جاء تقرير حالة السكان العالمي الصادر الشهر الماضي عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، ليكشف عن التأثيرات الهائلة للتضخم الحضري على مستوى العالم. فالتقرير يتناول حالة سكان العالم من خلال تعاظم التضخم الحضري عبر الكثير من مناطق العالم، وبشكلٍ خاص في الدول النامية في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

وفي هذا السياق يمكن القول إن التقرير يركز على حالة المدن عبر العالم، والكيفية التي تتضخم بها هذه المدن من ناحية، وتزداد أعداد ساكنيها من ناحية أخرى. فلم تعد المدن حالة عابرة في مسيرة التطور الإنساني والحضاري، بقدر ما فرضت نفسها كنمط حياة لآلاف الملايين من البشر.

الأمر الذي يمكن معه القول إننا لا نستطيع أن نحيا بدون مدن، فأينما ذهبنا وانتقلنا وسافرنا وهاجرنا تحيط بنا المدن في كافة أرجاء المعمورة. بل إن العديد من الظواهر الإنسانية الحديثة، مثل العولمة وثورة المعلومات والاتصالات والسفر والترحال والسياحة والاستهلاك على نطاق غير مسبوق، لم يكن لها أن تتم بدون الحياة في المدن والسكن فيها.

يؤكد التقرير من بداية صفحاته الأولى على ارتباط السكان بالمدن وازدياد معيشتهم فيها. فلأول مرة في التاريخ سوف يعيش أكثر من نصف سكان العالم بحلول عام 2008 في مناطق حضرية بما يعادل 3,3 مليارات نسمة. وهو رقم ضخم لم يحدث في أية فترة تاريخية سابقة من تاريخ التطور الحضاري والإنساني. ويكشف التقرير أيضاً أنه بحلول عام 2030 سوف يصل عدد سكان الحضر إلى 5 مليارات من السكان، العديد منهم سوف يكون من الفقراء، وفي المقابل سوف يقل عدد سكان الريف بما قيمته 28 مليون فيما بين عامي 2005 و2030.

كما يبين أن سكان العالم الحضريين قد زادوا من 220 مليون نسمة إلى 8,2 مليار نسمة خلال القرن العشرين، وهو ما يؤكد أن العقود القليلة القادمة سوف تشهد أيضاً نمواً حضرياً غير مسبوق، وبشكلٍ أساسي في الدول النامية والفقيرة على السواء.

العامل الأهم

إن أكثر الزيادة الحضرية الحادثة الآن تقع في كل من آسيا وإفريقيا، حيث ستتضاعف أعداد السكان الحضريين فيهما فيما بين عامي 2000 ـ 2030. وبحلول عام 2030 فإن المدن والضواحي في العالم النامي سوف تشكل ما نسبته 81% من نسبة التحضر الإنساني. وهذا ما يلقي أعباءً هائلة على الدول النامية في تلافي المصاعب الناجمة عن الإفراط في التضخم الحضري ومستويات التدهور المرتبطة به بشريا وبيئيا ومكانيا.

إن خطورة نمو المدن لا تكمن فقط في اتساعاتها العمرانية والمكانية بقدر ما تكمن في ازدياد أعداد قاطنيها من ناحية والظروف الحياتية المحيطة بهم من ناحية أخرى. وهو الأمر الذي يؤكد عليه التقرير ويمنحه مساحة كبيرة من فصوله الستة. فالتقرير لا يركز على المدن في حد ذاتها بقدر ما يركز عليها بوصفها الحاضنة المعاصرة لمليارات البشر، وبشكلٍ خاص الفقراء منهم.

فالمدن في الكثير من دول العالم أصبحت الملاذ للكثيرين من المهاجرين من أجل البحث عن فرص حياتية جديدة، وهو الأمر الذي يلقي بتبعات كثيرة وهائلة تفوق إمكانيات تلك المدن، الأمر الذي يؤدي للمزيد من الفقر والإفقار، وانضمام الملايين من جيوش الفقراء المتراكمة في الكثير من دول العالم النامي.

ومن اللافت للنظر أن التقرير يرى أن مستقبل العديد من الدول النامية، بل ومستقبل البشرية ذاته، سوف يتحدد من خلال القرارات المختلفة التي سوف يتم اتخاذها في مجال إصلاح المدن وتطويرها والتخفيف من حدة التضخم الحضري. فإصلاح المدن والبحث عن حلول جذرية ومستدامة لأوضاع قاطنيها يعني تحسين ظروف المليارات من البشر، الفقراء منهم بالأساس.

ويرى صندوق التنمية التابع للأمم المتحدة أن نمو المدن سوف يكون أكثر العوامل تأثيراً في التنمية في القرن الواحد والعشرين. فلأول مرة تصبح المدن واحدة من أهم المحددات الأكثر تأثيراً في صناعة التقدم والنمو والتطور. وهو الأمر الذي يفرض على المؤسسات التنموية، الدولية والمحلية على السواء، أن تضع حالة المدن والتضخم الحضري في اعتبارها عند تناولها لأية خطط تنموية حالية أو مستقبلية على السواء.

ورغم الجوانب الكثيرة السلبية المرتبطة بأوضاع المدن في العالم بعامة وفي العالم النامي بخاصة، فإن المدن تمثل بوابة الأمل بالنسبة لجيوش العاطلين والباحثين عن فرص عمل جديدة. فلا يمكن أولاً تحقيق النمو والتطور والتحديث بدون مدن. كما أنه، ورغم ما تقوم به المدن من توسيع دائرة الفقر وتركيزه وتكثيفه، فإنها تمنحنا آمالاً جديدة للهرب من وطأة هذا الفقر ومحدداته الصارمة.

والتحدي الكبير الذي يواجه الحكومات في كافة دول العالم يكمن في الكيفية التي يمكن من خلالها تعظيم المزايا التي تقدمها المدن بالنسبة لقاطنيها. وهو تحد يفرض على تلك الدول الانطلاق من مدخل لا يركز فقط على كيفية معالجة المشكلات الناجمة عن التضخم الحضري، بقدر ما ينطلق من مدخل احترازي وقائي يهيأ للمدن شروط عمل جيدة وخدمات ممتازة تجنبها الوقوع في براثن التضخم الحضري ومشكلاته الجهنمية المتشابكة والمعقدة التي يدفع ثمنها في النهاية كافة سكان المدن.

تاريخ التطور الحضري

لا يصل بنا التقرير إلى أوضاع سكان العالم في ارتباطهم بالمدن بدون أن يربط ذلك بالتطورات التاريخية المختلفة التي مرت بها المدن، منذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حتى القرن العشرين الذي يمكن اعتباره قرن ازدهار وانتشار المدن بامتياز. فالتناول التاريخي لنشأة المدن يبدأ بالموجة الأولى للتحضر في الفترة من 1750 إلى 1950 في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية، والثورة الصناعية التي أدت إلى ظهور عدة ملايين من سكان الحضر.

لقد ارتبطت الموجة الأولى بالتصنيع الذي أدى إلى تصاعد الهجرات من الريف إلى المدن من أجل الحصول على فرص العمل الجديدة التي وفرتها هذه المدن. وطوال هذين القرنين لم يعرف العالم تلك النوعية من التحضر الهائل التي شهدها في القرن العشرين، فقد كانت المراكز الحضرية محددة ومحصورة في بعض الدول الأوروبية مثل إنجلترا وفرنسا، إضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية.

أما موجة التحضر الثانية والهائلة والضخمة فقد ظهرت منذ منتصف القرن العشرين وحتى نهايته، وهى المرحلة التي شهد العالم من خلالها نمواً حضريا لم يُعرف له مثيل منذ بدء التاريخ، إلى الحد الذي يمكن معه القول بأن القرن العشرين هو قرن التوسع الهائل وغير المسبوق في نشأة المدن وما يرتبط بها من خدمات مختلفة. ولعل أهم ما يميز تلك المرحلة أن ما شهدته من تحضر طوال عقدين من الزمان يفوق بدرجة كبيرة جداً ما شهده العالم من تحضر خلال قرنين من الزمان.

وتعود تلك الزيادة الهائلة في نسب التضخم الحضري ونشأة المدن إلى التحضر الهائل الذي انتاب الدول النامية. ففي مرحلة ما بعد الاستقلال، ورغم وجود بعض المدن القليلة العدد الناجمة عن الحقبة الاستعمارية، فإن معظم الدول النامية قد شهدت ظهور العديد من المدن الجديدة، إضافة إلى التوسع الهائل في مدن المرحلة الاستعمارية.

لقد كان ظهور المدن الجديدة في الدول النامية جزءاً من محاولات تلك الدول خلق أشكال ورموز وطنية جديدة تتجاوز بها المرحلة الاستعمارية من ناحية، وجزءاً من حالة التوسع التنموي الهائلة التي شهدتها تلك الدول من ناحية أخرى. فاللافت للنظر أن العديد من هذه الدول قد استهل حقبة ما بعد الاستعمار بالتحول السريع في بناء المدن والمستلزمات المرتبطة بها مثل بناء محطات المياه، والصرف الصحي، والطرق، والخدمات التجارية والإنتاجية.

وكلما توسعت حكومات تلك الدول النامية في هذه الخدمات توسعت المدن أيضاً وزادت أعداد سكانها بدرجة كبيرة وضاغطة على الخدمات المتوفرة. ويمكن القول هنا بأنه بينما كانت المرحلة الأولى المرتبطة بنشأة المدن وتوسعها غربية خالصة، فقد كانت المرحلة الثانية مرتبطة بالعديد من الدول النامية في كل من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

فقد ارتفعت نسبة التحضر في أمريكا اللاتينية والكاريبي في عام 2005، حيث كان ما نسبته 77% من السكان يعيشون في مناطق حضرية، كما يشكل سكان المناطق الحضرية في كل من الهند والصين 37% من إجمالي سكان العالم.

ولا يقف التقرير فقط عند تلك الخبرات التاريخية التي مرت بها المدن في العالم، لكنه يتعدى ذلك لمحاولة تصنيف المدن ذاتها من حيث الحجم والتأثير والأهمية والدور.

فالتقرير يرصد نوعين من المدن الأكثر انتشاراً الآن: أولاهما ما يطلق عليه «الميجا سيتي» أى «المدن العملاقة» التي يتجاوز عدد سكانها 10 ملايين نسمة مثل بوينس أيرس، كالكوتا، مكسيكو سيتي، ساو باولو. ويكشف التقرير أن ما نسبته 4% من سكان العالم الآن يعيشون في هذه النوعية من المدن، بينما يعيش 9% من سكان المناطق الحضرية فيها.

وثاني هذه المدن هو ما يُطلق عليه التقرير «المدن الصغيرة»، وهو النوع الأكثر انتشارا مقارنة بالمدن العملاقة. يكشف التقرير أن ما نسبته 52% من سكان المناطق الحضرية في العالم يعيشون في مثل هذه النوعية من المدن، التي غالباً ما يقل عدد سكانها عن 000, 500 نسمة. ويكشف ذلك عن استيعاب تلك المدن الصغيرة لنسبة كبيرة من سكان العالم الحضريين مقارنة بما تستوعبه المدن العملاقة.

المدن والعشوائيات

يعرض التقرير لجوانب كثيرة تتعلق بالكيفية التي تتضخم بها المدن في كافة أرجاء العالم من ناحية، والمشكلات المرتبطة بذلك التضخم من ناحية أخرى. ورغم التأثيرات الهائلة للهجرة في تضخم المدن وزيادة الأعباء الملقاة على عاتقها، فإن التقرير يرى أن الزيادة الطبيعية للسكان، والتي تعني زيادة نسبة المواليد على الوفيات، تلعب الدور الأكبر والأكثر تأثيراً في تضخم المدن، والمشكلات المرتبطة بها.

من هنا فإن التقرير يؤكد على ضرورة العمل على تنظيم الزيادة الطبيعية والحد من زيادة المواليد في معظم الدول التي تعاني من زيادة التضخم الحضري، وبشكلٍ خاص في الدول النامية التي تشهد معدلات عالية ومستمرة من المواليد. وتنبع أهمية التركيز على الحد من الزيادة السكانية من كونها العامل الرئيس في تصاعد الهجرات التي تتم في معظم الدول النامية من المناطق الفقيرة إلى المناطق الحضرية. من هنا يصبح الحد من الزيادة الطبيعية والعمل على تنظيمها الآلية غير المباشرة للحد من تأثير الهجرات الداخلية بالأساس.

ولا تؤدي زيادة السكان إلى التضخم الحضري فقط، لكنها تؤدي إلى ظهور العديد من المشكلات التي يصعب حلها والتعامل معها فيما بعد. ومن أبرز الظواهر المرتبطة بالزيادة السكانية والتضخم الحضري ظهور العشوائيات بشكلٍ غير مسبوق في معظم الدول النامية، إلى الحد الذي يجعل من هذه العشوائيات أحزمة فقر ملاصقة ومحيطة بالمدن والأحياء الراقية، مع ما يرتبط بذلك من مشكلات اجتماعية وطبقية يمكن أن تؤدي لحدوث صراعات اجتماعية حادة ومُدمرة للنسيج الاجتماعي لهذه الدول.

والعشوائيات ليست ظاهرة عابرة مؤقتة يمكن حلها بقدر كبير من السهولة واليسر؛ فالتقديرات تشير إلى أن ثلث سكان المدن والمناطق الحضرية في العالم يعيشون في عشوائيات لا تتضمن الحدود الدنيا للمعيشة الإنسانية، وهذا العدد يشتمل على سدس سكان العالم. كما أن أكثر من 90% من سكان العشوائيات في العالم يعيشون في الدول النامية، حيث تشمل جنوب آسيا على أعلى نصيب منها، يليها غرب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية. وتشتمل الهند والصين على 37% من سكان المناطق العشوائية في العالم.

واللافت للنظر هنا أن ارتفاع نسبة التحضر وزيادة أعداد المدن في الدول النامية، غالباً ما يأتي مصحوباً بارتفاع أعداد الهامشيين الذين يدفعهم الأمل للعيش على تخوم المدن أو داخلها من أجل الحصول على فرص حياتية جديدة. ففي مدينة القاهرة، التي ارتفع عدد سكانها من 4 ,6 ملايين نسمة عام 1975 إلى 11 مليون نسمة عام 2005، يوجد عدد كبير من العشوائيات التي تنعدم فيها فرص الحياة المعيشية للسكان. وتشير الإحصائيات إلى وجود 1221 منطقة عشوائية في مصر تأوي ما بين 12 إلى 15 مليون نسمة من إجمالي عدد السكان البالغ 77 مليون نسمة، حيث يوجد في مدينة القاهرة وحدها 67 منطقة عشوائية.

التضخم الحضري

رغم أن سكان العشوائيات يعانون أكثر من غيرهم من سكان المدن قياساً لضعف الفرص المتاحة أمامهم وضعف مستوى معيشتهم، إلا أن التقرير يكشف عن التردي الهائل لمستوى معيشة سكان المدن بشكلٍ عام في الدول النامية. فرغم ما تمنحه المدن لساكنيها قياساً لسكان المناطق الريفية إلا أن الزيادة السكانية المتواصلة وتأثيرات الهجرة المتراكمة تؤديان إلى الضغوط المتواصلة على المدن وتقليل الفرص المتاحة أمام قاطنيها.

إضافة إلى ذلك فإن مدن الدول النامية لم تكن مخططة بالأساس من أجل استيعاب هذه الأعداد الهائلة من السكان الأمر الذي يفضي في الكثير من الأحوال إلى تحويل تلك المدن إلى مناطق عشوائية مشوهة لا تفي باحتياجات سكانها من فرص العمل والصحة والتعليم والنقاء البيئي.

ومن أهم الجوانب التي يركز عليها التقرير شيوع ما يُطلق عليه «الفقر الحضري». ولا يعني الفقر الحضري التدهور المكاني للمدينة فقط، لكنه يعني تدهور كافة الظواهر والجوانب المختلفة المرتبطة بها من ظروف معيشة وبيئية وصحية ومياه نقية وصرف صحي وخدمات طرق وانتقال وفرص عمل وجريمة... إلخ من الخدمات المختلفة المرتبطة بالمدينة.

فالضغوط المتواصلة على المدن تؤدي إلى ضعف الخدمات المرتبطة بتوافر المساكن الصحية المناسبة للسكن الآدمي. ويؤكد التقرير على تسارع الأمراض المختلفة في المدن في ظل تلك الظروف المعيشة السيئة؛ ففي المدينة تنتشر أمراض الدم المختلفة ومرض نقص المناعة المعروف باسم الإيدز. ولا يقف التقرير فقط عند الأمراض الصحية المرتبطة بجسم الإنسان، لكنه يتعداها إلى شيوع الأمراض الاجتماعية الأكثر انتشاراً في المدينة، مثل ارتفاع معدلات الجريمة والدعارة وزيادة العنف وعدم الإحساس بالأمان قياساً للمناطق الريفية.

كما أن النمو الحضري يؤدي إلى التأثير على الأفكار والقيم والمعتقدات والتغيرات الثقافية الحادة، الأمر الذي يغير من هيكل المدن في الدول النامية ويُعقد من حدة هذه التحولات وتأثيراتها السلبية. فرغم ما تقدمه المدينة من تطور وتحديث إلا أنها، ومن خلال هذا التحولات الحضرية الحادة، تتسبب في التغيرات القيمة والنفسية العميقة لقاطنيها مع ما ينجم عن ذلك من توترات وصراعات مجتمعية عديدة.

ويلفت التقرير النظر لظاهرة الإحياء الديني التي ارتبطت بالعديد من المدن في العالم النامي، سواء أكان إحياء إسلاميا أو مسيحيا. فاللافت للنظر هنا أن المدينة في تحولاتها الحادة في الدول النامية، لم تستطع أن تقدم تصوراً قيميا واضحاً لسكانها بقدر ما قدمت نماذج مشوهة تشتمل على خليط مركب ومعقد مما هو محلي وما هو عالمي، الأمر الذي فاق قدرات فهم ووعى المواطنين العاديين، وبشكلٍ خاص الفقراء منهم.

ورغم أن معظم سكان المدن، وبشكلٍ خاص الفقراء منهم، يدفعون ثمناً باهظاً لتردي الأحوال المعيشة الحضرية، فإن التقرير يركز بشكلٍ خاص على الفئات الأكثر تأثراً مثل النساء والأطفال والشباب وكبار السن. والقاسم المشترك بين كل هذه الفئات هو سيادة الفقر الحضري وتأثيراته السلبية عليهم.

فالمرأة في المناطق الحضرية تعاني تمييزاً حاداً ضدها يتمثل في الزواج المبكر والحمل المبكر، والعمل المنزلي، وضعف التعليم، والعنف المجتمعي، والتحرشات والانتهاكات الجنسية، إضافة إلى ندرة فرص العمل المتاحة لها. كما أن النساء تقل حظوظهن في الملكية الخاصة بهن، وهو الأمر الذي يقلل من إمكان اعتماد المرأة على نفسها في العمل الخاص بها، بعيداً عن التمايزات المجتمعية والحادة التي يفرضها المجتمع عليها تشريعيا وقانونيا وعرفيا.

وفي هذا السياق يؤكد التقرير على أهمية التعديلات القانونية والتشريعية التي تصب في صالح المرأة وتدعيم إمكانية ملكيتها للثروات والحقوق العامة، كما يشدد على ضرورة تمكين المرأة مجتمعيا والعمل على مساعدتها من أجل تحسين ظروفها الحياتية ومواجهة الفقر. فالمدينة بما لها من أطر تحديثية وتنموية متواصلة يمكنها أن تتجاوز تصورات ورؤى وأعراف المناطق الريفية الراكدة في تحسين ظروف المرأة الحياتية وتمكينها مجتمعيا. ولعل ذلك من الجوانب الإيجابية التي تتسم بها المدن، رغم ما يرتبط بها من ظروف فقر واسعة النطاق، من حيث تقديم أطر تحديثية جديدة مواكبة للعصر تتجاوز بها تلك الأطر الريفية التقيلدية الراسخة.

ويرى التقرير أن الشباب في الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاماً هم أكثر من يرتكبون الجرائم المنتشرة في المدن، كما أنهم أكثر الفئات المجتمعية عرضة لها. ويكشف التقرير أنه بحلول عام 2030 سوف يكون ما نسبته 60% من كل سكان المناطق الحضرية في العالم تحت سن الثامنة عشر، وإذا لم تتخذ أية إجراءات حاسمة وسريعة لمواجهة احتياجات هؤلاء الشباب الحضرية، فسوف ينشأ هؤلاء الشباب في بيئات فقيرة غير مهيأة للمعيشة الإنسانية، مع ما يترتب على ذلك من زيادة نسبة الفقر وارتفاع نسب الجريمة بكافة أشكالها وأنواعها.

وكما يؤكد على التقرير على دور المدن في تمكين المرأة وتحسين ظروفها الحياتية، فإنه يؤكد أيضاً على ضرورة تحسين الظروف المحيطة بالشباب وصغار السن. ومن الجوانب الجيدة التي يعرض لها التقرير تأكيده على ضرورة إدماج الأجيال الجديدة في اتخاذ القرارات الحياتية المختلفة التي تمس واقعهم المعيشي وتتعلق بعهم. فمن غير المناسب أن يخطط الكبار من أجل الشباب بدون أن يضعوا وجهات نظرهم وآراءهم في الحسبان.

وهو النهج نفسه الذي يتبناه التقرير ويؤكد عليه بالنسبة لمكافحة الفقر في المدن والمناطق الهامشية والعشوائية الملاصقة لها. وأهمية هذا النهج أنه يتلافى تلك النظرة الفوقية التي يفرضها المخطط الذي يتصور أنه يعمل من أجل الجماهير والفقراء، بينما لا يشركهم في اتخاذ القرارات المتعلقة بمصالحهم وبأحوالهم الحياتية المباشرة.

مشكلات الفقر الحضري

ينطلق التقرير في تحسين ظروف الفقر الحضري التي تواجه آلاف الملايين من فقراء المدن في العالم النامي، من تصور يؤكد على ضرورة إشراكهم في تحسين ظروفهم الحياتية. وفي هذا السياق يرى التقرير وجوب مساعدة الفقراء لكي يتكاملوا في نسيج المجتمع الحضري ولا ينفصلون عنه.

إن تكامل الفقراء في نسيج هذا المجتمع الحضري ينفي عنهم صفة التهميش من ناحية، ويدفعهم إلى المشاركة الحقيقية والفعلية من أجل تحسين ظروف حياتهم، والعمل سويا مع المؤسسات الرسمية والمدنية، المحلية والدولية، من أجل تخفيف حدة الفقر الذي يواجههم من ناحية أخرى.

وفي هذا السياق يرى التقرير ضرورة العمل على التأمين المادي والنفسي والمعنوي لسكان المدن، من خلال منحهم قطعة أرض تتناسب ومتطلباتهم الحياتية مشمولة بتوافر المرافق والخدمات المختلفة، مثل المياه والصرف الصحي والكهرباء ووسائل المواصلات المناسبة. لقد ثبت من خلال العديد من الحالات والتجارب في الدول النامية في كافة أرجاء العالم أن توفير الأمان المعيشي لسكان المدن، الفقراء منهم على وجه الخصوص، من خلال إحساسهم بملكية قطعة مناسبة من الأرض، يلعب دوراً كبيراً في ارتباطهم بالمجتمع المحيط بهم، والرغبة في تحسين أوضاعهم والمثابرة من أجل تحقيق ذلك.

فمن الضروري أن يشعر سكان المناطق العشوائية وفقراء الحضر بالأمان بالنسبة لما يملكونه من أراض، حيث أثبتت الدراسات أن السكان الذين حصلوا على صكوك ملكية رسمية لما يملكونه من أراض طوروا ما يملكونه وسعوا لتحسين منازلهم والظروف المحيطة بها.

والمسألة الجوهرية التي يؤكد عليها التقرير أن المشكلة الرئيسة التي تواجه فقراء الحضر لا تكمن في نقص الأراضي، وإنما في سوء التوزيع. ويرى التقرير أنه من الضروري وضع سياسات جديدة تتوخى عدالة توزيع الأراضي لمستحقيها بأسعار ملائمة لظروفهم الاجتماعية، إضافة إلى ضرورة توفير الخدمات المختلفة لهذه الأراضي.

إن الاستخدام الاجتماعي والمستدام للمساحات المتوافرة مسألة على قدر كبير من الأهمية، يجب أن تتعاون الجهات الرسمية الحكومية والمدنية الأهلية إضافة إلى المؤسسات الدولية، في إنجاحها وتطويرها. فمسألة التوزيع العادل للأراضي وتخفيف حدة الفقر وتحسين الظروف البيئية المحيطة بالفقراء، كلها تستدعي تكاتف كافة المؤسسات والجهات الرسمية والمدنية من أجل خلق بيئة حضرية مواتية، تتيح للمدينة القيام بأعبائها ومهامها التحديثية التنويرية المختلفة.

عرض وتحليل: د. صالح سليمان عبد العظيم