ما تم التنبؤ به في سبتمبر الماضي، وهو انسحاب العناصر المتنمرة القديمة في الحزب الجمهوري من سياسة الحرب التي يتبعها بوش، حدث مؤخرا. لقد أصبحت بداية النهاية للتورط الأميركي في الحرب على العراق قريبة. قال السناتور ريتشارد لوغار من ولاية إنديانا مؤخراً: «إنني أقف اليوم لأقدم ملاحظات حول التورط المتواصل للولايات المتحدة في العراق. لم تعد لمسارنا في العراق صلة بمصالحنا الحيوية في الشرق الأوسط وما يتجاوزه».
وحسب قول الرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية الذي خدم ست دورات برلمانية، فإن ثلاثة عوامل تجعل نجاح «زيادة عدد القوات» أمراً غير محتمل ـ وإعادة نشر الولايات المتحدة لقواتها بعيداً عن ساحة المعركة وربما خارج العراق أمراً إلزامياً، وهي التفتت السياسي في العراق، تزايد الضغوطات على القوات العسكرية الأميركية، وتقوض الدعم في أميركا.
ويقدم موقف لوغار غطاءً للجمهوريين الحريصين على التملص من الوضع الراهن والانضمام إلى الجوقة الداعية إلى الانسحاب المبكر. وباستثناء السناتور جون ماكين، وقلة من الجنرالات، وبعض المعلقين من المحافظين الجدد، ليس هناك أحد يطالب بالمزيد من القوات الأميركية. فالمواقف معلنة على رؤوس الأشهاد.
قال لوغار: «يجب أن يجري تغيير على المسار الآن. ولكن إذا كان تشخيصه يبدو أنه في محله، فإن علاجه يفتقر إلى سرعة التصديق».
يقول لوغار إن للولايات المتحدة أربعة أهداف استراتيجية. تتمثل في منع إيجاد ملاذ آمن للإرهابيين. ومنع انتشار الحرب الطائفية إلى الشرق الأوسط الأوسع نطاقاً. والحيلولة دون سيطرة إيران على المنطقة. والحد من فقدان المصداقية الأميركية على امتداد المنطقة والعالم نتيجةً لمهمة فاشلة في العراق.
والسياسة التي يوصي بها لوغار لضمان تحقيق هذه الأهداف تتمثل في: «خفض قوام القوات العسكرية الأميركية وإعادة نشرها إلى مواقع أكثر قابلية للحفاظ عليها في العراق والشرق الأوسط».
يطالب لوغار بما اقترحته مجموعة دراسة العراق، وهو نقل الألوية القتالية الأميركية خارج مناطق العمليات وخارج البلد، وتسليم مهامها إلى العراقيين.
ربما يتفق معظم الأميركيين مع لوغار ويشجعونه. ولكن ما يصعب إدراكه هو الصلة بين الأهداف التي أعلنها حيوية والمسار السياسي الذي يقترحه لضمانها.
هذه القوات الأميركية التي يبلغ قوامها 150 ألف جندي هي الوحدات الأكثر فعالية، إن لم تكن الوحيدة التي يعتمد عليها، التي تمنع نشوب الحرب الأهلية الشاملة وتدافع عن الحكومة، والمتعاقدين، وموظفي الإغاثة، والمنطقة الخضراء. إذا قمنا بسحبها، إلى أي مدى سيكون الأميركيون الباقون هناك وأصدقاء أميركا آمنين في العراق؟ ما الذي سيمنع العدو من شن هجمات شبيهة بهجوم تيت الفيتنامي في القطاعات التي تخلت عنها الولايات المتحدة؟ عندما وقع هجوم تيت في فيتنام عام 1968، كانت لدينا قوات أميركية قوامها 500 ألف جندي للتعامل معهم. لقد آن أوان كشف الحقيقة بالفعل.
بعد أربعة أعوام، وبعد أن لقي 3500شخص حتفهم، وأصيب 25 ألف شخص آخرون وإنفاق نصف تريليون دولار، فإن أهداف السيناتور لوغار الاستراتيجية الأربعة ليست غير محققة فحسب، وإنما تنحسر أيضاً. وإبعاد القوات الأميركية لن يقوم سوى بتعجيل اليوم الذي سيضيع فيه كل شيء.
إذا فشلت القوات الأميركية، الأكثر فعالية في العراق، في اجتثاث أوكار القاعدة في الأنبار، فكيف يفترض أن الحكومة التي تسيطر عليها الشيعة والجيش العراقي سينجحان؟
مع وصول الحرب الأهلية الطائفية إلى أوجها عندما تكون زيادة القوات الأميركية جارية، كيف سيخمد إنهاء الزيادة وسحب تلك القوات، وليس إطلاقها، الرغبات في القتل؟
بالنسبة لسيطرة إيران على الخليج، فإن الخوف من ذلك كان حجة بارزة طرحت ضد شن الحرب. حيث قيل إذا دمرتم الأمة العربية الوحيدة في الخليج القادرة على مواجهة إيران، وأطحتم بنظامها السني، وفرضت حكم الأغلبية، أي، حكم الشيعة، كيف يمكن ألا تكون إيران هي المستفيدة؟
هذه الحرب لم يتم التفكير فيها ملياً. ولم تتم إدارتها بصورة سيئة فحسب، وإنما كانت خطأً استراتيجياً تاريخياً في المقام الأول.
أي حرب أميركية تشن للإطاحة بأعداء إيران ـ طالبان في كابول، أو صدام والبعثيين السنة التابعين له في بغداد، لا يمكن سوى أن ينتج عنها جعل إيران أكثر حضورا في الخليج عندما يغادر الأميركيون. عن طريق إزالة النفوذ المضاد لطهران، فإننا ضمنا إما أن نصبح نحن ذلك النفوذ أو النفوذ المضاد أو لا يوجد هذا النفوذ المضاد على الإطلاق.
بالنسبة للحيلولة دون فقدان المصداقية الأميركية في المنطقة والعالم، فإنه فات الأوان على ذلك. لقد قال أسامة بن لادن مرة إن الأميركيين أضعف من الروس. وأنهم لن يتحملوا الخسائر؟ هل كان مخطئاً؟
في تقويمه للحكومة العراقية، بالنسبة للجيش الأميركي المتصدع والرغبة الأميركية المتضائلة لتحمل هذه الحرب، فإن لوغار محق. ولكن ليس هناك دبلوماسية فعالة ستصون لأميركا ما لم يستطع أفضل جيش في العالم الاحتفاظ به.
يجب أن تنتهي عمليات خداع الذات. عندما نخفض قوام القوات الأميركية ونسحبها، ستزيد بثبات احتمالات أن تنتهي هذه الحرب كما انتهت الحرب في جنوب شرق آسيا ـ أي بذبح أصدقائنا وانتصار أعدائنا. وقد نأمل جميعنا بعدم حدوث ذلك، ولكن الأمل فضيلة، وليس سياسة.
color="0066ff">ترجمة: كوثر علي ــ عن «أنتي وور»