في ختام هذا الكتاب، تمضي بنا المؤلفة رندة كيالي إلى استشراف آفاق المستقبل بالنسبة للأميركيين العرب مرورا بتحليل دقيق لأوضاعهم منذ مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حتى الآن، وهي تلفت نظرنا إلى تحديين كبيرين يتعين عليهم التصدي لهما.

أما التحدي الأول فهو مواجهة ألوان التمييز العديدة ضدهم التي يتعرضون لها اليوم والتي لا يبدو أنها بسبيلها إلى الانحسار في المستقبل القريب. وأما التحدي الثاني فهو التغلب على نذر الانقسامات في صفوفهم، وهي بدورها عديدة ولا سبيل إلى الاستهانة بها. من المفارقات أن تحالفات قد أقيمت حول هوية أميركية عربية مشتركة حتى حين كان الوصف بالعربي يواجه تعليقات تحقيرية في الولايات المتحدة ومثيرة للجدل داخل الجالية. إن التصوير العام للعرب ضمن فئة واحدة، بدلا من المجموعة المتنوعة والمتغايرة الخواص، قد أضرّ بالعرب وأدى إلى إحباطات لدى أبناء الشرق الأوسط الذين لا يعرّفون أنفسهم كعرب. ويتم تقديم العرب والمسلمين في وسائل الإعلام على أنهم متخلفون بالوراثة، وأدنى مرتبة من الثقافة البيضاء السائدة. وفي السبعينات، سادت صورة الرجال العرب على أنهم أغنياء، ويتساوون مع الإرهابيين، وفي مناخ هذه الأيام فإن الصورة النمطية السائدة للرجل العربي هي إرهابي ملتح، وتظل الصورة التنميطية للمرأة العربية إما كراقصة شرقية أو كمجموعة مقموعة ترتدي الجلابيب السوداء والحجاب، لا تظهر منهن سوى العيون.

ومع أن كل مجموعة تُحسب مع قضايا خاصة بها، فإن أثر ردة الفعل المشترك خلال حرب الخليج الثانية وبعدها جمع بين مجموعات الأميركيين من أصل جنوب آسيوي، والأميركيين العرب للنضال من أجل قانون جرائم الكراهية لحماية جالياتهم. وتعززت تحالفات أخرى مع الأميركيين الآسيويين بعد الحادي عشر من سبتمبر، عندما أصبح الأميركيون العرب مستهدفين من قبل السلطات الأميركية التي اختارتهم من دون غيرهم على أساس أصلهم الإثني، وتعمّقت تحالفات مع الجنوب آسيويين، الذين استهدفوا هم أيضا. وتشير أعداد مقابلات الـ (اف بي آي) للأميركيين العرب، وإخضاع التقسيمات السكانية للأميركيين العرب من مكتب التعداد السكاني لوزارة الأمن الداخلي إلى أن مسؤولي تنفيذ القوانين ينخرطون في تمحيص إثني.

وتعاون الأميركيون الآسيويون، خصوصا الحساسين لمخاطر التمحيص الإثني بسبب إصدار بيانات التعداد السكاني، التي استخدمت في حبس الأميركيين اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية، تعاونوا مع الأميركيين العرب وازداد تعاونهم بشكل كبير مع المنظمات الأميركية العربية منذ الحادي عشر من سبتمبر. وفي عام 2004 أعطت رابطة المواطنين الأميركيين اليابانيين المدير التنفيذي لمنظمة أكسس إسماعيل أحمد، جائزة أديسون أونو للحقوق المدنية بسبب قيادته في تشجيع التسامح والتفاهم بعد الحادي عشر من سبتمبر «والتزامه المثالي للجالية الأميركية اليابانية.»

شبكة تحالفات

كان للتمحيص الإثني الأثر في إيجاد إحساس بالخوف واللا أمن بين الأميركيين العرب، فقد يتردد الأصدقاء أو الزملاء غير العرب في مناقشة صورتهم عن الإسلام مع العرب أو مع أميركي عربي، «ربما لأن الصور سلبية جدا مما يجعل الأميركيين العرب يسألون أنفسهم: ماذا علي أن أفعل بأصل إثني يؤدي مجرد ذكره إلى جعل الآخرين منزعجين؟».

إن مصاعب فتح المناقشات حول الهوية العربية تجعل الحوار بين المجموعات صعبا، بل تجعله مستحيلا. وأجبرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وأثرها، بعض العرب على أن يخلوا بعضهم ببعض حتى يتحدثوا مع زملائهم عن سوء تفسير العرب والمسلمين من قبل القاعدة ووسائل الإعلام على حدّ سواء.

لكن كثيرا من الأميركيين العرب استجابوا للسلبية العامة إزاء تراثهم بالصمت أو التنكر، واختار بعض الأميركيين العرب أن يقولوا إن تراثهم أو اسمهم ينتمي إلى مكان آخر، حين يسألون مباشرة.

ويتم هذا باختيار الجانب الآخر غير العربي من الاسم إذا كان مختلفا، ويتجنبون السؤال أو يكذبون بصورة مباشرة في بعض الأحيان. وقال المربون إنهم يعتقدون أن الكراهية للعرب وغياب النقاش حول الاختلافات والصور التنميطية في الصنف قد أديا إلى الغموض حول الهوية، وحتى إلى الكآبة بين الأميركيين العرب.

وعلى الصعيد الوطني أقام الأميركيون العرب تحالفات وشبكات مع مجموعات ومنظمات أخرى أسست وفق العمل المستند إلى قضية، فقد عملت اللجنة الأميركية العربية لمكافحة التمييز والمركز الأميركي العربي مع حركات الحقوق المدنية والحريات المدنية، إضافة إلى منظمات ومحامي حقوق الإنسان وحقوق المهاجرين؛ لخوض معركة قانونية ضد استخدام الأدلّة السرية في المحاكم الأميركية.

وتشكلت المجموعة العاملة للحقوق من هذه التحالفات في يونيو 2004، لحثّ الكونغرس على إصدار «قانون إحياء الحقوق المدنية» الذي يتناول نواحي في قانون باتريوت، «والسياسات الجديدة المزعجة مثل الحجز العشوائي والذي يستمر إلى أجل غير مسمى، والجلسات السرية والقيود الصارمة على العملية القانونية، وانتهاكات الخصوصية وحقوق التعديل الأول».

وكان المركز الأميركي العربي جزءا من «شبكة التحالفات لتجسير العرق والإثنية» و«التحالف الوطني لحماية الحريات السياسية»، و«منبر الهجرة الوطنية»، و«مؤتمر القيادة حول الحقوق المدنية».

وفي المجال السياسي، كان المركز الأميركي العربي ناشطا في السياسات الحزبية، بالمشاركة في «مجلس التنسيق الإثني الديمقراطي الوطني للجنة الوطنية الديمقراطية»، وعمل المركز الأميركي العربي أيضا مع شبكة مركز معلومات التعداد السكاني الذي يتكون من خمسين منظمة وطنية غير ربحية، تعمل مع مكتب التعداد السكاني حول قضايا البيانات للجاليات التي لا تتلقى الخدمات الضرورية.

وهذه المجموعة العاملة تجمع مجموعات إثنية مختلفة لمناقشة التعداد السكاني وكيفية الإفصاح عن العرق والإثنية في نموذج التعداد الرسمي. وتعمل اللجنة الأميركية العربية لمكافحة التمييز مع «المنظمة الوطنية للنساء»، ومع حركات أخرى، وتنظم اللجنة الأميركية العربية لمكافحة التمييز والمركز الأميركي العربي وأكسس مناقشات وعروضا تربوية للحركات الطلابية والمدنية.

ويوجد لدى منظمة أكسس دائرة تواصل وطني وفريق عمل للعثور على أرضية مشتركة وآفاق للتعاون. ولديها أيضا مشروع دائرة حقوق المهاجرين الذي يسجل كيفية تأثير السياسات والإجراءات على حياة كل المهاجرين وواقعهم اليومي.

وفيما يتعلق بالتحالفات بين الفئات، فإن هنالك مؤتمر منظمات الأميركيين العرب الذي أطلقه المركز الأميركي العربي عام 2001، من تحالف أقدم، وهو الآن يضم أكثر من 130 مجموعة، كما أن المركز الأميركي العربي ينظم تحالفا للأميركيين العرب في الخدمة العامة والحياة السياسية، وهو يسمى مجلس قيادة الأميركيين العرب.

الخبز والورد

كان الأميركيون العرب في السنوات الأولى يعدّون أنفسهم جزءا من الطبقة العاملة؛ لذلك عرّفوا مع أبناء الإثنيات الأخرى الذين كانوا في وضع مماثل في الولايات المتحدة، وكان أشهر الإضرابات في الجزء الأول من القرن العشرين «إضراب الخبز والورد» عام 1912، الذي جرى في معامل النسيج في لورنس، ماساشوستس، وقاد المنظم نصف السوري من «عمال العالم الصناعيين» قاد هذا الإضراب الذي احتج فيه 20 ألف عامل، بينهم النساء والأطفال الذين كانوا يعملون في المعامل، على ظروف العمل والأجور.

وقبل الإضراب بوقت قصير صدر قانون جديد في الولاية نصّ على أسبوع عمل أقصر، ومع أن المعامل التزمت بالقانون فإنها لم تعط زيادات في أجور الساعات، ولذلك أسفر القانون عن أجور أسبوعية أقل للعمال. وخلال الإضراب الذي استمر 63 يوما كان شعارهم: «نريد خبزا ووردا أيضا»، تعبيرا عن أنهم لم يكونوا ضد القانون الجديد بل أرادوا الحفاظ على دخلهم.

وشاركت النساء الأميركيات العربيات، اللواتي كن يعملن في المعامل، في الإضراب، وكن يدرن مطابخ الحساء، الذي كن يقدمنه للمضربين على طاولات طويلة. وكن يطبخن ما كن يعرفن، طعاما مماثلا لطعام جبل لبنان والمنطقة المحيطة به.

وكانت الوجبة المثلى خبزا ولحم خروف وبرغلا، ولبنا وقهوة. «وكانت وجبة أخرى تتكون من خبز وأرز ويخنة فاصولياء وقهوة». وكانت النساء والأطفال الأميركيون العرب يعقدون اجتماعات في الدور الأرضي من الكنائس الأميركية العربية، وأدى إضراب الخبز والورد إلى دفع زيادات عوضت الساعات المقلصة في المعامل المنخرطة في نقابات وفي الصناعات الأخرى المجاورة.

وفي هذه الأيام ينخرط بعض الأميركيين العرب في السياسات النقابية وخصوصا في صناعة السيارات في ديترويت، وقد وقف اليمينيون مع النقابات في خلافاتها مع الإدارة، لكن كثيرا آخرين في الجالية الأميركية العربية اختاروا النأي بأنفسهم عن النقابات وعن كونهم طبقة عاملة.

وانضم بعض النشطاء السياسيين الذين ربما لم يكونوا من الطبقة العاملة، لكن الذين يؤمنون أن الصراع الفلسطيني جزء من حركة العالم الثالث الثورية، إلى الحركة المناهضة للعولمة التي تناضل من أجل حقوق العامل في الولايات المتحدة وخارجها.

في القضايا التي رفعت في المحاكم في العقود القليلة الأولى من القرن العشرين، حارب أبناء الموجة الأولى من المهاجرين ضد تصنيفهم كآسيويين، وسعوا إلى تصنيفهم كبيض، ومن خلال هذه العملية وعمليات أخرى بدأ الأميركيون العرب يحرزون فهما لتركيبة العرق في الولايات المتحدة بهياكل قوته الهرمية.

وفي العقود القليلة التالية وفروا أموالهم واستقروا في الولايات المتحدة بشكل دائم، وكان الذين يقدرون على الانتقال إلى الضواحي يتطلعون إلى نمط حياة الطبقة المتوسطة الأميركية ـ وشمل جزء من نمط الحياة هذا الابتعاد عن أعراق أخرى.

وبدأ الأميركيون العرب الذين كانوا على علاقات طيبة مع الإثنيات والأعراق المختلفة في الولايات المتحدة، بدأوا بالانفصال عن الأميركيين الأفارقة، ووضع أنفسهم إلى جانب الأميركيين من أصول أوروبية غربية وشمالية.

واليوم، وعلى صعيد وطني وأحيانا على صعيد محلي، يوجد للأميركيين العرب علاقات طيبة مع الأميركيين الأفارقة، وكان الأسقف جيسي جاكسون أول سياسي يتحدث عن الأميركيين العرب بعبارات متعاطفة في مؤتمر وطني للحزب. وفي المؤتمر الديمقراطي الوطني عام 1984 قال الأسقف جاكسون: «إن الأميركيين العرب أيضا يدركون ألم وأذى الرفض العرقي والديني، ويجب ألا يظلوا منبوذين».

وكان الأميركيون العرب، بعد الأميركيين الأفارقة، ثاني أكبر مجموعة تأييد متبرعة لحملة جاكسون في تلك السنة. وفي السبعينات والثمانينات كان الأميركيون العرب الذين كانوا يعدون أناسا ذوي وجهة نظر غير شعبية مؤيدة للفلسطينيين، ينأى السياسيون عنهم، كانوا يخلدون من الخوف إلى الصمت. والعرب الأميركيون الذين أدركوا التمييز ضدهم على أنه بدافع سياسي، وصفوا النوع الخاص من التمييز ضدهم بأنه «عرقية سياسية».

وعبرت تعليقات الأسقف جاكسون في مثل هذا المنبر العام والمهم عن العلاقات القوية والاتصالات بين القادة الأميركيين الأفارقة والأميركيين العرب، وأبرزهم جيمس زغبي، رئيس المركز الأميركي العربي.

بصمة أحداث سبتمبر

كانت أول ردة فعل لدى كثير من الأميركيين العرب إزاء هجمات الحادي عشر من سبتمبر، عدم التصديق، تلاه الخوف، فعندما تذكروا التفجير في مدينة أوكلاهوما في منتصف التسعينيات شعر الأميركيون العرب بالقلق من أن يشار إليهم على نحو خاطئ «بإصبع الاتهام»، وأن يؤدي هذا مثلما حدث عام 1985 إلى جرائم كراهية وهجمات عنيفة على الأميركيين العرب.

وعندما اتضح أن خاطفي الطائرات كانوا مسلمين، كان هنالك خوف أكبر على سلامة الأميركيين العرب والمسلمين. وبينما استجاب بعض الأميركيين العرب لجو الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة بالنأي بأنفسهم عن تراثهم، فإن معظم الأميركيين العرب شعروا بمسؤولية أكبر لتثقيف الآخرين حول جاليتهم وعن العالم العربي.

وكما قال شاب أميركي عربي متطوع في الفيلق الأميركي للإنقاذ: «ان تكون شابا أميركيا عربيا تعيش في مناخ بعد الحادي عشر من سبتمبر يعني مسؤولية لتثقيف الناس حول حقيقة ثقافتنا، وليس ما تصورها وسائل الإعلام.. فقد كان آباؤنا هم الذين جاءوا بالثقافة العربية إلى هذا البلد، ومسؤوليتنا الآن أن نجعلها تزدهر».

واعتقد كثير من الأميركيين العرب أن الإرهابيين خانوا مثل الإسلام، واختطفوا المنطقة نفسها.وفي السعار الإعلامي بعد الحادي عشر من سبتمبر، سمع المسلمون الأميركيون المعتدلون المعنى الحقيقي للإسلام، الذي كان يعرفه غير المسلمين الذين لم يفهموا أو يتفقوا مع مبادئهم الدينية، وكان يجري إعادة بث أشرطة الفيديو والرسائل من القاعدة والمتحمسين ضد أميركا، الذين استخدموا القرآن لتبرير القتل الجماعي، من قبل القنوات الإخبارية الأميركية ثم المعلقين والباحثين والسياسيين الذي استشهدوا بتصريحات القاعدة على أنها «تعبيرات» حقيقية عن وجهة النظر الإسلامية.

وشكا الأميركيون العرب حول عدم دقة الاستشهادات من القرآن، وذكروا ترجمات رديئة وفقرات أخذت خارج السياق، والتي جعلت المشاهدين دون أي إدراك يجهلون بأن إحدى القيم الجوهرية للإسلام هي السلام.

وأصيب معظم المسلمين الأميركيين بالغثيان من التصويرات الإعلامية للإسلام وعدم وجود أصوات مسلمة معتدلة تواجه النغمات النشاز التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر.

وخففت النداءات والتصريحات التي تدافع عن الجاليات العربية والمسلمة من قبل كثير من الأشخاص البارزين، بمن فيهم الرئيس جورج دابليو بوش ووزير الخارجية كولن باول، ومؤسسات مثل الكونغرس، خففت أعمال الانتقام ضد الأميركيين المسلمين العرب المحليين.

ومع هذا، وفي الأسابيع التسعة بعد الحادي عشر من سبتمبر، ذكرت اللجنة الأميركية العربية لمكافحة التمييز أن أكثر من 700 حادث عنف استهدفت الذين تم اعتبارهم أميركيين عربا أو عربا أو مسلمين، وكان هنالك 80 حالة لإنزال المسافرين من الطائرات بعد ركوبهم فيها، استنادا إلى الأصل المتوقع للمسافر. ومرة أخرى، كان الآسيويون الجنوبيون والسيخ ضحايا جرائم الحرب.

إضافة إلى الأميركيين العرب. واستمرت جرائم الكراهية والتمييز عام 2002، حيث تم إبلاغ اللجنة الأميركية العربية لمكافحة التمييز عن حالات تتعلق بالتمييز في التوظيف والسكن، وحوادث عنيفة وتهديدات وعدم توفير الخدمات.

وحتى بعد ردّة الفعل الأولية التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر، فإن هذه الإحصائيات بينت مستويات عالية من التمييز وجرائم الكراهية أكثر مما كانت في السنوات السابقة، عندما أطلقت العمليات والأحداث العسكرية الأميركية في الشرق الوسط عمليات انتقام استندت إلى الإثنية والدين.

ووجد استطلاعان أجريا في شهر أكتوبر 2001 ومايو 2002 أن واحدا من كل ثلاثة أميركيين عرب قد عايش شخصيا التمييز، لكن حوالي نصف المسلمين الأميركيين العرب ذكروا أنهم عايشوا التمييز بشكل شخصي، وكان جلّ هؤلاء قد ولدوا في الخارج. وهذا يشير إلى أن الانتماء الديني، مقترنا باللكنة الأجنبية، أو السلوك أو اللباس، يمكن أن يسبب أعمال تمييز وجرائم كراهية.

واستجاب الأميركيون العرب للهجمات بالتركيز على وطنيتهم وإظهارها بشكل مباشر إزاء الولايات المتحدة. وبعد الخبر مباشرة، أصدرت المنظمات الأميركية العربية والإسلامية بيانات صحافية، تشجب الهجمات الإرهابية، ولم تظهر هذه التصريحات بصورة بارزة في التغطية الإعلامية حتى بعد أن ظهرت أحداث وقصص وراء الهجمات في الدوائر الإخبارية على مدى 24 ساعة.

واشترك الأميركيون العرب والأميركيون المسلمون في الحداد ورعب اليوم عندما وصل الخبر إلى عائلاتهم وأصدقائهم بأن أميركيين زملاء لهم، وبعضهم عرب ومسلمون قد ماتوا في تدمير البرجين. وعمل رجال الشرطة والمطافئ وعملاء الـ (اف بي آي) الأميركيون العرب في الدور تحت الأرضي من البرجين، جنبا إلى جنب مع الأميركيين الآخرين. وأظهر أكثر من 80% من الأميركيين العرب، التضامن مع ضحايا الحادي عشر من سبتمبر برفع العلم الأميركي، والتبرع بالأموال لصناديق الضحايا أو التبرع بالدم.

كان لأحداث الحادي عشر من سبتمبر أثر إيجابي لبعض الأميركيين العرب، حيث ازداد الطلب العام على المزيد من المعلومات عن العالم العربي والإسلامي، كما أن الجامعات والمدارس والمجالس التربوية طلبت مواد من منظمات وأفراد عرب ومسلمين.

وبعد الحادي عشر من سبتمبر مباشرة ذكر خمسا الأميركيين العرب أنهم كانوا يتحدثون مع أصدقائهم ومعارفهم عن الأحداث في الشرق الأوسط بعد الحادي عشر من سبتمبر أكثر مما كانوا يتحدثون خلال عام 2000.

وفي سياق تثقيف الآخرين أصبح بعض الأميركيين العرب والمسلمين أكثر اطلاعا على تاريخهم وثقافاتهم وتقاليدهم، وأخذ أقرانهم وزملاؤهم يقدرونهم كأميركيين عرب و/أو كأميركيين مسلمين. لكن التبعات طويلة الأجل للحادي عشر من سبتمبر، والتمحيص العرقي وقانون باتريوت.

خففت هذه الحماسة للتعبير الإثني والديني المباشر، ففي استطلاع وطني بعد الحادي عشر من سبتمبر، سئلت العينة: «كيف تعتقد أن الأميركيين العرب والمسلمين والمهاجرين من الشرق الأوسط سوف يتم استبعادهم بشكل ظالم من قبل الناس في هذا البلد؟»، وأجاب 61% فقط بأن هذا «غير محتمل كثيرا» و«غير محتمل أبدا» وقال 87% إن هذا «محتمل جدا» و«محتمل بعض الشيء». بينما قال 2%: لا أدري أو لا جواب.

كما كان متوقعاً

كما توقع الجمهور عموما فإن الأميركيين العرب والمسلمين كانوا يتعرضون للتمحيص في المطارات والمدارس والجامعات وأماكن العمل وعند النقاط الحدودية، ومن قبل مسؤولي الهجرة في التنفيذ الاختياري لقوانين الهجرة.

وكان كثير من المشاركين في هجمات الحادي عشر من سبتمبر مسلمين وعربا، لذلك تركزت ملاحقة الإرهابيين في أميركا على البلد الأصلي والنوع ووقت الدخول إلى أميركا، وليس على استخبارات حسنة الاطلاع ومحددة. وفي الشهور التي أعقبت الهجمات الإرهابية احتجزت الحكومة الأميركية 1200 شخص، معظمهم رجال وعرب و/أو مسلمون.

وفي النهاية تم احتجاز ثلاثة فقط وفق روايات شهود مادية (ذات قيمة غير معروفة) وأفرج عن البقية أو رحلوا دون أن توحي وزارة العدل أنهم لم تكن لهم أي علاقة بالإرهاب أو الحركات الإرهابية.

وفي حملة اعتقال «الإرهابيين» رفضت الحكومة العمل بقانون حرية المعلومات، وقامت بعمليات احتجاز عشوائية وطويلة الأجل، وحرمت المشبوهين من محام قانوني ولم تسمح لهم بالاتصال بأي شخص، بمن فيهم أقاربهم.

وهؤلاء الناس احتجزوا وفق قوانين «الدليل السري» التي كان معمولا بها قبل الحادي عشر من سبتمبر، ولم يكن مسموحا للمتهمين أن يعرفوا الادعاءات الموجهة ضدهم، مما جعل صياغة دفاع أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا. وذكر كثيرون في الجالية الأميركية العربية أن عمليات الاحتجاز هذه لم تكن أدوات تنفيذ قوانين فعالة، لأنها شملت ثلاثة أشخاص فقط وأوجدت خوفا وشكا شديدين في المحيط العام الأوسع.

وكما كان متوقعا فإن نتيجة عمليات الاحتجاز هذه، وبرنامج التسجيل الخاص لدى أجهزة الجنسية والهجرة الأميركية، وقانون باتريوت، أعطت الانطباع بأن الحكومة الأميركية ترى أن العرب والمسلمين مجموعة مشبوهة وخطيرة لا تنطبق عليها الحقوق الدستورية والحريات المدنية.

وتعمل الآن حركة من قبل المدن والجاليات في كل أنحاء أميركا لإصدار قرارات تصف قانون باتريوت بأنه «تهديد للحقوق المدنية لسكان مجتمعاتهم»، وذلك من أجل إلغاء ذلك الانطباع، لكن القوانين لا تزال موجودة.

وتأثر الطلاب الأجانب أيضا من قانون باتريوت والأمن المتزايد في بيئة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، ورغم زيادة بنسبة 65% في التبادلات الطلابية والزائرة من عام 1992 إلى عام 2002، فإن قبول الطلاب الأجانب في الولايات المتحدة تراجع بنسبة 7% في عام2002.

وهو تراجع بأكثر من 73 ألف طالب بين السنة المالية 2001 والسنة المالية 2002، وبعد الحادي عشر من سبتمبر زيدت الإجراءات الأمنية المتعلقة بإصدار التأشيرات في السفارات الأميركية في الخارج، مما أوجد المزيد من التأشيرات المرفوضة أو المؤخرة، وكان الطلاب من الأقطار العربية قلقين من التمييز من جانب مسؤولي الهجرة، وواجهوا طوابير طويلة ومكاتب تأشيرات مغلقة في السفارات وبيروقراطية مرهقة عند التقدم لتأشيرة أميركية.

وعلاوة على ذلك، ووفقا لقانون باتريوت، بدأت وزارة الأمن الداخلي برنامجا عام 2003 يسمى نظام المعلومات حول التبادل الثقافي والزوار، والذي كان يتطلب من جميع المدارس إدخال معلومات عن الطلاب الأجانب في قاعدة بيانات الكترونية مركزية، كان ينبغي تحديثها بانتظام لتعكس المعلومات عن كل طالب أجنبي، بما فيها وضع التأشيرة ونوعها، ومعلومات عن السيرة الذاتية والتسجيل في الصف والعنوان.

ومع أن هذه التعليمات راقبت جميع الطلاب الأجانب، فإن الطلاب العرب (والطلاب المحتملين) كانوا يخشون من مزيد من التدقيق، وكان التأثير الصافي شديدا على الطلاب العرب، ونتيجة لذلك التحق عدد أقل من الطلاب العرب في الجامعات الأميركية، وهذا بدوره يعني أن الطلاب أقل احتمالا من أن يختاروا البقاء في الولايات المتحدة وأن يصبحوا في النهاية مواطنين أميركيين.

ولم يكن لهذه الإجراءات الأمنية المتزايدة والتعليمات أثر كبير كما هي الحال مع الزوار غير الطلاب والتبادل الثقافي، فبينما انخفضت الهجرة من الأقطار العربية بنسبة 30% بين 2002 و2003، فإن الهجرة في 2004 عادت إلى وضعها وهاجر 36814 شخصا من الأقطار العربية إلى الولايات المتحدة، وهو رقم مماثل لرقم الهجرة عام 2002 وقدره 37924 شخصا، وبين 2002 و2004 كانت نسبة المهاجرين العرب 8,3% من إجمالي المهاجرين إلى الولايات المتحدة، ومثل هذه النسبة، مع أنها أقل بشكل كبير في إجمالي عدد المهاجرين، فإنها تعني زيادة سنوية بنسبة 5% في عدد الأميركيين العرب.

إضاءة

هنالك موجة غير عادلة من التمييز وجرائم الكراهية ضد الأميركيين العرب. وفي هذه البيئة، يواصل الأميركيون العرب الكفاح بتنوع الجالية واحتياجات كل مجموعة. وبينما تسعى المنظمات الوطنية إلى مخاطبة أتباعها، فإن السؤال يظل ما إذا ستكون هنالك انقسامات متزايدة بين المسلمين والمسيحيين، وبين الأميركيين العرب المواطنين والمولودين في الخارج.