قضيت عطلة نهاية الأسبوع في قراءة كتاب «امرأة مسؤولة» وهي سيرة ذاتية لهيلاري كلينتون بقلم كارل برنشتاين، بينما كنت أتعرض لوابل أدلة جديدة على هوس إدارة بوش وتشيني المرضي بالسرية والكتمان.

سيتجادل المؤرخون على امتداد عقود مقبلة حول طبيعة العنصر الأسوأ في البيت الأبيض في ظل رئاسة جورج بوش، ولكن يكمن في جذور البنية السرطانية برمتها تعلق جورج بوش وديك تشيني المشترك بالسرية. واحتقارهما المشترك لحق الرأي العام في المعرفة ليست له حدود. اشهدوا محاولة نائب الرئيس السخيفة للتهرب من المراقبة من خلال زعمه أنه ليس جزءاً من الفرع التنفيذي للسلطة، أو المناورة القانونية اللامتناهية لإخفاء إساءة الإدارة معاملة المعتقلين بعيداً عن التدقيق. ونتيجة لذلك، من الآمن جداً القول إن السؤال المحوري الذي يواجه الناخبين الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية التمهيدية هو: من هو المرشح الأكثر فعالية في الابتعاد عن أجواء أعوام بوش؟ في قضية تلو أخرى، يقوم المنافسون بكل ما بوسعهم لإلقاء الضوء على الفروقات التي تميزهما عن بوش. ولكن عندما يتعلق الأمر بمسألة السرية وإدارة تعمل في الظل، فإن هناك طرحاً قوامه أن المرشح الأقل احتمالاً في إضاءة الأضواء هي هيلاري كلينتون. فالتزامها طوال عمرها بالسرية هو أحد الأفكار الرئيسية في كتاب بيرنشتاين.

كتب بيرنشتاين يقول إن: «هيلاري كلينتون كانت لها على الدوام علاقة صعبة مع الحقيقة، فقد اختارت في الغالب التعتيم والحذف وتجنب الأمور الخاصة. ومن قبيل التقليل من شأن الأمر الآن القول أنها كانت تُعرف بأنها تحجب الحقائق المتعلقة بها وأحداث حياتها التي لا يشترك بها الآخرون على وجه الدقة».

أو كما عبر برشتاين عن الأمر في برنامج «توداي شو» بقوله: «هذه امرأة عاشت حياة حافلة بالتنكر والتخفي ولا تزال». والأمر لا يرجع فحسب إلى أنها إنسانة شديدة التمسك بخصوصيتها فهناك الكثير من العاملين في الخدمة العامة الذين يتمسكون بحماية حياتهم الشخصية وبالقدر نفسه يتمسكون بإبقاء حياتهم العامة وسياستهم العامة شفافة. ولكن كلينتون شأن بوش وتشيني يبدو أنها مولعة بالسرية لذاتها.

وكما يوضح برنشتاين فإن ما يبعث على الشعور بالصدمة فيما يتعلق بمعالجتها لفوضى الرعاية الصحية خلال إدارة زوجها لم يكن أنها حجبت الخطة عن منتقديها وإنما أنها أبقتها سراَ حتى بالنسبة إلى من كانوا سيتصدرون للإنطاق قدماً بهذه الخطة لو أنهم عرفوا أي شيء عنها. إن هذا الولع بالتخفي هو بمثابة نموذج تكرر على امتداد حياة كلينتون على نحو ما يوضح برنشاتين وقد كان هذا الولع ماثلاً في قرارها بإخفاء موضوع أطروحتها الدراسية لأنها تدور حول المنظم الراديكالي سول ألينيسكي.

كما كان ماثلاً في رفضها على امتداد 30 عاماً الإقرار بأنها رسبت في امتحان المحاماة في المرة الأولى التي خاضت فيها هذا الامتحان، وكان موجوداً في الطريقة التي حجبت بها في مذكراتها فترة التدريب الصيفية التي أمضتها في شركة «تروفت، ووكر أندبرشتين» وهي إحدى شركات المحاماة اليسارية في أميركا. وكان هذا الولع بالسرية موجوداً أيضاً في الطريقة التي تعاملت بها مع تحقيقي «وايت ووتر» و«ترافيل غيت» اللتين كما أبلغني برنشاتين » انتهى الأمر بهما إلى الامتداد على نحو لا ضرورة له».

وينقل برنشاتين مارك فابياني، محامي كلينتون، قوله عن هيلاري وايت ووتر: «إنها يمكن أن تفعل أي شيء للتخلص من الموقف وإذا تضمن ذلك الإحجام عن تسليم الوثائق ومواد أخرى فإنها هي نفسها تقول: لدي سبب يدعوني لعدم القيام بذلك» وهو يذكر أن جورج ستيفانو بلووس، مستشار البيت الأبيض آنذاك قد وصف ردوج فعل هيلاري على الفضائح العديدة في رئاسة كلينتون بأنها «كذب مقنع».

وقد كان هذا الولع بالتخفي كامناً في الطريقة التي هاجم معسكر هيلاري بها كتاب برنشتاين قائلاً ضمن أمور أخرى: «هل من الممكن أن تنقلوا عني تثاؤبي؟» والتنديد بالكتاب باعتباره يضم أشياء قديمة وأنه لا يعدو أن يكون مجرد دفع القارئ للمال مقابل اجترار أشياء قديمة. وهذا التقويم للكتاب يتناقض بشكل صارخ مع غالبية مراجعات الصحف له بما في ذلك مراجعة للكتاب نشرتها صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» بقلم رون براونشستاين الذي وصفه بأنه «نموذج لسيرة الحياة السياسية المعاصرة: كتاب ممتاز، متوازن طوال الوقت وحافل بالأحكام الدقيقة ومتعمق في تناوله».

أخبرني كارل برنشتاين أن: «هيلاري كلينتون ومستشاريها لا يريدون فيما يبدو أن يعرف الناس قصتها الحقيقية، وهذا الأمر محزن على وجه الخصوص لأن الصورة الحقيقية تفرض نفسها أكثر من النسخة البالية التي جرى تلميعها وتنظيفها والتي يواصلون خدمتها وصقلها. إن رد الحملة الرسمي على كتاب «امرأة مسؤولة» ، حتى قبل أن يروه، هو نوع من الأمور التي توقعتها من البيت الأبيض بقيادة نكسون أو البيت الأبيض بقيادة بوش، وليس من حملة رئاسية لكلينتون ملتزمة بانفتاح وشفافية جديدين».

في الواقع وجدت كتاب برنشتاين صورة مهذبة لكلينتون، لهذا السبب صدمتني رد فعل معسكرها كونه مفرط ومضلل. وكأن هيلاري ومن حولها لهم مثل هذه الرؤية المثالية عنها الأمر الذي يشعرهم بالحاجة إلى التغلب على كل شيء يتناقض مع الوهم الكامل. وأي نقص غير مسموح به. في إطار الحملة، تتحدث كلينتون كثيراً عن خبرتها في البيت الأبيض، والهدف بوضوح هو أن نأخذ في الاعتبار الأعوام الثمانية التي أمضتها في البيت الأبيض عند تقويم ملاءمتها للعودة.

ولكن قراءة كتاب برنشتاين جعلني أشعر أنه تم إبعادها عن جميع الدروس الخاطئة حول تولي المسؤولية. فميلها إلى حجب الحقائق والتعتيم يظهر أنه سلوك مكتسب بالتعلم. لذا فإن السؤال الذي يواجه الديمقراطيين، وأميركا بالفعل، هو عما إذا كنا نريد رئاسة أخرى يحيطها السرية والخداع والإنكار.

ترجمة: كوثر علي ـ عن «لوس أنجلوس تايمز»