إذا كانت الساحة الإفريقية النفطية حافلة بالأسئلة وعلامات الاستفهام التي تبحث ـ عبثاً ـ عن إجابات تلقي الضوء على أدغالها المظلمة، فإن الأمر يرتفع إلى مستوى الأعاجيب والألغاز في حالة ساو تومي، البلد النفطي الذي يواجه العصر بمدرسة واحدة تدار على خمس فترات ويحلم بجامعة يبدو أنها لن تتحقق في المستقبل القريب.

أما في تشاد فإن اللغز يدور حول الكيفية التي نجحت بها الاحتكارات الغربية في فرض قانون يحدد أدق تفاصيل الحياة الاقتصادية والإدارية التشادية، الأمر الذي انتهى بتمرد أبناء البلاد على هذا القانون الذي يحمل رقم 101 ودفع التشاديين إلى مد جسور التعاون مع الصين نكاية بالاحتكارات الغربية، ثم يأتي أخيراً اللغز الكبير المتعلق بالحديث الغربي المكرر عن يد الصين «الخفية» في إفريقيا بينما النشاط الاقتصادي والاستثماري الصيني يجري على رؤوس الأشهاد وفي وضح النهار. في سنة 1667 أصدر الشاعر الانجليزي جون ميلتون ملحمته الشهيرة بعنوان «الفردوس المفقود» ولأن مؤلف كتابنا سليل الثقافة الانجليزية حيث درس في جامعة اكسفورد، فقد عمد إلى استخدام اسم هذا القصيد الملحمي فاتخذه عنوانا لواحد من الفصول الختامية لكتابه وهو: الفردوس.. الموجود بيد أن المؤلف عمد إلى وضع علامة استفهام في آخر هذه التسمية.

وكأنما يدفعنا إلى أن نشاركه التساؤل الحائر حول مستقبل الأوضاع في قارة إفريقيا. ومن هنا جاز له ولنا أن نقول: هل حقا عثرنا على الفردوس؟ وهل أصبح الفردوس المنشود موجوداً؟ وفي كل حال فالكتاب يتناول بالحديث واقع ومستقبل الأحوال في بلد إفريقي صغير وان كانت المراهنات عليه قد بدأت ولعلها تتصاعد في مستقبل الأيام. ساو تومي وبرنسيبي جزيرتان بركانيتان تعدان من أصغر أقطار إفريقيا، ولم تكن أي منهما مأهولة بالبشر وقت قدوم المستعمرين اليها من البرتغال في عام 1470 للميلاد، وحتى اليوم لا يزيد عدد سكان تلك الدولة على 160 ألف نسمة، لدرجة يقول معها المؤلف في بلاغة لا تخفى: إنها واحدة من أجمل بقاع المعمورة حيث يكاد عدد شجر النخيل يفوق عدد البشر.

بعدها يوضح المؤلف كيف أن التربة البركانية بالغة الخصوبة في تلك المنطقة أتاحت إنتاج أفخر أنواع البن والكاكاو التي ازدهرت بفضلها تجارة المستعمر البرتغالي، الذي لم يتورع عن بناء حصون باذخة وقلاع فارهة وسط مزارع الكاكاو والبن وقد أطلقوا عليها اسم «الروكا» التي جاء بعضها أقرب إلى الحواضر الصغيرة الجميلة بل كان بعضها يفخر بإنشاء خطوطه المخصوصة من السكك الحديدية! لكن الأحوال ما لبثت أن تغيرت في ساوتومي وبرنسيبي.

كان ذلك مع الاستقلال عام 1975، وكان معناه أن غادر البرتغاليون بغير تمهيد ولا إعداد ولا سابق إنذار بعد أن شبعوا من خيرات المستعمرة ولم يجهزوا لها طريقا ان تحكم ذاتها أو تنعم باستقلالها. وكانت النتيجة أن هجر البشر مواقع الأمس الفاخرة العامرة فكان أن امتدت الغابات الاستوائية بغطائها الكثيف من نباتات الأدغال والأحراش إلى كل ما بناه البرتغاليون في سالف الأزمان.

بعدها تولت أمورها حكومة وطنية ـ لكن ماركسية الاتجاه وفاشلة الانجاز، ولم يعد للمنطقة من قيمة على مدار الربع الأخير من القرن الماضي سوى انها كانت تنتج أصنافا أفخر من أنواع الشوكولاته، وربما ظلت الأحوال على هذا المنوال إلى ان حلت أواخر القرن ومطالع القرن الجديد حين وفدت إلى الإدارة العليا بالولايات المتحدة عناصر المحافظين الجدد، وبعدها بدأت أحاديث وشائعات وطروحات وترويجات تجد طريقها إلى ميديا الإعلام الإلكتروني أو المطبوع وكلها تكاد تعزف نغمة واحدة تقول: ساوتومي وبرنسيبي أمل المستقبل حيث إنتاج البترول، ومن شأنها أن تدخل الحلبة منافسة لمنتجي النفط في الشرق الأوسط.

أحلام الثراء النفطي

يومها ـ يقول المؤلف ـ بدأ المحللون يتكلمون عن مليارات من براميل النفط التي تحتويها احتياطات المنطقة. وبعدها تدفقت جموع المضاربين والمغامرين من أجل الاستثمار في مستقبل الحقول البحرية (أوف شور) هناك. وما أسرع ما أنشأوا منطقة تنمية مشتركة على الحدود بين ساوتومي وجارتها نيجيريا. ولكن يبدو أن المؤلف لا تنطلي عليه مثل هذه التعميمات والترويجات، وهو يخصها بتمحيص دقيق.

يضيف المؤلف قائلا (ص 210): من محللي هذا الشأن البترولي من لا تزال تراوده شكوك إزاء هذا الطرح بشأن تحول ساو تومي إلى منتج واعد للبترول، وهؤلاء المحللون يذهبون إلى أن الأمر انطوى على مبالغة موغلة في تهويل الأمور، وان مصدرها في أميركا هو عناصر المحافظين الجدد الكارهين للعرب، والدليل على ذلك أن الصحافة الأميركية في عام 2002 صورت مستقبل ساوتومي وبرنسيبي تحت شعار أنها «العربية السعودية الجديدة».

ولكن الحقيقة - يضيف المؤلف - أن المسألة انطوت على احتمالات حفر بئر استكشافية وان الخبراء أفادوا بأن أمام ساو تومي نحواً من عشر سنوات قبل ان تصبح منتجا (حقيقيا) للبترول، هذا على فرض وجود بترول من الأساس. وقد ثبت ما ذهب إليه المحللون المتشككون من خلال الاستقبال الفاتر الذي قوبلت به التهليلات والتهويلات لمستقبل ساوتومي من جانب دوائر صناعة البترول العالمية.

في كل حال ـ يضيف المؤلف ـ إن المنطقة تحوي كميات من النفط، وربما يساعدها ذلك على ان تصبح من منتجيه في غضون سنوات. لكن الظاهرة التي رصدها المؤلف لدى زيارته لها كانت غريبة وفريدة في آن.

وهو يقول في هذا الصدد: أول ما يلاحظه الزائر أن ساوتومي وبرنسيبي لا تبدو أمامه جزءا من إفريقيا. لا توجد أطعمة إفريقية، لا موسيقى إفريقية، ولا أثر يلوح للأديان أو العقائد السائدة في إفريقيا، ملابس الناس، طراز العمارة، تقاليد المطبخ (المحلي) كلها أوروبية. أسماء الناس كلها برتغالية. مع استثناءات قليلة تتمثل في لغة في طريقها إلى الانقراض هي لسان الباتوا، أما اللغة الوحيدة المحلية هناك فهي البرتغالية، لدرجة يرى الزائر معها أن هذه البقعة الإفريقية تكاد تكون قطعة من منطقة البحر الكاريبي.

الإصابة بالمرض الهولندي

هكذا وجد المؤلف نفسه بإزاء تشكيلة مخلوطة من العناصر والمواقف التي تبعث على الاستغراب بقدر ما تثير التأملات، مزيج من غياب «الأفرقة» بمعنى انعدام طابع الانتماء للقارة الأم، مضافا إليه أو مخلوطا مع غياب واضح لأي صراعات عرقية. ولكن في ظل حالات من زعزعة الاستقرار وقسوة أساليب الحكم.

وفيما أبدى اختصاصيو التنمية قدرا من الاهتمام بمستقبل ذلك البلد، وخاصة في ظل توقعات ظهور النفط، فإن رئيسه فردريك دي منزيس خطب في جمع أميركي في واشنطن عام 2003 مرحبا بالاستثمارات والمشاريع والخبرات ومعبرا عن وعيه إزاء الوقاية من «المرض الهولندي» وهي كلمات وقعت بردا وسلاما على مسامع آذان واحد من مستمعيه في تلك اللحظات. وكان المستمع هو الجنرال كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة في ذلك الحين.

ولكن ما هو إذاً المرض الهولندي؟

هو مصطلح يعرفه الاقتصاديون وخبراء التنمية وقد استقته معاجم الاقتصاد الحديثة من حالة هولندا نفسها، التي لاحظ الخبراء ان اكتشافات الغاز الطبيعي في أراضيها أفضى إلى تضاؤل النشاط الصناعي، وكانت تلك ظاهرة سلبية في كل حال مؤداها التحذير من التعويل الكامل على المورد الطبيعي ومن ثم على عوائد الاقتصاد الريعي مما قد تتآكل معه قدرات الابتكار وقيم العمل والجهد والتجديد التي تتميّز بها القدرات البشرية.

بلد بلا تعليم

لكن مؤلفنا يقول أن رئيس ذلك البلد الإفريقي ـ المستعمرة البرتغالية سابقا ـ كان كمن يضع العربة قبل الحصان وعلى مسافة أميال عديدة تفصل بين المركبة والجواد الذي يجرها. والمعنى هو الاسراف في التفاؤل بمستقبل ساوتومي النفطي، حيث لا يزال البلد على غير استعداد بالمرة ( ص 212) للحياة بوصفه بلدا منتجا للبترول. لماذا؟ لأنه يعاني فقرا مدقعا ضارب الاطناب، ولأنه يفتقر إلى ما يصفه خبراء الإدارة بأنه «القدرة المؤسسية».

بلد يفتقد إلى وجود ولو جامعة واحدة، والمدرسة الثانوية الوحيدة فيه تعاني فقر المواد لدرجة انها تعلم تلاميذها بالتناوب على فترات ثلاث أو خمس أحياناً تمتد من باكورة الصباح إلى هزيع الليل. وبينما ينعقد الأمل على نخبته من المتعلمين أو صفوة المثقفين والمتنورين، فان نخبة ساوتومي وبرنسيبي تتألف كما يوضح كتابنا من عشرات التكنوقراط الذين تعلموا في البرتغال وهم يتداولون فيما بينهم تقاليد السلطة والإدارة والمغانم.. و.. المحسوبيات تحت شعارهم المطروح: «سوموس تودوس بريموس» أو بمعنى آخر: نحن عائلة واحدة هنا ونحن أيضاً النخبة المفضّلة.

لكن هذه الوشائج العائلية المدعاة. لم تفلح في إرساء الاستقرار في ذلك البلد الواعد بالبترول. وعلى مدار الأعوام الستة عشر المنقضية منذ سنة 1991، ورغم إسقاط الشعارات الماركسية، التي سادت بعد الاستقلال ورفع شعارات الليبرالية والديمقراطية البرّاقة، فقد تولت مقاليد الأمور طيلة تلك الفترة القصيرة 14 حكومة تغيرت على جزيرة ساوتومي ورفيقتها برنسيبي، وذلك معدل يراه المؤلف أكثر مما شهدته عدّة بلدان إفريقية مجتمعة، بل أن احدث رئيس للبلاد وهو المنتخب منذ عام 2001 عمل على تغيير واستبدال 8 رؤساء وزراء خلال السنوات الست من ولايته.

وهنا يعلق المؤلف قائلا: في عام 2003 أدى انتشار مشاعر السخط بالنسبة لإدارة الشأن والمورد النفطي في ساوتومي إلى قيام انقلاب سياسي أطاح بالرئيس الحالي، ولكن لفترة وجيزة شهدت في أعقابها تدخل النيجيريين حتى أعادوه إلى منصبه فعززوا بذلك الشكوك التي تراود المراقبين السياسيين إزاء الطرف الحقيقي الذي له اليد الطولى أو الكلمة النافذة في حكم البلاد.

شركات من فيتنام ورومانيا

في مضمار النشاط النفطي يشير المؤلف إلى ان عمليات الاستكشاف والإنتاج في ساوتومي لا تقتصر على نشاط الشركات العالمية الكبرى ذات الأسماء المعروفة، أو المرموقة بصورة أو بأخرى.

انه يلمح في هذا المضمار أنشطة لشركات شبه مجهولة منها مثلا بترو فيتنام من جنوب آسيا وروبترول من رومانيا في وسط أوروبا، فضلا عن عدد الشركات الصغيرة المقبلة من هذه البقعة أو ذلك الصقيع أو الاقليم من الولايات المتحدة. كل هذا يتم في مواجهة قوى وطنية وقدرات محلية ضعيفة ومحدودة.. من حيث خبرة التفاوض على العقود أو الصكوك والامتيازات والاستحقاقات..

لا عجب ان يرصد المؤلف وسط هذه الخبرات المحلية المستضعفة أو حتى المتواطئة مشاريع وشركات ومصالح تديرها جماعات ومؤسسات المرتزقة، ومنها ما كان يتاجر سابقا بالماس الإفريقي لزوم تمويل الحروب الأهلية في أحراش إفريقيا وأيضا لزوم تزويد الحسابات السرية للكبار في مصارف سويسرا، ومنها أيضاً شركات تحوطها ظلال الشبهات وتقوم على أمرها شخصيات غريبة مثل توني بكنجهام (ص 223) الذي اشتهر عنه مشاركته الوحشية في حروب الفصل العنصري لصالح المستعمرين والمستوطنين البيض سواء في جنوب إفريقيا أو روديسيا (زامبيا وزمبابوي بعد الاستقلال).

ربما لهذا يدعو المؤلف السماء إلى ان تكون رفيقة بمثل هذه الأصقاع الإفريقية، التي عانت على مدار قرون ما بين وحشية الاستعمار وقسوة الفقر وشظف الحرمان. لعل السماء تترجم مورد البترول فيها إلى نعمة تخفف آلام المحرومين والمعذبين.

بين التشاؤم والتفاؤل

المشكلة أن المتشائمين يستبعدون تحسن الأحوال في حين أن المتفائلين يؤكدون أن الآفاق النفطية يمكن ان تفتح بابا للأمل أمام ساوتومي، بل يحاولون التمسك بأهداب الأمل حين يقولون إنه كان من حسن طالعها ان جاءت متأخرة عن ركب البترول الإفريقي، هذا التأخر يتيح لها أن تتعلم من الدروس المستفادة، وقد كانت مريرة ولعلها لا تزال كذلك - وقد انطوت عليها تجارب من سبقوا إلى ركب النفط في القارة السوداء. من أمثال توغو وغابون ونيجيريا.

بيد أن المؤلف له رأي آخر يطرحه على قارئيه في السطور الأخيرة من فصل «الفردوس.. الموجود» يقول: ربما تتفق آمال المتفائلين. وتصبح ساوتومي «نموذجا» لكل بلد إفريقي يرنو إلى الافادة من طفرة النفط في قارة إفريقيا.

لكن للأسف فالذين يتابعون حكاية نفط إفريقيا طالما سمعوا تفاصيل الحكاية مرات ومرات، لكن لم يسمعوها فوق أرض الجزر البركانية التي يحتويها خليج غينيا، ولكن سمعوها على مسافة أميال بعيدا عن ساوتومي وجزر المحيط، عند الحد الفاصل الذي يلتقي عنده التل بالصحراء، في تشاد التي تنبسط أراضيها عبر ساحات من الرمال والرماد.

لقد راهنت أطراف شتى على تحويل ذلك البلد الإفريقي، ذي التضاريس الصعبة إلى حد التوحش، إلى نموذج يحتذى من حيث الإدارة المسؤولة والواعية لموارده النفطية. فما بالك وقد أنشأت الاحتكارات الدولية خط أنابيب واسع النطاق وكأنها تدلل بذلك على ان البترول يمكن أن يظل نعمة من لدن السماء وليس نقمة تحيق بأهل الأرض.

هل تحقق الهدف المنشود؟ هكذا يطرح المؤلف السؤال ثم يبادر (ص 244) فوراً إلى الجواب: الأمر هنا يتوقف على مَنْ تطرح على مسامعه مثل هذا السؤال، لكن فيما انطلقت من جانبي شخصيا ابحث عن الإجابة، اتضح لي أن الأمور لا تبشر بخير في كل حال.

تحت سماء تشاد

هنا يتحول بنا المؤلف إلى الفصلين الختاميين من هذا الكتاب، وهنا أيضاً نبادر من جانبنا إلى شعور أقرب إلى الأسف إزاء اهتمامنا بالتركيز على النفط الإفريقي وأحواله ومستقبله، وهي القضية المفصلية في هذا الصدد وربما أدى ذلك إلى أن ظلمنا الكتاب الذي حشده المؤلف بحكايات شخصية وملاحظات طريفة ومشاهد مهمة وحوارات جمعته إلى رجال ونساء في كل بقعة زارها عبر الأقطار الاثني عشر في أقاليم القارة جنوبي الصحراء الكبرى.

يورد المؤلف معلومة طريفة بشأن قارة إفريقيا: في الزمان القديم كان اليونان يقصدون باسمها منطقة الشمال المحاذية بصورة أو بأخرى لشواطئ البحر الأبيض المتوسط. وكان هذا يصدق تحديدا ـ كما يقول المؤلف(ص 245) على أقوام البربر والأقباط (في مصر) والليبيين. أما الأقطار والأقوام الذين كان يضمهم الجانب (الجنوبي) الآخر من الصحراء الكبرى فكان اليونان الأقدمون يطلقون عليهم اسما آخر هو أثيوبيا ومعناها «أرض السود».

وربما عمد العرب الفاتحون إلى ترجمة هذا الوصف الإغريقي مستخدمين تعبير بلاد السودان. والمعنى أنه كانت الصحراء الإفريقية الكبرى بكل بواديها القاحلة ومفازاتها النائية والقاسية حاجزا برّيا واتصاليا يقع في قلبه بلد شديد الوعورة والخشونة يكفهر فيه وجه الحياة واسمه تشاد، بلد شاسع الأرجاء استعمره الفرنسيون في الفترة بين عامي 1920 و1960 حتى نال الاستقلال فاستبدت به صراعات الحرب الأهلية ووحشية أساليب الحكم وما واكب ذلك من تردي معيشة السكان.

ثم جاء عام 1996 ليشهد تنفيذ برنامج الكشف عن البترول الذي تولت أمره شركة إكسون ـ موبيل لتؤكد النتائج ان حوض دوبا في جنوب تشاد يحتوي على كميات من البترول الخام تتراوح من 800 مليون والف مليون برميل. هناك تدخلت المؤسسة المالية العالمية، ما بين صندوق النقد إلى البنك الدولي من أجل تمويل الإنتاج الاقتصادي للبترول شريطة أن تفرض جماعات ودوائر الممولين قيودا صارمة للغاية تراقب بموجبها أساليب إدارة عوائد النفط التشادية وسبل التصرف فيها.

وفي هذا الإطار لم تكن الحكومة تتصرف سوى في نسبة محدودة للغاية من هذه العوائد (5 .12 في المئة فقط) وهو ما وافقت عليه الجمعية الوطنية (البرلمان) في 30 ديسمبر 1998 وبعد جلسة لم تستغرق مداولاتها سوى 3 ساعات ليصدر بعدها القانون رقم 101 الذي يصفه المؤلف (ص 251) بأنه أمر غير مسبوق في التاريخ يقضي بأن يسمح بلد مستقل ذو سيادة لأطراف أجنبية ان تملي عليه أساليب إدارة شؤونه الداخلية وعند هذا المستوى الذي احتواه القانون من الإسهاب والتفصيل.

ويمضى المؤلف ليوضح كيف أن هذه النوعية من القوانين المسلوقة على عجل ـ كما قد نصفها ـ يعيبها عادة كثير من الثغرات والالتباسات، وهو ما دفع عدداً من مؤسسات ورابطات المجتمع المدني في تشاد وعدداً من المنظمات غير الحكومية على المستوى الدولي إلى انتقاد القانون الذي وصفته بأنه جاء نتيجة ضغوط من الخارج وعدم خبرة بأمر البترول من الداخل، فضلا عن ان القانون لم يحدد أولويات الإنفاق على التنمية، وهل هي الخدمات الصحية.. أو التعليم... أو الثقافة أو المطلب الاجتماعي للسكان.

والحاصل في كل حال ان العالم الجديد الشجاع، اذ استعرنا عنوان الكاتب الانجليزي «الدوس هكسلي» في روايته الشهيرة بمعنى هذه الآفاق الموعودة التي بشر بها القانون 101 لم تتحقق ولا هي لاحت في اجواز المستقبل المنظور.

غزل مع الصين

المهم أن تشاد ظلت نهباً لقلاقل ومناوشات واشتباكات، سواء من العناصر الداخلية أو على الحدود بينها وبين جارتها السودان. ورغم ما واجهه رئيسها ديبي من مشكلات وصلت إلى حد التمرد المسلح فقد جاء صيف 2006 ليشهد الرجل وقد بدا في موقع اقوى.

حيث نجحت حكومته في التفاوض على القانون 101 إياه، وقطعت تشاد علاقات قديمة كانت ترابطها مع تايوان واستعاضت عنها بعلاقات مستجدة مع الصين، المارد الآسيوي الجائع نفطيا والدينامي صناعيا والمتطلع في نهم لا يخفى إلى التعامل بكل الأساليب وبأي ثمن مع إفريقيا بكل وعودها البترولية الخلابة.

ولقد نوافق مؤلفنا، أو قد تختلف معه، في أن مبادرة تشاد إلى إنشاء علاقات مستجدة مع الصين كانت تنطوي في الأساس على نكاية بالشركات والاحتكارات البترولية الغربية، وهو أمر لا نرى فيه لوما ولا ضررا بأي مقياس، لكننا نوافق المؤلف على ما يذهب إليه في ختام الفصل السادس ـ قبل الأخير حين يقول: ان قدرة رئيس تشاد على إثارة المخاوف فروع دوائر البيزنس الدولية، عندما دخل ببساطة في غزل عنيف مع الساسة الصينيين، لم تكن حدثا معزولا عن السياق العام لتطور الأمور.

فمع أواخر عام 2006 كانت يد الصين «الخفية» ظاهرة بجلاء في كل أنحاء إفريقيا. لدرجة أن تصدق عليها أي أوصاف سوى انها يد غير منظورة، اذ كان يراها الجميع ويتابعونها بوضوح شديد.

عرض ومناقشة: محمد الخولي