لم يعد الأثر القاتل لوباء الإيدز في أفريقيا مقتصرا على العدد المتزايد من المصابين به فحسب، وإنما امتد ليشمل البيئة الحيوانية والنباتية في القارة السمراء التي باتت تعاني نقصا حادا في القوة البشرية القادرة على الاحتفاظ بالتنوع الطبيعي الثري للحياة في أفريقيا، الأمر الذي ينذر بكارثة بيئية قاربت على الانفجار لتضاف إلى الكارثة البشرية التي يتسبب فيها المرض القاتل ليس على مستوى أفريقيا فحسب وإنما على مستوى العالم بأسره.

فقد أفردت مجلة «نيوساينتست» العلمية تغطية مميزة في أحد أعدادها الأخيرة للخسائر الفادحة التي تتكبدها الغابات الأفريقية والمتنزهات الوطنية بها بسبب ندرة الأيدي العاملة التي تحتاجها عمليات العناية بالحيوانات والتنوع البيئي هناك وذلك لأن الإيدز آخذ في حصد أرواح الألوف من الأيدي العاملة المدربة المسؤولة عن تلك الغابات، ولأن ألوفا غيرهم باتوا مشغولين بالعناية بذويهم المصابين بالمرض القاتل ولا يقدرون على العناية بأنفسهم. فدولة أفريقية شهيرة بالمتنزهات الوطنية الثرية مثل مالاوي أضحت في حالة يُرثى لها على مستوى البيئة الطبيعية والتنوع البيولوجي بسبب التناقص المستمر والحاد في عدد القادرين على الاعتناء بالحدائق والمتنزهات الوطنية التي باتت قريبة من فقدان أصولها الطبيعية من حيوانات ونباتات.

متنزه كاسونجو الوطني، الذي يعد من أشهر المتنزهات الطبيعية الوطنية في ذلك البلد الأفريقي، موضوع الآن تحت الحصار وذلك ليس بسبب ما يتعرض له من حملات صيد جائر فحسب، وإنما بسبب تفشى مرض الإيدز هناك أيضا. فالمتنزه الذي يقع على الحدود مع زامبيا، هو ثاني أكبر المناطق المحمية الطبيعية في مالاوي. وخلال الأعوام الأخيرة تعرض المتنزه لحملات مكثفة من الصيد الجائر أدت إلى تراجع حاد في أعداد الجاموس الوحشي والفيلة وعدد آخر كبير من الحيوانات، التي كان يشتهر بها المتنزه يوما ما بفضل ما يملكه من غابات السافانا الشهيرة.

وفي الوقت الذي لا تألو فيه هيئة المتنزهات الوطنية في مالاوي جهدا من أجل مكافحة عمليات الصيد الجائر، إلا أن مسؤوليها يجدون صعوبة كبيرة في توفير الأيدي العاملة القادرة على القضاء على هذه العمليات وذلك إما لأنهم باتوا غير قادرين على المستوى الصحي على متابعة أعمالهم أو لأنهم مضطرون إلى متابعة حالات ذويهم الذين يعانون هم أيضاً من المرض القاتل ويحتاجون إلى رعاية مستمرة.

فخلال الفترة بين عامي 2000 و2006 مات 17 من الموظفين في المتنزه من المسؤولين عن تنظيم وتفعيل عمليات مكافحة الصيد الجائر هناك. وفي الوقت ذاته، فإن استقطاب عناصر جديدة لا يمكن أن يفي بالغرض حيث فشلت جهود استقطاب عناصر مؤهلة لهذا العمليات بعد انخفاض قوام الموظفين في المتنزه من 193 في عام 2000 إلى 167 في يومنا هذا. وللأسف الشديد، كما توضح المجلة، فإن هذه هي الحال في معظم بلدان القارة الأفريقية بعد أن سيطر عليها الوباء القاتل.

و تشير المجلة إلى اجتماع عُقد مؤخرا ضم علماء بيئة من مختلف بلدان القارة الأفريقية المتضررة بالمرض اللعين في بورت إليزابيث في دولة جنوب أفريقيا لبحث كيف أن وباء الإيدز آخذ في تهديد التنوع البيولوجي في القارة السمراء بشكل أصبح لا يمكن السكوت عليه. وكان الغرض من الاجتماع هو تبادل المعلومات والخبرات بين دول القارة المتضررة حول أفضل سبل تخفيف وطأة الموقف وتقليص الخسائر المادية والبشرية المتتالية التي يتسبب فيها المرض.

يقول داوالو سموامبيتا، المدير التنفيذي لهيئة البيئة والحياة البرية في مالاوي: «يجب أن ندرك أن عملية الحفاظ على البيئة والتنوع البيولوجي بها تجري من خلال البشر. وهؤلاء الأشخاص يقومون بهذه العمليات من أجل الحصول على قوت لعوائلهم ومن أجل الاستفادة منها ماديا. ولكن للأسف الشديد فإن من يقومون بهذه العمليات في أفريقيا يحصد أرواحهم الآن وباء الإيدز، ومن ثم فإنه يتوجب علينا مواجهة المشكلة بوسائل فعالة إذا أردنا لجهود الحفاظ على البيئة والتنوع البيئي النجاح».

وكان البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا قد دشنت برنامج تسريع العلاج في عام 2004 بهدف بحث أفضل السبل لتوفير علاجات للإيدز ومتابعته، مع استهداف زيادة قدرات أنظمة الرعاية الصحية للتصدي للمشكلة وإدماج الدروس المُستفادة في برامج الإيدز القائمة والقادمة. ويجري تمويل هذا المشروع بمنحة قدرها 8,59 مليون دولار من المؤسسة الدولية للتنمية، وهي ذراع مجموعة البنك الدولي التي تساعد أشد بلدان العالم فقراً في تخفيض أعداد الفقراء عن طريق تقديم قروض بدون فائدة ومنح لبرامج تستهدف تعزيز النمو الاقتصادي وتحسين الأحوال المعيشية.

وتقول كاساندرا دي سوزا، مسؤولة الاتصال في مشروع تسريع العلاج بمقر البنك الدولي في واشنطن العاصمة، إن أكثر من 90 % من أصل نحو 15 ألف مريض يجري استهدافهم في ثلاثة بلدان أفريقية حتى الآن ملتزمون بوسائل العلاج بمساعدة مجموعات مساندة مفعمة بالحماس. وفي حين تنبّه دي سوزا إلى أن الوقت ربما لم يحن بعد كي ترسم أبحاث المشروع صورة كاملة عن مدى مقاومة الفيروس للعقاقير بين مرضى الإيدز، فإنه لم تتضح حتى الآن ضرورة كبيرة كما كان متوقعاً للعلاج بالمستوى الثاني للعقاقير الأكثر تكلفة.

ففي موزامبيق، على سبيل المثال، يصل معدل فشل الخط الأول من العلاج بمضادات الفيروسات الرجعية إلى 5,3 في المئة، وهو، كما يقول الطبيب ليوناردو بالومبي من منظمة تعزيز الموارد الدوائية ضد الإيدز وسوء التغذية، معدل (منخفض للغاية). ومنظمة تعزيز الموارد الدوائية هذه هي منظمة غير حكومية تشارك في مشروع تسريع العلاج. وهذه المنظمة التي بدأت تقديم علاج عالي الفعالية بمضادات الفيروسات الرجعية للمرضى في موزامبيق في عام 2002 هي واحدة من بين ثلاث منظمات غير حكومية تشارك في برنامج تسريع العلاج في ذلك البلد الأفريقي. وتوفّر هذه المنظمة هذا العلاج لعشرين ألف مريض. كما قامت بتدريب 1000 شخص في مجال الرعاية الصحية، وأقامت مختبرات متخصصة في البيولوجيا الجزيئية لإجراء اختبارات تساعد في متابعة مرضى الإيدز.

ولكن في ضوء الحجم الهائل للمشكلة وأبعادها في القارة السمراء، فإن الجهود التي بذلت والتي لاتزال تُبذل حتى الآن لاحتواء تأثيرات هذا الوباء القاتل، لم تعط ثمارها بعد. (هناك قدر كبير من النوايا الحسنة. غير أن المشكلة الأكبر تكمن في جمع التبرعات الكافية لعلاج الكارثة المستفحلة بالفعل)، على حد قول جودي أوجليثورب من مجموعة الحفاظ على البيئة (دبليو دبليو إف) التي تتخذ من واشنطن العاصمة الأميركية مقرا لها، وهى من نظمت الاجتماع الأخير الذي عُقد في جنوب أفريقيا من أجل بحث سبل معالجة المشكلة في القارة.

وتضيف المسؤولة:(المشكلة الآن تكمن في أن القائمين على التبرعات الصحية في العالم خصوصا الموجه منها إلى القارة الأفريقية يقولون إن الغرض من هذه التبرعات هو علاج المشكلات الصحية وليس البيئية، في حين أن القائمين على التبرعات البيئية يريدون إنفاقها على الجهود المباشرة الرامية إلى علاج المشكلات المرتبطة بالتنوع البيئي، وهكذا يضيع حل البعد البيئي لمشكلة الإيدز بين الطرفين).

و في هذا الصدد تضيف نانسي جيلمان من مجموعة التعاون في مجال التنوع البيولوجي الأميركية، وهي مجموعة كبيرة تعمل تحت مظلتها ست مجموعات أخرى للحفاظ على البيئة في أميركا: «الحل الوحيد هو أن يجتمع القائمون على المشروعات البيئية والصحية والتجارية من أجل هدف واحد فقط وهو توحيد جهود علاج مرض الإيدز الذي يؤثر على كل قطاع حيوي في العالم ولا تقتصر عواقبه الوخيمة على مجال دون الآخر. فالتحدي الأكبر في هذا الصدد هو العثور على موارد كافية بغية تفعيل الأنشطة والجهود المبذولة بالفعل للقضاء على المرض عالميا وليس قاريا فحسب».

إعداد: حاتم حسين