تخطى ميغيل أنخيل موراتينوس سنته الثالثة في منصب وزير الخارجية الاسباني وسط عالم يميل، وهو أبعد ما يكون عن الاستقرار، باتجاه حالة متعاظمة وخطيرة من الاختلال في التوازنات. بيد أن موراتينوس يحافظ، مع ذلك، على روح مفعمة بالتفاؤل كما لو أن عملية تراكم التوترات نفسها ستصل إلى توفير الحلول المناسبة لها وتسريعها. وقبل أن يأخذ المسؤول الاسباني عطلة قصيرة في أغسطس، سيسافر إلى عدد من البلدان العربية الشرق أوسطية ومن بينها لبنان، حيث سيزور القوات الاسبانية العاملة هناك. كما سيزور الجزائر والمغرب، الجارين الجنوبيين اللذين يشوب علاقتهما شيء من الحاجة إلى مزيد من التفاهم. لكن مهمته الرئيسية تحمله دائما إلى بروكسل، حيث تم، مؤخرا، عقد المؤتمر الحكومي لبلدان الاتحاد الأوروبي، الذي ناقش قضية المعاهدة الجديدة للاتحاد. وفيما يلي نص الحوار:
ـ كيف تفسر للاسبان مسألة بقاء الدستور الأوروبي، على الرغم من أنه لم يبق سوى جانب ضئيل مما صوتوا له؟
ـ لأن 90% من مضمون ما نسميه قوام المعاهدة الدستورية موجود في معاهدة الاتحاد المستقبلية. صحيح أن الحزمة تغيرت، إلا أن المضمون لم يطرأ عليه أي تغيير.
ـ ألم يكن أمرا أساسيا أن يسمى دستورا يكرس القانون الاتحادي ويعطيه أسبقية على القانون الوطني وميثاق الحقوق الأساسية؟ ألم يذهب كل ذلك أدراج الرياح؟
ـ إن أسبقية القانون تبقى في ظل الإعلان. ولميثاق الحقوق طابع ترابطي وإذا قام المرء بمراجعة البنود واحدا تلو الآخر، فسيجد أن كل شيء موجود هناك. لكن يبقى موضوع الرموز. ومن نافلة القول إننا في اسبانيا سنحاول، عن طريق إعلان وطني، أو عندما نقدم مشروع القانون العضوي للإصلاح في الكونغرس، إدخال إشارة للرموز، التي لا نزال نعتبرها على جانب كبير من الأهمية. بذلك الشرط المزدوج، أعتقد أن المضمون والنتيجة النهائية مرضيان إلى حد كبير.
ـ لكن هل يمكن القول إن أوروبا تحرز تقدما؟
ـ أوروبا كانت دائما تحرز تقدما. ودائما كانت هناك لحظات الزخم والاندفاع تلك، ولحظات أخرى كان يتخللها نوع من التوقف والتأمل ومن ثم يأتي الزخم من جديد. وإذا نظرنا إلى ما يتأتى عن معاهدة الاتحاد هذه، لا سيما لجهة توسيع نطاق التصويت بغالبية مؤهلة إلى 50 ميدانا من ميادين المنافسة الجديدة، فسيتبين أن الاتحاد يتمتع بفعالية أكبر بكثير وبمقدرة أكبر على الاستجابة لتحديات القرن الـ 21. ولذلك إذا شوهدت آفاق العملية، فإني أعتقد أن ذلك يمثل تقدما وليس تراجعا.
ـ بولندا قالت إنها تريد تغيير الاتفاق.
ـ نعم، ولكننا أجرينا بعض المراجعات ويبدو أننا نمر بوضع هادئ.
ـ ماذا عن الإصلاحات؟ ذلك أن عددا من البلدان سيرغب بإجراء استفتاءات.
ـ ايرلندا هي البلد الوحيد المجبر على إجراء ذلك الاستفتاء وذلك لأسباب تتعلق بالدستور. أما البقية، فإني لا أعلم إذا كان هناك أحد سيقرر إجراءه في نهاية المطاف، لكن الروح الجماعية في هذه اللحظات تشير إلى عدم إجراء استفتاءات.
ـ ما الذي سيحدث في حال خروج كلمة (لا) جديدة؟
ـ من المنطقي أن ذلك سيضعنا في وضع صعب للغاية، لكني متفائل جدا وأعتقد أنه بمجرد كون الجميع على اقتناع سياسي أنه توصل إلى اتفاق جيد، فإن ما يحتاجه الاتحاد هو نسيان ذلك الجدل المتواصل حول ما هي عليه أوروبا وما ليست عليه وضرورة حصول ذلك للتفرغ لاحقا للعمل والحركة في عالم معقد جدا ومتقلب مثل عالم القرن الـ 21.
ـ هل من الحتمي أن تسير أوروبا بسرعتين سواء بالاتفاق أو بدونه؟
ـ لا. فالمعاهدة تساعد وتسمح بحصول نوع من التعاون القسري وهناك بلدان نريد استخدامها لإحراز تقدم على صعيد سياسات نعتبرها حيوية، على غرار سياسة الهجرة، رغم أنها لا تحظى بإجماع ولا اهتمام الجميع. لكني أعتقد أنه إذا سارت الأمور على خير مايرام، فإن الجميع يريد، في نهاية المطاف، المشاركة فيها. وهناك أمثلة من الماضي على سياسات ريادية، مثل تأشيرة (شينغن) واليورو، التي كانت سياسات مالية من حيث المبدأ.
ـ الاتحاد المتوسطي هو شكل من أشكال التعاون القسري أم أنه ذو سرعة مزدوجة أيضا؟
ـ لا. لا أعتقد أن الفكرة هي البدء بمجموعة هي موجودة أصلا وتنقلنا من العملية الأورومتوسطية إلى الاتحاد المتوسطي. فليس بوسعنا أن نترك خارجا كل البلدان الأوروبية المتبقية. عندما أطلقنا في عام 1995 عملية برشلونة، أسميناها عملية بسبب صعوبتها. لكن اللحظة أزفت لتوطيد العملية وتزويدها بالمؤسسات والأدوات اللازمة.
ـ الاتفاقات والتوافقات الجماعية،التي برز مثال عليها، مؤخرا، في رسالة الدعم التي وجهتموها إلى توني بلير حول الشرق الأوسط توجد وبسهولة احتكاكات مع المؤسسات الاتحادية.
ـ لا، لأني أقول إن التوجه الأخير يجب أن يكون أورو متوسطيا، على الرغم من أن ذلك لا يمنع أن بوسع بعض البلدان وبشكل مشروع الإشارة إلى موقفها بصراحة. ونحن الوزراء العشرة الذين تطل بلداننا على حوض المتوسط وتنتمي للاتحاد الأوروبي لم نلحق الضرر بأحد جراء تحديد وجهة معينة لا أعتقد أنها تثير الكثير من الخلافات من حولها. وأعتقد أن ذلك كان مجرد سوء تفاهم.
ـ كيف يمكن أن تمثل شخصية كشخصية توني بلير، اللاعب الأساسي في غزو العراق وفي أكاذيب الحرب، أملكم في تحقيق السلام في الشرق الأوسط؟
ـ لأني أعلم أن هدفه وهاجسه كانا دائما يتجسدان في إقامة دولة فلسطينية. وأنا أعلم ذلك من خلال اللقاءات المتعددة التي أجريتها معه بصفتي مبعوثا خاصا للاتحاد الأوروبي إلى الشرق الأوسط.
ـ سيرة توني بلير لا توحي إلا بأنه محاور مع الجانب الإسرائيلي على حساب الجانب الفلسطيني.
ـ إن محيط الرئيس الفلسطيني محمود عباس يكن احتراما كبيرا له، كما أنه يحظى باحترام كبير أيضاً من الجانب الإسرائيلي والأميركي. ومن نافلة القول إننا جميعا على اقتناع بأنه إذا لم تتمكن الأطراف المعنية من هنا ولغاية نهاية إدارة بوش من انجاز دولتين (واحدة فلسطينية والأخرى إسرائيلية)، فإننا سندخل آلية سلبية إلى الحد الأقصى ولا رجعة عنها.
ـ هل يبدو لك واقعيا أن نرى السلام حتى يناير 2009؟
ـ أعتقد أن ذلك ممكن، فالعالم بأكمله في انتظار ذلك الحل وأنا على اقتناع بأنه إذا توفر الحزم السياسي فإن هذه هي اللحظة المناسبة للتعبير عنه.
ـ أليس الوقت متأخرا قليلا. كيف سيتم تجاوز الانقسام الفلسطيني؟
ـ ربما كان التحدي أكبر في هذه الأيام، لكن ذلك لا يعني أن الحل مختلف. وإذا كنا نمر اليوم في هذا الوضع الأصعب والأعقد مما كان عليه قبل ثلاث سنوات، فربما يكون مرد ذلك لأنه قبل ثلاث سنوات لم يتخذوا القرارات المتعلقة بالدولتين التي تؤخذ اليوم على محمل الجد.
ـ هل تعتقد أن الدعم المالي والسياسي الذي تقدمه الولايات المتحدة للفلسطينيين المعتدلين سيكسب دعم غير المعتدلين منهم؟
ـ إذا كان هناك عرض جدي لحل يقوم على إقامة دولة فلسطينية، فإني أعتقد أن الشعب الفلسطيني سيتفاعل بصورة إيجابية مع ذلك العرض وسيسمح، كما هو منطقي، بحصول مصالحة بين الجماعات والتنظيمات المختلفة. وغالبية الفلسطينيين تراهن على ذلك العرض المقدم من قبل المجتمع الدولي.
ـ على الرغم من احتدام أزمة وتهديدات تنظيم (القاعدة)، إلا أن جارتي إسبانيا الجنوبيتين، الجزائر والمغرب، لا تزالان تتشاجران ولا تريان إمكانية أي حل لصراع الصحراء؟
ـ ما زلنا قلقين جدا حيال عدم تحقيق الوحدة المغاربية بصورة كاملة. وبذلنا الكثير من الجهود منذ أن وصلنا إلى الحكومة في محاولة حل مشكلة الصحراء الغربية، التي توتر العلاقات بين المغرب والجزائر. والحقيقة هي أننا نعزز تعاوننا مع كلا البلدين على حد سواء في موضوع الحرب ضد الإرهاب.
ـ هل أحدث وصول ساركوزي إلى الرئاسة في فرنسا أي تغيير في السياسية حيال المغرب؟
ـ إن زيارة الرئيس الفرنسي إلى اسبانيا والتعاون مع فرنسا شكل بالنسبة لي هدفا استراتيجيا أساسيا لمعالجة مشكلات شمال أفريقيا، وذلك يجعلنا أكثر تفاؤلا، لأنه أزفت لحظة تقاسم الأدوار بين فرنسا واسبانيا والوقوف إلى جانب الطرف الجزائري أو الطرف المغربي أمر بات من الماضي. وما ينقصنا اليوم هو العمل معا.
ترجمة: باسل أبو حمدة
عن «الباييس»
