بحلول عام 1988، كان رونالد ريغان، الذي اشتهر بوصفه الاتحاد السوفييتي بأنه «إمبراطورية الشر» يمشي في الميدان الأحمر جنباً إلى جنب مع ميخائيل غورباتشوف. كانا قد وقعا للتو أكبر اتفاقية لتقليص الأسلحة في التاريخ، والتي تقضي بإزالة كل الصواريخ السوفييتية من طراز إس إس 20 الموجهة إلى أوروبا، في مقابل إزالة صاروخ بيرشينغ وصورايخ كروز التي كان ريغان قد نشرها في أوروبا.
كتب ووردزورث عن المرة الأولى التي سمع أنباء سقوط الباستيل يقول: «مبارك أن يكون المرء في ذلك الفجر حياً، ولكن أن يكون شاباً كان الجنة بعينها!». ساور هذا الشعور الكثير منا.
في غضون ثلاثة أعوام، سقط سور برلين، وتمت إزالة الأنظمة الدمى لأوروبا الشرقية، وتمت إعادة توحيد ألمانيا، وعاد الجيش الأحمر إلى وطنه، وزالت الإمبراطورية السوفييتية، وانقسم الاتحاد السوفييتي إلى 15 دولة. وغدت جمهوريات البلطيق حرة. وأوكرانيا حرة كذلك.
غير أنه في عشية قمة مجموعة الثماني، أعلن فلاديمير بوتين أن روسيا ستعيد وضع الناتو في مرمى صواريخها. قال: يتعين علينا الرد على قرار بوش بنشر صواريخ مضادة للصواريخ في بولندا ورادارات في جمهورية التشيك. لماذا نقوم بذلك؟
تقول الولايات المتحدة إن هدف نظام الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية في أوروبا هو التصدي لأي هجمة إيرانية. ولكن إيران لا تمتلك قنبلة ذرية ولا صواريخ من هذا الطراز.
يبدو أننا في طريقنا إلى حرب باردة ثانية، وإذا صح ذلك، فإن المسؤولية لن تقع كاملة على كاهل الكرملين. لأن من ضمن من أساؤوا إدارة العلاقة الرؤساء بيل كلينتون وبوش الابن، وأبناء طفرة المواليد الذين أهدروا ثمار نصر الحرب الباردة التي فاز بها جيل أسلافنا الأعظم.
كيف قاموا بذلك؟
ـ عندما عاد الجيش الأحمر إلى الوطن من أوروبا الشرقية، فإن الولايات المتحدة، في انتهاك للتفاهم مع موسكو، بدأت بنقل إلى الناتو شرقاً. فمنذ ذلك الحين أدخلنا إلى تحالفنا العسكري ستة أعضاء سابقين في حلف وارسو وثلاثة جمهوريات سابقة في الاتحاد السوفييتي هي ليتوانيا، ولاتفيا، وإستونيا.
ـ إن الصقور المعادية لروسيا تدفع الآن لضم أوكرانيا وجورجيا إلى الناتو. وإذا نجحوا في ذلك، فقد يتم سحبنا إلى مواجهات مستقبلية مع روسيا مسلحة نووياً بشأن من يتمتع بالسيادة على القرم وما إذا كانت أوسيتيا الجنوبية يتعين عليها أن تصبح جزءاً من جورجيا.
هل هذه مصالح أميركية حيوية تستحق هذه المخاطرة بخوض حرب؟ لماذا ننقل التحالف العسكري بقيادة أميركية إلى الساحة الأمامية وإلى الشرفة الجانبية لبلد لديه ألوف الأسلحة النووية؟ هل نقبل بأي خطوة صينية وروسية مماثلة في الكاريبي؟
ـ بعدما أعطتنا موسكو ضوءاً أخضر لاستخدام الجمهوريات السوفييتية السابقة في آسيا الوسطى لإيجاد قواعد لقوات أميركية لحرب الأفغان، طلبت الولايات المتحدة قواعد دائمة هناك. وتتحد روسيا والصين الآن لطردنا خارج ساحتهما الخلفية.
ـ تآمرت أميركا مع أذربيجان وجورجيا لبناء خط أنابيب باكو ـ تبليسي ـ جيهان لنقل نفط بحر قزوين إلى القوقاز إلى البحر الأسود وتركيا، وإخراج روسيا من هذه العملية.
ـ في عام 1999، قامت الولايات بقصف صربيا بالقنابل على امتداد 78 يوماً لمعاقبتها على سعيها للحفاظ على كوسوفو تابعة لها، والتي كان الألبان المسلمون يسعون للانفصال بها. وقد نظرت روسيا الأرثوذكسية إلى نفسها طويلاً بصفتها الحامية للسلافيين في البلقان. وتجاهل كلينتون لروسيا في شن هذه الحرب غير المبررة على صربيا تم النظر إليه باعتباره دليلاً على أن مخاوف روسيا أصبحت غير مهمة في واشنطن.
ـ بعد المساعدة في إلحاق الهزيمة ببلغارد، فإن الكومنترن الجديد الخاص بنا ـ الوقف الوطني للديمقراطية، مجلس الحرية، والجبهات الأخرى، تدخلت في شؤون أوكرانيا وجورجيا، الأمر الذي ساعد على طرد الأنظمة المؤيدة لموسكو وإنشاء أنظمة مؤيدة لأميركا. ومنذ ذلك الوقت، طرد الوقف الوطني للديمقراطية من روسيا البيضاء والمنظمات التابعة له على وشك أن تطرد من جانب موسكو.
هل يمكننا توجيه اللوم إلى الروس لكونهم غاضبين؟ كيف ستكون ردة فعلنا تجاه المنظمات غير الحكومية التابعة لجناح اليسار في واشنطن، التي تتدفق فيها أموال نفط موسكو، ومساعدة العناصر المعادية لإدارة بوش؟
ـ الولايات المتحدة كانت توجه اللوم على الدوام لروسيا لابتعادها عن الديمقراطية. ولكن بالمقارنة مع بكين، فإن موسكو هي مونبلييه. إذا كانت الحرب الباردة قد انتهت، فهل التنظيمات السياسية لروسيا هي من شأننا؟
ـ إذا لم تعجبنا الطريقة التي يتعامل بوتين بها مع ميخائيل خودوروفيسكي، وبوريس بيريزوفيسكي، و«الأوليغاركيين» الذين سرقوا روسيا في التسعينات، فإن بوتين ربما لا تعجبه الطريقة التي عاملنا بها مارثا ستيوارت.
يوجه اللوم عادةً إلى هاري ترومان لبدئه الحرب الباردة. والحقيقة أنه لم يفعل ذلك. وإنما ستالين. ولكن كلينتون، وجورج بوش، والمحافظين الجدد يمكنهم الزعم بأنهم بدأوا حربا أخرى. والأمر الأول في عمل الرئيس بوش يجب أن يتمثل في إصلاح الضرر الذي ألحقه حشده، والخروج من روسيا.
ترجمة: كوثر علي - عن: «أنتي وور»