بجانب كل شمائله الأخرى، يبدو أن الرئيس الأميركي الأسبق توماس جيفرسون كانت لديه القدرة على التنبؤ بالأشياء. في خطاب تنصيبه رئيسا للبلاد في 1901، تعرض جيفرسون لقائمة طويلة من المبادئ الرئيسية التي تنظم عملية إدارة الدولة، كانت أهمها إضاءات لقانون الحقوق.

وصف جيفرسون عملية الحفاظ على القوة الدستورية للحكومة بأنها الدعامة التي تضمن قيام السلام داخل البلاد وفي الخارج أيضا. وقال إن هذه المبادئ ينبغي أن تكون أساس العقيدة السياسية للبلاد. وأضاف: «في حال الشرود عن تلك المبادئ في لحظات الخطأ أو الخطر، فإنه ينبغي أن نسرع لاقتفاء أثرنا واستعادة معالم الطريق الذي يوصلنا وحده إلى السلام والحرية والأمن».

في الذكرى الـ 231 لإعلان الاستقلال عن الحكم البريطاني، يتبين أن الولايات المتحدة بحاجة ماسة اليوم إلى استعادة الحقوق والحريات التي فقدناها في محاولة مزيفة للحصول على الأمن والتي وضعت أميركا على حافة الخطر.

فللنظر إلى ما فقدناه

إجراءات فيدرالية كاسحة، معظمها مغلف بالسرية جردت الأميركيين من حق التمتع بخصوصيتهم، بل إنها أفقدتهم حرية الحركة. فابتداءً من التنصت غير المصرح به ومراقبة البريد الإلكتروني، مرورا بالرسائل التي تطلب سرا معلومات عن ألوف المواطنين انتهاءّ بما قد يظهر قريبا في صورة وثيقة معادلة لبطاقات الهوية الوطنية ـ فإن كل تلك الأشياء كان من شأنها ان تثير سخط رئيس مثل جيفرسون.

أما حال ما يشتبه فيهم بأنهم أعداء لأميركا فهي أسوأ بكثير. فهم يتعرضون للتعذيب ويحتجزون لآجال غير معروفة ويجري نفيهم إلى معتقلات سرية في الخارج حتى لا يعرف أحد ماذا يعملون أو ماذا يُصنع بهم. لقد كانت الولايات المتحدة محظوظة لأنها لم تتعرض لهجمات إرهابية منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

ولكن لا يوجد دليل على أن هذه الإجراءات المعقدة لها أي علاقة بتفادي أميركا لهجمات إرهابية مماثلة لهجمات سبتمبر. فما فعلته تلك الإجراءات هو أنها ساهمت بشكل أكبر في عزل الولايات المتحدة في وقت جردت فيه حرب العراق أميركا من أي نوايا طيبة قد يظن أي فرد أنها تمتلكها. وأصبح العراق الآن بؤرة جديدة لتطوير أسلحة للإرهابيين، مثل قنابل الشوارع والتكتيكات المصاحبة لها.

في الأشهر والأسابيع التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر، وعندما أخذت إدارة بوش في تحجيم نطاق الحريات المدنية من خلال ما أطلق عليه قانون باتريوت لمكافحة الإرهاب، فإن المسافرين وجدوا أنه لزام عليهم التجاوب مع ما فُرض عليهم من محاذير لم يسبق لها مثيل، وحينها اقتنع الأميركيون الذين كان يتملكهم الخوف مما حدث بقبول التضحية في مقابل الحصول على مزيد من الأمن.

غير أن جيفرسون كان سيرى هذا خيارا خاطئا. فالحرية هي مصدر الأمن، والحكومة المنفتحة التي تشعر بالمسؤولية تجاه شعبها هي أفضل حماية ضد الطغيان وعدم الكفاءة. فالقيود المفروضة على السفر في صورة وثائق هوية ـ وهي بالمناسبة لا تستهدف الإرهابيين وإنما تستهدف المهاجرين غير الشرعيين ـ تعكس التكلفة التي نتكبدها بسبب وجود قوة بلا رادع تتحكم في أسلوب الحياة الأميركية.

إن الصورة المرسومة الآن لنائب الرئيس ديك تشيني باعتباره اليد الخفية التي تقف وراء ما يحدث من انتهاكات سافرة للحقوق المدنية تعضد بقوة من وجهة نظر جيفرسون والتي تفيد بأنه آن الأوان للتوقف عن تلك الخطوات الخاطئة والعودة مرة أخرى إلى الطريق المؤدي إلى السلام والحرية والأمن.

ينبغي الآن للكونغرس، الذي يسيطر عليه الآن الديمقراطيون كنتيجة طبيعية لما قام به الجمهوريون من إجراءات مغلطة، البدء في عملية كشف للحقائق بأكملها. من حق الشعب الأميركي أن يعلم ما يجري باسمه وما يؤثر في ملكيته لتلك الحقوق.

البعض يرى أن مثل هذه المراجعة العامة للأمور ستسمح لأعداء أميركا بمعرفة أسرارها. غير أن التجربة تفيد أن السرية غالبا ما تحمي السرقة وسوء استخدام السلطة. على سبيل المثال نجد أن مدققي وزارة العدل الأميركية قد أعلنوا في مارس الماضي أن مكتب التحقيقات الفيدرالي قد أساء استخدام ـ بشكل يخالف القانون ـ خطابات خاصة بالأمن القومي والتي من خلالها تم طلب معلومات خاصة، من دون إذن قضائي أو إشعار يرسل للشخص المعني، عن مواطنين أميركيين. ويعترف مكتب التحقيقات الفيدرالي بنحو 1000 واقعة في هذا الصدد.

ولأميركا تاريخ طويل من انتهاك القيود الدستورية في أوقات التعرض للخطر. فقد أوقف الرئيس الأميركي الأسبق أبراهام لينكولن إجراءات الحماية من الاعتقال غير القانوني أثناء الحرب الأهلية. وأمر الرئيس الأسبق فرانكلين روزفلت باحتجاز الأميركيين من أصل ياباني في معتقلات أثناء الحرب العالمية الثانية.

ولمكتب التحقيقات الفيدرالي تاريخ طويل في هذا الصدد يمتد حتى إلى ما قبل إنشائه. فقد قام إدغار هوفر قبل توليه منصب المدير الأول للمكتب بإرسال عملاء فيدراليين للقيام بهجوم قاتل وحشي ضد 10 آلاف شيوعي مشتبه فيهم في عام 1919.

وأثناء الحرب الباردة وفي ظل الأجواء الملتهبة في فيتنام، أعطى هوفر تعليمات بقمع الجواسيس ومناهضي الحرب ونشطاء حقوق الإنسان وكذلك المشتبه فيهم بأنهم شيوعيون. كما وردت تقارير مؤخرا تفيد بتورط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في التخطيط لاغتيال رؤساء دول أجنبية ومنشقين سياسيين والتجسس على صحافيين أميركيين.

لقد أسفر الغضب الشعبي على مثل تلك الانتهاكات عن نوع من أنواع الإجراءات الإصلاحية يتشابه مع ما كان يوصي به جيفرسون. وقد تظهر هذه الإجراءات للنور قريبا عن طريق الكونغرس والمحاكم، وهي الإجراءات التي من شأنها فرض قيود على إدارة أميركية شعرت بشكل أكبر من أي إدارة أخرى بأنها فوق القانون.

إن الدمار الذي أحدثه إرهابيو الحادي عشر من سبتمبر بدأ في التضاؤل إذا ما قورن بما قامت به أميركا ضد نفسها عن طريق هذه الحكومة.

ترجمة: حاتم حسين عن «بالتيمور صن»