عند هذا المنعطف المبكر من الكتاب يتناول بروفسور جون غازفنيان منظومة الطروحات، التي دأبت جهات عدة في الولايات المتحدة على ترديدها، وهي إمكانية إحلال النفط الإفريقي محل نفط الشرق الأوسط كأحد المصادر الغنية بالطاقة التي تهتم بها واشنطن اهتماماً فائقاً إن لم يكن لاستخدامها مباشرة، فعلى الأقل لحجبها عمن لا تريد تدفقها إليهم من منافسيها على الساحة الاقتصادية.
وهو يشكك في هذه الطروحات، بل يبادر إلى تفنيدها بقوة وحسم قبل أن ينتقل إلى نيجيريا، البلد الأكبر والأهم في إفريقيا في إنتاج النفط، والذي لا يتردد في تسميته بأرض التناقضات، ليطرح سؤالاً بالغ الأهمية وجديراً بالتوقف عنده طويلاً، وهو: هل تنسحب الشركات العالمية من نيجيريا؟ ومن المحقق أن القارئ سيلاحظ، في غضون ذلك، كله أن المؤلف يستخدم لفظة «الوهم» عندما ينتقل إلى الحديث عن مناطق استخراج النفط الإفريقي المتاخمة لسواحل القارة الإفريقية، ويشدد على أنه يتعين علينا ألا نصدق كل ما تروجه ماكينة الإعلام الغربية عن هذه المناطق، وأن نتذكر في الوقت نفسه أن إفريقيا جنوب الصحراء زودت الأسواق الدولية بالنفط بكميات لا يستهان بها، على مداد عقود بكاملها من الزمن.
بعقلية المحلّل التاريخي يواصل المؤلف مناقشة وتفنيد المقولة التي تصف إفريقيا بأنها بديل بترولي محتمل عن منطقة الشرق الأوسط. والمعروف أن هذه هي المقولة المفضلة حاليا عند ماكينات الدعاية والإعلام في أميركا. والمعروف أيضاً أن راسمي السياسة وصانعي القرارات الاستراتيجية في الولايات المتحدة لا يلبثون يرددون معزوفة قديمة أقرب إلى الاسطوانة المشروخة، كما يقول التعبير الدارج. وهذه المعزوفة تدور حول نغمة مكررة واحدة وهي مطلوب أن تنفطم أميركا عن التعاطي مع بترول الشرق الأوسط (عربيا كان أو إيرانيا) وهي أيضا: على سوق استهلاك الطاقة في أميركا أن تقلع عن عادة إدمان النفط لأنها ـ مثل كل إدمان ـ تعني الاعتماد إلى حد الاتكال والتدويل والتعويل الكامل على مصادر بترولية عربية في الأساس، وهذه الصبغة العربية تنصرف بحكم التعريف إلى مناهضة سياسات إسرائيل ومشروعها الصهيوني في السيطرة أو التسيد أو الهيمنة على مقاليد الأمور في منطقة الشرق الأوسط.
سؤال يطرح مجدداً
ينبغي إذن أن يعاد طرح السؤال من جديد: هل تصلح إفريقيا وآفاقها البترولية بديلا عن مصادر النفط الشرق أوسطية * أو بتعبير آخر: هل يصلح الترياق النفطي الإفريقي أكسيرا أو علاجا ناجعا يشفي السوق الأميركية من إدمان تعاطي النفط العربي؟
إن المؤلف يتشكك في هذا كله، ويفند هذه الطروحات جميعها، ويقول في مستهل فصول الكتاب: بصراحة فالأحوال في إفريقيا ما زالت أكثر صعوبة وتعقيداً وخطرا عن مثيلاتها في منطقة الشرق الأوسط. إن إفريقيا حاشدة بالبترول وأيضا بالحكومات الفاشلة «كما يقول المصطلح المعاصر في ميدان العلوم السياسية أو نظم الحكم التي ضرب الفساد في أطنابها واشتدت فيها أساليب الحكم الديكتاتوري واجتاحتها موجات من الحروب الأهلية والصراعات الداخلية، عشائرية، فئوية، جهوية وقبلية، وانتعشت في أرجائها تجارة الأسلحة غير المشروعة.
وبلغ الأمر ان أصبحت السيادة الوطنية أو الاستقلال السياسي مقصورين على رفع العلم وترديد النشيد والسيطرة على البث المباشر من الإذاعة أو التلفزيون». ثم يتوقف المؤلف في هذا السياق، لكي يحيل إلى النتيجة التي خلص إليها المعهد البحري الوطني في أميركا بشأن خليج غينيا الذي أصبح الأنشودة المفضلة نفطيا عند الاحتكارات والمصالح وجماعات اللوبي في واشنطن، والنتيجة تقول بغير مواربة: إن خليج غينيا يمثل ثاني مجرى مائي في العالم من ناحية الأخطار المحدقة والراهنة.
البحوث والبزنس
مع ذلك فلا تزال التحالفات الغربية تُعقد وتُبرم وتنشأ وتصاغ في أميركا بين أطراف شتى، أطراف من قبيل مراكز البحوث والمصالح النفطية العاتية وشركات العلاقات العامة وميديا الدعاية والإعلان وكبار رجال الأعمال.. كل هؤلاء جمعتهم تحالفات غير مقدسة، على نحو ما يصفها مؤلف الكتاب حيث امتدت هذه التحالفات لتضم بالتالي أطرافاً إفريقية تنتمي بحكم الأمر الواقع إلى نظم حكم مستبدة أو فاشلة أو فاسدة... سيّان.
والمشكلة في كل حال تتمثل في أن مصادر وآبار إفريقيا ما برحت تواصل إنتاج وتصدير البترول والغاز الطبيعي، لدرجة أن خبراء الاقتصاد الإفريقي يقدرون ان السنوات العشر المقبلة سوف تشهد تدفق نحو 200 مليار دولار إلى خزائن الحكومات الإفريقية، مما يجعل عقلاء المهتمين بالشأن الإفريقي ينبّهون إلى ضرورة تحويل هذا السيل المنهمر من التدفق النقدي ـ الريعي حتى لا ننسى ـ إلى مشاريع انمائية وخطط للتحديث وجهود ترمي إلى انتشال إفريقيا من ربقة الفقر والمرض والتخلف وتحذر من سقوطها في براثن الفساد وخراب الذمم وتشويه أنماط الاستهلاك وتدمير النظم البيئية فإذا بها تصبح (كالمنبّت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى).. وإذا بالبترول يتحول من نعمة واعدة إلى لعنة تحيق برؤوس الجميع.
بعد هذه الخلفيات الأساسية التي حرص المؤلف على أن يبسطها أمام قرائه في مطالع هذا الكتاب تبدأ أوديسة البحث عن البترول الإفريقي من أهم وأكبر بلد يقوم حاليا بإنتاجه.. نيجيريا.يلاحظ الزائر الآتي من بلاد الغرب ان الناس في نيجيريا يبدأون حديثهم حول الأكل أو الطقس أو السياسة، ولكن الحديث لا يلبث أن يتحول إلى موضوع البترول، وخاصة حول أهم مناطق إنتاجه في دلتا نهر النيجر.
ورغم ان كلمة بترول تستدعي إلى الخاطر مواقع الإنتاج وصهاريج المستودعات وآلات الحفر وشبكات الأنابيب وتحركات المهندسين والعمال لابسي الخوذات، إلا أن بترول دلتا النيجر يستدعي ـ كما يلاحظ المؤلف ـ مشاعر غاية في السلبية وصورا غاية في البشاعة.
إنها مشاعر انعدام الأمن وصور نشاط العصابات التي لا تهدأ من حيث ممارسة العنف المسلح، دع عنك ان تضم في الأساس عناصر الغلمان المراهقين الذين لا يتورعون عن الإغارة على شبكات الأنابيب ذاتها. بحيث يشفطون منها سائل النفط لزوم بيعه بعد ذلك في السوق السوداء لقاء أموال يجمعونها لحساب بارونات الحرب ورؤساء القبائل والعصابات.
هذه الأجواء المشحونة تشهد حوادث اختطاف عمال البترول الأجانب للإفراج عنهم لقاء فدية مدفوعة، وتشهد أيضاً مهاجمة محطات الإنتاج ونهب منشآت تصنيع البترول، وبعدها يفلت الجناة المغيرون دون خشية من حساب أو عقاب.
في أرض التناقضات
على كل حال، فالمسألة ليست سهلة في منطقة دلتا النيجر، عروس النفط في نيجيريا، إنها مؤلفة من 9 ولايات شبه مستقلة وتضم 185 من مناطق الحكم المحلي ويبلغ عدد سكانها 27 مليون نسمة ينقسمون إلى 40 جماعة عرقية تتفاهم ـ أو بالأدق لا تتفاهم ـ بواسطة 250 لهجة محلية تنتشر على صعيد 6000 مجتمع إقليمي فوق مساحة شاسعة من الأرض تبلغ 27 ألف ميل مربع مما يجعلها واحدة من أشد بقاع الكرة الأرضية كثافة وازدحاما.
ثم يلفت نظر الزائر الأجنبي وسط هذا التشابك بين البشر واللغات والأعراق والكيانات مدى التمايز، إلى حد التناقض، في أساليب المعيشة في دلتا النيجر، بين دارات منيعة ومساكن باذخة مكيفة الهواء، وتجاورها أكواخ تعيسة أقرب إلى كتل وفتحات من الطين الذي تجتاحه الحرارة والرطوبة الرهيبة في آن معاً..
وهكذا تجسدت المشكلة في نيجيريا، اكبر منتجي البترول في إفريقيا، يلخصها مؤلف كتابنا في عبارات بليغة يقول فيها: على مدار 50 عاما واصلت شركات البترول الأجنبية عملياتها واستثمرت ملايين الدولارات على شكل معدات سوبر متقدمة.. وتم هذا كله في غمار أحوال محلية تعود إلى العصر.. الحجري، فيا للتناقض الرهيب!
إنهم يشترون الأمنما حدث أيضاً هو أن شركات البترول الأجنبية أرادت أن «تشتري» أمنها وسلامة مواطنيها ومعداتها، فعمدت إلى دفع مبالغ بانتظام إلى رؤساء العشائر والقبائل كي يكفوا عنها أذى عصابات الشباب المراهقين المنتمين إلى تلك المجموعات المحلية الفقيرة، فكان أن أدى الأمر إلى إفساد ذمم القيادات المحلية والى اشتعال الصراعات الداخلية طمعا للفوز بغنائم الشركات النفطية المقبلة من الخارج.
وسقطت وسط هذا كله الأعراف الموروثة، وكان بعضها ايجابيا من حيث التضامن والتآزر والتكافل المعهود في مجتمع العشيرة أو القبيلة، وكان أن وقعت الشركات بين فكي كماشة، كما قد يقال، أو بين مطرقة الحكومة الفيدرالية ومطالبتها بمزيد من الإتاوات والمشاركة في الأرباح والعوائد النفطية، وبين مطالبات رؤساء العشائر وقيادات المجتمعات المحلية بدفع مبالغ هي أقرب إلى العطايا أو الرشاوى لضمان أمن العملية برمّتها.
ومع زيادة الصراعات القبلية والنزاعات المحلية كان على حكومة العاصمة المركزية أن تتدخل، وجاء تدخلها بواسطة قوات الشرطة المتحركة أو الراكبة المعروفة باسم «موبول» وهي شرطة لا تعرف تحقيقات ولا تتروى في بحث الأمور. قصارها ـ كما يوضح المؤلف (ص 26) أن تنهي أعمالها بسرعة على أساس مبدأ «اقتل وأمّن» الأمر الذي أسال أنهارا من دماء الضحايا التي اختلطت بقنوات البترول المستخرج من حقول دلتا النيجر وهو أمر تكرر باستمرار على مدار عقد التسعينات.
كل هذه الأموال والأفكار والأحداث حملت المؤلف على سيارة أوصلته إلى قارب بسيط اتجه به نحو مداخل الدلتا الإفريقية الشهيرة، عند ميناء هاركورت المتخصص في تصدير النفط إلى الخارج. طابعه أولا الأسوار الحصينة التي تحرس المنشآت العالية والمساكن الأنيقة والمنتزهات الخضراء التي أقامتها لموظفيها شركات النفط الأجنبية ظل القارب يشق طريقه وسط جداول مائية حافلة بالمخلفات والملوثات إلى أن بلغ الركب إحدى القرى التي تجاور مواقع إنتاج وتصدير البترول.
وسط الأكواخ والنفايات اجتمع مؤلفنا إلى جماعة من قيادات القرية وتحدث باسمهم فيكتور سولومون الذي قدم نفسه على أنه قائد للشباب قال: يا سيدي، نحن ما زلنا نعاني مشقة الحياة وشظف المعيشة. ظلت الشركات البريطانية والأميركية تحصل على بترولنا فما الذي جنيناه سوى 43 سنة من المجاعة والمرض؟ هذا ناهيك عن أن أنشطة التنقيب والإنتاج أدت إلى تلويث المياه ونفقت الأسماك وفَقَد الناس في القرى واحدا من أهم أسباب الرزق ولو كان رزق الكفاف.
الفساد ومعاول الشقاء
بيد أن هذا الحرمان له وجه آخر، إنه وجه الفساد والتربّح وشفط الأموال من عائدات النفط لصالح قلة من الأفراد المحظوظين، ومعظم هؤلاء الأفراد كانوا يتولون مناصب عليا وخاصة في سلك الإدارة العليا بالمناطق المحلية والأقاليم الجهوية التي تنقسم اليها نيجيريا.
يشير المؤلف إلى مجموعات من المساكن الباذخة والبيوت الفارهة في أرقى ضواحي لندن ـ ويضيف أنها ـ من أسماء مالكيها ـ جاءت نتيجة هذا التلاعب والتربح والاستغلال غير المشروع لأموال النفط النيجيري. لا عجب ان فوجئ الناس بشرطة العاصمة الانجليزية (المتروبولتان) تصدر أمر اعتقال بحق ديبري المسيخا حاكم ولاية بايلسا النيجيرية. كان ذلك في سبتمبر من عام 2005.
وكان المذكور في إحدى زياراته المتكررة كما يصفها المؤلف لعاصمة بريطانيا وقد وجهوا إليه يومها 3 تهم بغسيل الأموال المجموعة من مصادر غير مشروعة أو المجهولة المصدر. وكان المسؤول النيجيري موضع شك ومراقبة، سواء من جانب سلطات بلاده أو السلطات الانجليزية، بعد ان اتضح أنه سرق ملايين الدولارات من الولاية التي كان يتولى إدارتها وعلى شكل مبالغ نقدية من أجل أن يشتري لحسابه مصفاة تكرير للنفط في أكوادور بأميركا اللاتينية (!) فضلا عن عقارات فارهة اقتناها في لندن وكاليفورنيا وجنوب أفريقيا.
ويتابع مؤلفنا ملابسات هذه القضية قائلاً: يومها أصدر القاضي البريطاني قراره بالإفراج عن المتهم بكفالة مع احتجاز جواز سفره لدى السلطات، وكم كانت دهشة المراقبين والمتابعين عندما فوجئوا بالسيد المسيخا شخصيا وهو يتحدث في مؤتمر صحافي معقود - على سن ورمح - في مدينة يناغوا عاصمة بايلسا، الولاية التي يحكمها سيادته في قلب نيجيريا.
أصل الحكاية أن أموال الرجل مهما كانت مشروعية، أو عدم مشروعية مصادرها - اشترت له جواز سفر مزيفا وأتاحت له أن يفلت عبر مطار هيثرو في زي امرأة أفريقية إلى أن وصل إلى مقر وظيفته العالية ليخاطب الجماهير مشيرا إلى أن عودته إلى «أحضانها» ستظل لغزا مستورا مع التأكيد بأن الأمر يستوجب أن «نحمد الله سبحانه على ما افاءه على عبده.. النيجيري الفقير«!
صحيح أن الأمر تحوّل في نهاية المطاف إلى عزل الرجل من وظيفته الرفيعة، وصحيح أن بايلسا التي كان يحكمها تعد من أصغر ولايات نيجيريا الست والثلاثين بل هي أحدثها جميعها، ولكن الصحيح أيضاً انها تنتج 30 في المئة بالتمام والكمال من إجمالي إنتاج نيجيريا من خامات النفط.
لقاء مع مسؤول كبير
في السياق نفسه، رأى المؤلف أن يطل على أبعاد الصورة التي يحللها من المنظور الآخر، لقد أطل عليها من زاوية أهل نيجيريا أنفسهم، فماذا لو جرب الإطلالة من زاوية الطرف القادم من الخارج، وبالتحديد طرف شركات النفط واحتكاراته العالمية؟
وهنا يحكي المؤلف عن تفاصيل مغامرته لكي يلتقي بـ «كريس فينا ليسون» رئيس مجلس ادارة الشعبة الأفريقية من شركة شل الشهيرة لأعمال البترول. تمت المقابلة في برج شل الباذخ في لاغوس كبرى مدن نيجيريا. وبدأت بعبارة ساقها كريس بنبرة تفاخر مؤكدا أن الشركة قررت نقل جميع موظفي شعبتها الأفريقية من لاهاي الهولندية إلى لاغوس النيجيرية» لكي يتم كل شيء من أرض أفريقيا..».
وكان طبيعيا أن يرسم المسؤول النفطي الكبير صورة التحسن الذي يطرأ على الأحوال الميدانية. أعترف أنه بطيء الخطى ولكنه يواصل الاطراد. وبعدها استرسل الرجل في العرض المفضّل لدى مسؤولي النفط الدوليين متباهيا بتشغيل أفواج من أهل البلاد وإشراك الحكومة الوطنية في العوائد والأرباح. وفي هذا السياق واصل الحديث متحمسا ليقول على مسامع المؤلف: نحن لم نعد ندفع رشاوي نقدية لقاء أمن مؤسستنا داخل البلاد. صحيح أن هذا حدث سابقا وصحيح أن ارتكبنا أخطاء في الماضي. ولكننا لا نستطيع أن ندعي أننا أفضل معرفة بأحوال البلد من الساسة المنتمين إليه.
هل تنسحب الشركات؟
نلاحظ في سياق هذا الحوار أن المؤلف لم يفته الإشارة إلى الدراسة المهمة التي تعاقدت شل على إجرائها تحت جناح من السرية مع مؤسسة استشارية وجاء تقرير الدراسة الذي سربوا بعض محتوياته إلى الصحافة ليحذر قائلا (ص 77): إذا لم تتحسن الأوضاع في دلتا نهر النيجر فلن تستطيع شل أن تواصل نشاطها النفطي بعد حلول عام 2008 دون أن تنتهك بذلك المبادئ الأساسية التي تتبعها أعمالها.
ويعلق المؤلف ليقول في هذا الصدد: هذه الرؤية تشير إلى أن هذه الشركة العالمية الكبرى ربما يتعين عليها أن ترتب أمر مغادرة أو تراجعا سريعا تفارق به منطقة من أهم مناطق احتياطيات النفط المضمونة في العالم. وهو أمر ارتفعت له حواجب الدهشة بين كبار محللي الصناعة البترولية في الكرة الأرضية.
وسواء تراجعت الاحتكارات النفطية العالمية أو استثمرت في تلك البقعة من وسط وغرب أفريقيا، فالحاصل أن احتياطيات وصناعة النفط الإفريقي انطوت على ما يمكن أن نسميه «جدل الظاهرة» بمعنى أنها انطوت على تغيرات اقتصادية وثقافية واجتماعية وسلوكية فيها جوانبها الايجابية من حيث زيادة الإمكانات والموارد بقدر ما احتوت من سلبيات التربح والفساد والرشوة واستحلال المورد العام.
الفيصل في التحليل الأخير هو ما يشير إليه المؤلف إزاء محصلة التجربة حين بدأت نيجيريا الاستقلال منذ السبعينات وهي يحدوها الأمل في تغيير الحياة وإنهاء تركة التخلف والحرمان الموروثة منذ عصور الاستعمار. لكنها انتهت مع ختام عقد التسعينات والقرن الماضي بأكمله وهي مصنفة عالميا في عداد الدول المتخلفة التي يعامل رعاياها المسافرون هنا وهناك بقدر ملحوظ من عدم الاحترام حيث يفتشون ويلاحقون ولدرجة أن تعلن أوساط الطيران الدولي ان أكبر مطاراتهم في لاغوس لا يلبي أبسط شروط الأمن ومعايير السلامة.
هكذا جاءت الظاهرة النفطية أقرب إلى الأمل الذي تحوّل إلى أشباح، أو إلى نوع من الأوهام المحببة التي تراود الناس بين أضغاث الأحلام. وهنا نلاحظ أيضاً أن المؤلف يستخدم لفظة «الوهم» عندما يتحوّل بنا للحديث عن مناطق استخراج البترول الإفريقي المتاخمة لسواحل القارة الأفريقية.
وهنا أيضاً يطالع قراءه عند تصفح الفصل الثاني قائلا: لا تصدقوا كل ما تطالعه في الصور وميديا الإعلام، وغير صحيح ما نشروه وأذاعوه من أن إفريقيا لم تكن قط منتجة للبترول أو أن النفط هبط عليهم مثل المن والسلوى من سماء الحظ السعيد.. والحقيقة يضيف المؤلف (ص 83) ان إفريقيا جنوب الصحراء طلت تزود السوق الدولية بإمدادات صحية (بمعنى اقتصادية) على مدار عشرات السنين.
عرض ومناقشة: محمد الخولي


