حسن نصر الله رجل يجسد المقاومة ضد إسرائيل منذ 25 عاماً وظهور حزب إسلامي كبير هو حزب الله في بلد متعدد المذاهب هو لبنان. أما إسرائيل فلقد أعلنته «هدفا عسكريا». وكل يوم يمضي منذ الحرب التي بدأتها تل أبيب ضد مقاتلي هذا الحزب في صيف 2006.

يحلق الطيران الحربي الإسرائيلي في سماء لبنان ـ على الرغم من الاحتجاجات التي تبديها قوة «اليونيفيل» الدولية التابعة للأمم المتحدة والمتمركزة على الحدود الجنوبية للبنان- في محاولة منها لرصد تحركات مقاتلي حزب الله وزعيمه، علما بأن تلك الأعمال تنتهك قرار مجلس الأمن الدولي الذي وضع حدا للمواجهة بين الجانبين ولو إلى حين.

نصر الله معرض لخطر الموت بصاروخ إسرائيلي، مثلما حدث في غزة قبل ثلاث سنوات مع الشيخ أحمد ياسين الزعيم الروحي لحركة حماس. وحتى نتمكن من الالتقاء به غيرنا السيارة التي تقلنا خمس مرات في محطات مختلفة تحت الأرض. وسافرنا من دون رؤية شيء طوال ساعة من الزمن، مستخدمين شاحنات متعاقبة لنصل في النهاية إلى مكتب تحت الأرض أيضا مجهز لهذه المناسبة بالذات ومزين بالعلم اللبناني وراية حزب الله.

الرجل الذي يستقبلنا يبدو ميالا للحديث في السياسة أكثر من الخوض في تفاصيل المعارك والحروب. فالأوقات قد تغيرت منذ أن وضعت الحرب الأخيرة أوزارها، وذلك عندما اجبر حزب الله الجيش الإسرائيلي على الانسحاب من الجنوب اللبناني، لكن نصره لم يكن كاملا.

خمسة آلاف جندي من جنود الأمم المتحدة وآخرين من الجيش اللبناني يرابطون اليوم في الشريط الحدودي مع إسرائيل، الأمر الذي يحد من تحركات المقاومة، التي كانت قواعدها منتشرة في تلك المنطقة، كما أن احتمالات اندلاع حرب جديدة بين حزب الله والدولة العبرية قد باتت ضئيلة.

ويقول نصر الله: «وفقا لقرار الأمم المتحدة والاتفاقات التي وقعناها مع الحكومة اللبنانية، فلقد قمنا بتسليم تلك القواعد للجيش اللبناني، الذي يتولى اليوم أمن الحدود، لكننا لا ننسى أننا نحن سكان تلك المنطقة. وبالتالي إذا تعرضنا للاعتداء، فإننا سندافع عن أنفسنا ونقاتل».

كما أن خروج حزب الله وحركة أمل من الحكومة في نوفمبر 2006 قد أغرق لبنان في أزمة سياسية خانقة، وهما يطالبان بدستور حكومة وحدة وطنية سيكون لهما فيها الأقلية لكن مع التمتع بالقدرة على التعطيل وبدعم من الرئيس إميل لحود لا يسمحان بعقد جلسات البرلمان.

في إطار » تلك الحرب الأهلية الصامتة«، يعتبر واقع أن حزب الله لم ينزع سلاحه مصدر قلق للبعض، على الرغم من أن نصر الله يؤكد أن «حزب الله لم يستخدم قط ذلك السلاح في إطار الصراعات السياسية الداخلية. وكل الانتخابات التي شاركنا فيها تثبت أننا نتشاطر الطريق السياسية وأننا فعلنا كل ما في وسعنا للحيلولة دون نشوب حرب أهلية وذلك من أجل التوصل إلى حل للصراع عن طريق الحوار السياسي».

حزب الله لم يتمكن من التخلص، في عيون الغرب، من وصفه بأنه تنظيم » إرهابي» منذ نشأته في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. بينما قامت إسرائيل بغزو لبنان وسط حرب أهلية طاحنة بين المسيحيين والمسلمين في محاولة لضرب البنية العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية المتمركز في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الذي وصلوا إلى لبنان إثر حرب 1948.

وحينها تمكن الجيش الإسرائيلي من دحر قوات الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية والوصول حتى بيروت واحتلال جنوب لبنان، الذي تقطنه غالبية شيعية. وحينها قررت ثلة من الشباب اللبناني، الذين تلقوا تعليمهم في قم والنجف، إطلاق شرارة المقاومة المسلحة ضد إسرائيل وفي عامي 1982 و1983 نفذوا هجمات انتحارية ضد مواقع عسكرية إسرائيلية وقواعد أميركية وفرنسية، لكنهم أصبحوا مشهورين بعد القيام بعمليات خطف دبلوماسيين وصحافيين، على الرغم من عدم الاعتراف بذلك حتى الآن.

وفي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ووسط هستيريا مناهضة للإسلام، أدرج جورج دبليو بوش وحكومات أوروبية عدة حرب الله في قوائمهم الخاصة بالمنظمات الإرهابية، مؤكدين، من دون أدلة، أن هذا الحزب كان مسؤولا عن اعتداء نفذ عام 1994 ضد جمعية يهودية في بوينس أيريس. لكن الحكومة الفرنسية نأت بنفسها عن الموقف الأميركي حينئذ.

لكن بعد مرور عام على الصراع الأخير ثمة جزء مهم من الرأي العالم لا يشارك في هذه الرؤية لحزب الله.

منذ ديسمبر 2006 وألوف المتظاهرين المناصرين للحزب يتجمعون في الساحة الرئيسية للعاصمة بالقرب من مقر البرلمان المحروس من قبل الجيش اللبناني الموالي لرئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة. كما يشارك في هذه التجمعات شبان من أحزاب قومية عدة أو موالين لسوريا فضلا عن أنصار التيار الوطني الحر، الحزب الماروني الذي يتمتع بأوسع تمثيل في مجلس النواب.

بالنسبة لكل هؤلاء يعتبر حزب الله حزب المقاومة ضد إسرائيل والذي حافظ على جذوة حرب العصابات ضد المعتدي حتى عام 2000 مجبرا إياه على الانسحاب من الجنوب اللبناني في ذلك العام، كما لقن جيشه بعد ست سنوات درسا قاسيا عندما هاجم الأخير الجنوب اللبناني للقضاء على البنية التحتية لحزب الله.

وعلى مدار تلك السنوات تشكل نوع من الالتفاف حول فكرة المقاومة بين حزب الله واليسار العلماني والشيوعيين والقوميين العرب والمسيحيين والمسلمين عموما. من بين الحجج التي تطرحها واشنطن لتبرير وضع حزب الله ضمن معسكر «الشر» يبرز موقف الحزب التاريخي من إسرائيل، فعلى الصعيد الرسمي يواصل الحزب عدم اعترافه بالدولة الإسرائيلية ويعتبرها غير شرعية.

لكن التغيرات العسكرية الحاصلة على الحدود الجنوبية يبدو أنها تحدث نوعا من التأثير على موقف قيادة الحزب وتجعله أقل تشددا، ففي معرض رد نصر الله على سؤال حول إمكانية اعتراف الحزب بإسرائيل في حال قامت حركة حماس بذلك قال: «ليس بالضرورة.

فهذا لا يجبرنا على القيام بذلك. لكن لا يتعين علي أن أتخذ القرار بدلا عن الفلسطينيين، وأنا لا أقول لهم إنه يتعين عليكم طردهم وقتلهم ورميهم في البحر، بل أقول لهم إنه يتوجب علينا أن نعيد للفلسطينيين حقوقهم. لكن مهما حدث فإننا سنحترم خيار وإرادة الشعب الفلسطيني مهما كان ذلك الاختيار وتلك الإرادة».

لكن نصر الله يقر بحذر شديد بإمكانية الاعتراف بإسرائيل في حال قررت غالبية الفلسطينيين ذلك. كما يرفض حزب الله ما يدور حول رغبته بفرض جمهورية إسلامية مستوحاة من النموذج الإيراني في كنف المجتمع اللبناني. ومنذ بداية التسعينيات وحزب الله يقدم مرشحين للانتخابات التشريعية، وانتهى به الأمر، عمليا، إلى الاعتراف بالدولة اللبنانية، التي تتقاسم السلطة فيها بين الطوائف اللبنانية الأربع الكبرى، حيث يشكل حزب الله المجموعة الثالثة في البرلمان اللبناني.

ويبين حسن نصر الله لنا الأسباب التي جعلت الحزب يتخلى عن مشروعه الأصلي قائلا: «لو كان السواد الأعظم من اللبنانيين مسلما لكنا عملنا لصالح جمهورية إسلامية، لكن جراء التعددية والتنوع المجتمعي والديني في لبنان وبحكم وجود مسلمين لا يرغبون بدولة إسلامية أيضا فإنه من الطبيعي أن نتوقع طريقا آخر. طريق جمهورية شعبية منبثقة عن الانتخابات وقائمة على العدل والمساواة، وهما قيمتان إسلاميتان».

لا شك بأن العلاقة بين حزب الله وإيران هي علاقة ودية. فلقد زودت إيران قوات الحزب بمعظم الصواريخ الموجهة الحديثة، التي قضت في 2006 على أكثر من دبابة إسرائيلية من نوع ميركافا. كما أن نخبة هذه القوات قد تلقت تدريبات على يد الحرس الجمهوري الإيراني في سهل البقاع، فضلا عن التمويل الذي يتلقاه حزب الله من إيران والهبات السخية التي تلقتها المستشفيات التي قام الحزب ببنائها في الضاحية الجنوبية في بيروت.

وعندما سألنا الأمين العام لحزب الله حول الشكوك التي تدور حول قدرة حزبه على التعبير عن وجهات نظر مغايرة لآراء الحكومة الإيرانية، جاء الرد حاسما: «بالطبع نستطيع ذلك، فالجمهورية الإسلامية الإيرانية دولة لها مصالحها الإقليمية الخاصة. وبوسعها الدخول في صراع مع الدول المجاورة. هل نحن مجبرون على الدخول في صراع مع تلك الدول نفسها؟ لا، لسنا مجبرين».

ترجمة: باسل أبو حمدة عن«لاهورنادا»