«الثقة ثم التحقق». كانت تلك هي سياسة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجان في تعاملاته النووية مع الاتحاد السوفييتي.

غير أن تجربة الولايات المتحدة الأميركية مع كوريا الشمالية كانت علاقة مشوبة بقدر كبيرمن الجنون لدرجة أن الموقف الذي تبنته واشنطن يمكن التعبير عنه بالعبارات التالية: «لا للثقة، ولكن التحقق ثم التحقق ولا شيء غير التحقق». غير أنه حدث في يوم السادس عشر من يوليو الماضي أن محمد البرادعي، رئيس الهيئة الدولية للطاقة الذرية أكد أن مفتشيه في كوريا الشمالية قد تحققوا بالفعل أن مفاعل يونغبيون قد تم إغلاقه بشكل نهائي، الأمر الذي يعد خطوة تاريخية نحو التوصل إلى اتفاق مع كوريا الشمالية من شأنه أن يؤدي في النهاية إلى تسريع عملية التخلص من الأسلحة النووية في تلك الدولة المنطوية على نفسها. غير أن كوريا الشمالية ستظل لديها فرص كثيرة لأن تكون دولة صعبة المراس.

أخبار مانشتات الصحف جيدة وتقول الآتي: «لقد قال الكوريون الشماليون يوم السبت إنهم قاموا بإغلاق مفاعلهم الرئيسي الذي ينتج مادة البلوتونيوم في يونجبيون. هذا الإعلان تزامن مع تسليم 6200 طن من نفط المستخدم كوقود من كوريا الجنوبية وعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الدولية. هذه الخطوة تمثل أول ثمار اتفاق تم التوصل إليه في فبراير من قبل مجموعة الست. غير أن هناك من ينتقد هذا الاتفاق، لاسيما في أميركا. فالأمر يجب أن يسير على أساس مراحل معينة وأن غلق هذا المفاعل ليس إلا مجرد خطوة أول مطلوبة من كوريا الشمالية، بحسب هؤلاء منتقدي الاتفاق. فغلق المفاعل يعيد كوريا الشمالية إلى النقطة التي توصل إليها اتفاق عام 1994. ومنذ ذلك الحين يعتقد البعض أن كوريا الشمالية قد بدأت تخصيب اليورانيوم، وهو ما يعد طريقا ثانيا مختلفا نحو الحصول على سلاح نووي.

وبعد أن اشتعلت المواجهة بين أميركا وكوريا الشمالية حول هذه القضية في 2002، انسحبت كوريا الشمالية من معاهدة حظر الانتشار النووي وأعدت تشغيل مفاعل يونغبيون. وفي شهر أكتوبر الماضي قامت بتجربة سلاح نووي صغير تم إنتاجه من مفاعل يونغبيون. ومن ثم فإن هناك أسبابا وجيهة للشك في نوايا كوريا الشمالية وانتقالها إلى المراحل الأخرى من تنفيذ الاتفاق، والمتمثلة في الإعلان الكامل عن كل أنشطتها النووية وفي النهاية نزع السلاح النووي من شبه القارة الكورية. هناك قدر كبير من العمل يعتمد على الأطراف الأخرى المعنية بالأمر فيما يتعلق بتقديم الحوافز من عدمه.

فالاتفاق يقضي بتحويل 50 ألف طن من وقود النفط إلى كوريا الشمالية مقابل إغلاقها للمفاعل، على أن ترتفع هذه الكمية إلى مليون طن بمجرد أن تنتهي كوريا الشمالية من الإعلان عن جميع أنشطتها النووية وعندما تتخلص من أسلحتها النووية. كما أنه بالإمكان أن تكون هناك مساعدات اقتصادية جديدة ومزيد من النقاشات الأمنية وربما مفاوضات من أجل إنهاء الحرب الكورية بشكل رسمي ـ كل ذلك في حل أن تظهر كوريا الشمالية تقدما فيما يتعلق بالتخلص من الردع النووي لديها. غير أن الكوريين الشماليين ليسوا في موقف الضعيف. فعلى الرغم من أنهم يتوقون إلى الوقود إلى موارد أخرى، إلا أنهم لم يستجيبوا بسرعة قط للعقوبات الاقتصادية.

بشكل ينم عن مكر كبير دعت القيادة العسكرية في كوريا الشمالية إلى محادثات عسكرية مع نظيرتها في أميركا. وقد يكون هذا هو بالفعل المنصة التي قد يقترح الكوريون من خلالها وضع نهاية رسمية للحرب الكورية، وقد يكون هذا مقابل نوع من الضمانات الأمنية. هناك إمكانية أن توافق إدارة بوش بعد ما تعرضت له في حرب العراق وبعدما أفل نجم الصقور. قد تحتاج الدبلوماسية وقتا، ولكنها في النهاية قد تأتي بالنتائج المرجوة.

ترجمة: حاتم حسين

عن: «ايكونوميست»