معركة انتخابات 2008 بدأت والمتطلعون للرئاسة يتنافسون فيما بينهم للحصول على ملايين الدولارات تحسبا لما يتوقع أن تكون الانتخابات الأكثر تكلفة في التاريخ. لكن لا أحد تقريبا يتحدث عن مصدر هذه الأموال ومصيرها. وبدرجة أقل من ذلك تشكلت أسئلة ملحة حول المراقبة المؤسسية ليس فقط للانتخابات وإنما للجزء الأكبر من القرارات التي تتخذ في العاصمة واشنطن.

موقع «ديموكراس ناو» أجرى، مؤخرا، حوارا مع رالف نادر الذي أمضى أربعة عقود من الزمن وهو يحاجج في هذا الموضوع وغيره، حيث تكلم بلسان محامي المستهلك وناقد الشركات والمرشح الرئاسي لثلاث مرات. ولقد تم هذا اللقاء بعد محاضرة تحت عنوان « ترويض المؤسسة العملاقة». وفيما يلي نصه:* لماذا تلقون محاضرة طوال ثلاثة أيام حول سلطة الشركات عوضا عن مناقشة الحرب؟

ـ في المقام الأول، لأن الشركات متورطة إلى حد كبير في الآلة الحربية. ولا بد من تذكر تصريح الرئيس أيزنهاور حول التكتل العسكري الصناعي. وفي يومنا هذا ربما يكون من الأصح أن نطلق عليه المجمع الصناعي ـ العسكري، لأن الجانب الصناعي يمارس اليوم تأثيراً هائلاً على الميزانية العسكرية للولايات المتحدة، التي تبلغ الآن نصف الميزانية الاتحادية الفعلية للحكومة، كما أنها تؤثر على السياسة الخارجية أيضا. وقد كتب الكثير عن أن للنفط علاقة وثيقة بغزو العراق.

وفي واقع الأمر، فإن سيطرة الشركات وسيادتها على اقتصادنا السياسي مرتبطان إلى حد كبير أيضا بسياستنا الخارجية والعسكرية والاقتصادية بما في ذلك منظمة التجارة العالمية (الغات) واتحاد الـ «نافتا»، اللذان يمثلان هيكلين هندسيين لتفوق الشركات على القيم المدنية وحقوق العمال والمحيط والمستهلكين.

* ما هي برأيكم المشكلات الرئيسية التي تطرحها هذه الشركات والاستراتيجيات الأكثر فعالية للتصدي لها؟

ـ المشكلة الرئيسية هي أن طرق تحدي سلطة الشركات وإخراجها من الوحل السياسي تصطدم بكون هذه المؤسسات هي كيانات مصطنعة، فهي ليست أشخاصا حقيقيين ولا تصوت ولا تموت في العراق وليس لديها أطفال. وهي كيانات تسيطر بصورة متزايدة على سياستنا ونظامنا الانتخابي وجامعاتنا، أي أنها تسيطر على مناحي الحياة حتى أنها تتغلغل في ميادين عادة محظورة بحكم العادة في بلادنا، مثل تجارة الأطفال.

وهكذا، فإن هذه المحاضرة تتحدى الشركات في كل منحى يؤثر على الناس ـ مساهمين، مستهلكين، عمال، جمعيات، أطفال، رعاية صحية، أجور الحد الأدنى، تنوع الفرص التي يجب أن يحظى بها الناس والتي تنكر عليهم. نحن نمر في مرحلة متقدمة من تحولنا إلى دولة الشركات، التي حذر منها روزفلت عام 1938 قائلاً إنه عندما تكون الحكومة تحت سيطرة سلطة اقتصادية خاصة فإنه يطلق عليها فاشية. وهو كان من الممكن أن يعتبر السيطرة الحالية للسلطة الاقتصادية الخاصة ـ أي الشركات العملاقة المنتشرة حول العالم ـ شكلا متقدما مما سماه الفاشية، سيطرة مصالح الشركات على الحكومة.

* هل تصف هذه الحكومة بالفاشية؟

ـ نعم، فالتعريف التشخيصي هو ما قاله روزفلت. صحيح أنه ربما كانت الأمور مختلفة في سياق الحرب العالمية الثانية، لكن التعريف التشخيصي للفاشية ينطبق على الحالة التي تنتزع فيها السلطة الاقتصادية الخاصة الحكومة المركزية من الشعب وتجعل منها ضمانة وغطاء لسلطة الشركات.

* لنراجع، انطلاقا من قاعدة سلطة الشركات، سيرة مرشحي الحزب الديمقراطي ولنبدأ بالمرشحة هيلاري كلينتون..

ـ هيلاري كلينتون هي أحد المساهمين في الشركات وهي عضو في لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ ولم ترفع إصبعا واحدا ضد العقود الفاسدة لأنظمة الأسلحة غير الضرورية أو حتى أنظمة الأسلحة نفسها. ووجودها في هذه اللجنة يعني أنها تعلن عن استعدادها للتعاون مع التجمع العسكري ـ الصناعي. في حين أنها لم تعترض قط على المعونات المالية للشركات والمنح والإعفاءات الضريبية وعمليات الإنقاذ. وهي تفتقر بقوة للروح السياسية وتعرف أنها المفضلة.

* باراك أوباما..

ـ مقدرة هائلة، فهو يعرف من يستحوذ على السلطة في بلاده، وهو يخوض الآن منافسة مع هيلاري كلينتون لجمع 300 مليون دولار معتمدا على قطاع اقتصادي وتجمع مالي آخر وذلك بهدف حشد الناس من حوله.

* ما رأيكم بجون إدواردز؟

ـ إدواردز لديه أطروحة جيدة حول الفقر وهو يحترم خطاب كلينتون وينتمي كليا للطبقة المتوسطة، لكنه لم يتكلم قط عن الخمسين مليون مواطن أميركي الذين يعيشون في ظل فقر حقيقي ولا عن عشرات الملايين الآخرين الذي يعيشون في ظل ما يسمى حالة شبه الفقر. وهو ليس جيدا على صعيد السياسة الخارجية.

* رودولف جولياني..

ـ يعتبر جولياني مرشح علامة واحدة فقط. فلا أحد حصل على رأسمال سياسي من مسرحية الحادي عشر من سبتمبر بمقدار ما فعل هو، أي أنه وصل إلى مسرح الجريمة أسرع من بوش نفسه، مع أنه لم يفعل شيئا حيال التلوث الرئوي الجماعي الذي حل برجال الإطفاء ولم يحرك ساكنا حيال ما قم به المتطوعون ورجال الشرطة، الذين أدار لهم ظهره،وهناك الكثير من الكتب المنشورة التي تبين الغش الذي ارتكبه رودي جولياني. كما أنه مرشح شمولي، فأنت لا تستطيع أن ترهن حرياتك المدنية برجل من هذا النوع، يعتقد أن قانون باتريوت ضعيف.

* جون ماكين

ـ جيد فيما يتعلق بأمن السيارات. وهو يحاول فعل شيء بخصوص إصلاح عمليات تمويل الحملات الانتخابية، على الرغم من أنه يلعب حسب المعايير التقليدية المعروفة. ولا أعتقد أنه سيتمكن من الحصول على الطلب. وإذا حصل عليه فلن ينتخب. فالأميركيون لن ينتخبوا مرشحا جمهوريا في 2008 ولن ينتخبوا جمهوريا مع استمرار الحرب في العراق.

* وماذا عن رالف نادر المرشح غير المعلن حتى الآن؟

ـ من المبكر جدا قول شيء. أما إذا ما قررت ترشيح نفسي فإن المشكلة الكبرى هي أن يضعوا اسمي ضمن أوراق الاقتراع. فالديمقراطيون قدموا 21 محاكمة غير شرعية ضدنا، لقد فزنا بالغالبية، لكن المسالة انطوت على الكثير من الفساد.

* هل لا يزال جورج دبيليو بوش مهما؟

ـ نعم،إنه مهم، لأنه يشكل تهديدا للأمن القومي، إنه مدمر دستورنا ومنتهك قوانيننا ومحطم أنظمتنا. إنه حربي النزعة ومجرم حرب ولا يزال على رأس عمله. ولقد قلت له منذ بعض الوقت إنه يمثل شركة عملاقة في البيت الأبيض تتنكر بهيئة إنسان، على الرغم من أني أتساءل أحيانا حول كلمة «إنسان». فأنا لا أعتقد أنه من الممكن رؤية شخص قسري بقدر ما هو عليه بكل هذا التحقير الذي يبديه حيال تقاليد بلادنا بما في ذلك التقاليد المحافظة.

والمهم هنا هو العودة إلى تقرير المصير بالدرجة الأساسية، حيث ثمة أسئلة تطرح نفسها من نوع: هل نؤمن حقا بالحكومة الذاتية؟ هل نؤمن حقا بالحكومة المسؤولة؟ وهل نؤمن حقا بأن تفوق الشعب يجب أن يسود على تفوق ما اسماه جفرسون المصالح الثرية والمتمثلة اليوم بالشركات العملاقة؟ وللإجابة على جميع هذه الأسئلة يتعين علينا، أولا، ممارسة ملكية ما نملكه فعلا من الخيرات العامة التي تتمتع بها الولايات المتحدة، من الأراضي العامة إلى البحث إلى التنمية العامة إلى مليارات الدولارات الموجودة في أرصدة تعويضات العمل، فكل ذلك هو ملكية الشعب ومسيطر عليه من قبل الشركات.

ترجمة: باسل أبو حمدة ـ عن «ديموكراسي ناو»