جديدة. غير أن المشكلة في تلك المنطقة لا تقتصر على وعورتها.

فهناك اعتقاد قوي في واشنطن ولندن يشير إلى أن باكستان لا تريد استئصال جذور تنظيم القاعدة وحركة طالبان. وفيما نفى الرئيس الباكستاني هذه الاتهامات، فإنه من المعروف على نطاق واسع أن هناك عناصر في الجيش والاستخبارات الباكستانية إما أنها تساعد طالبان أو على الأقل تغض الطرف عنهم.

لا شك في أن لطالبان قيادتين تعملان من داخل باكستان ولا شك في أن الباكستانيين يمكنهم فعل ما هو أكثر ضد طالبان إذا أرادوا ذلك. غير أن بريطانيا وأميركا مخطئتان لأنهما لم تعرفا بعد لماذا لا تريد باكستان تدمير طالبان. الأمر ليست له علاقة بأي تعاطف مع الإرهاب أو إعجاب بتنظيم القاعدة، التي هي شبكة منفصلة تختلف عن حركة طالبان. فالأمر يرجع إلى مصالح قومية باكستانية يتجاهلها الغرب منذ وقت طويل.

النقطة الأولى التي يجب إدراكها في هذا الصدد هي أن الحدود الواقعة بين باكستان وأفغانستان لم تعترف بها أي من الحكومات المتعاقبة في أفغانستان وتظل نقطة خلاف كبيرة بين الدولتين. وفي ضوء أن قبائل البشتون والبلوش موجودة على امتداد الحدود، فإن الأمر يمثل إزعاجا كبيرا لإسلام آباد.

البشتون يمثلون المجموعة القبلية الرئيسية في أفغانستان، وقد قام أفرادها بحركات تمرد عديدة في المناطق الجنوبية من باكستان. غير أن القضية أكثر تعقيدا من ذلك بكثير ولها علاقة بالنزاع بين الهند وباكستان على كشمير وبالتالي فإنها مرتبطة بالعلاقات الأوسع نطاقا بين باكستان والهند. فأثناء الحرب الباردة، تحالف النظام الملكي في أفغانستان مع الاتحاد السوفييتي والهند في محاولة من أجل الحصول على أسلحة لاستخدامها ضد الباكستانيين الذين بدورهم كانت تؤيدهم الولايات المتحدة. وبدورهم كان الهنود سعداء لرؤية باكستان وهي تضعف بسبب انشغالها بالمشكلات الحدودية على حدودها الغربية.

وفي ضوء هذه الخلفية، رحب الباكستانيون ـ الذين هم دائما حساسون للغاية تجاه وحدة وسلامة أراضيهم- بقوات طالبان الذين هم أصوليون، وليسوا من القوميين البشتون، ومن ثم فإنهم لا يدّعون أي حق في الأراضي الباكستانية.

وكانت الأعوام الخمسة التي قضتها طالبان في السلطة هي الاستثناء الوحيد طوال 60 عاما من العلاقات السيئة بين باكستان وأفغانستان منذ عام 1948. وقد علّق المحلل الإقليمي بارنيت روبن على الوضع هناك بالقول: إن باكستان تنظر إلى حكم طالبان باعتباره حكما مقبولا للغاية. «فعدم استقرار أفغانستان»، حسب تعبير روبن، «هو ثاني أفضل الخيارات بالنسبة لباكستان بعد خيار أن تكون أفغانستان مستقرة ويحكمها أصدقاء لإسلام آباد».

إذا أرادت الولايات المتحدة وبريطانيا تعاونا أكبر من جانب باكستان فإنهما بحاجة إلى العمل مع المصالح الشخصية لباكستان. هذا الأمر يمكن تحقيقه عن طريق ثلاثة طرق. أولا، انه يتعين الضغط على قرضاي وحكومته حتى يعترفوا بالحدود الحالية مع باكستان. ثانيا، ينبغي تشجيع الهند على تقليص وجودها في أفغانستان. فقد فتحت الهند قنصليتين في قندهار وجلال آباد.

ويخشى الباكستانيون من أن يجري استخدام هاتين القنصليتين كقواعد يجري من خلالها تنفيذ أعمال سيئة ضدهم. ثالثا، يجب تشجيع مشرف على ممارسة سياسة طبيعية بشكل كبير في وزيرستان والمناطق الحدودية. ففي الوقت الحاضر، هناك حظر على إنشاء الأحزاب السياسية، الأمر الذي يتيح للمتشددين وحلفائهم مساحة أكبر يتحركون فيها من أجل كسب العقول والقلوب.

إن الانتصار في أفغانستان يعني هزيمة طالبان وتنظيم القاعدة في هلمند ويعني أيضاً كسب تأييد الشعب الأفغاني من خلال الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي. غير أن كل هذه الجهود يمكن أن تضيع إذا ظلت المنطقة الحدودية لباكستان آمنة لنشاط طالبان. مفتاح حل الأمر سيكون كسب التأييد الكلي لباكستان من أجل تهدئة المنطقة بأكملها. وهذا الأمر لن يتحقق من خلال التهديدات والنصائح. فهو أمر يحتاج إلى معالجة أكثر تطورا وتعقيدا يجري فيها الاعتراف بمخاوف ومصالح باكستان الشرعية. من خلال هذه الطريقة فقط يمكننا تحقيق تقدم حقيقي.

ترجمة: حاتم حسين- عن «إندبندنت»