منذ قرن من الزمن كان كل الأوروبيين يعيشون في دول كانت تمثل أجزاءً من إمبراطوريات بالمعنى الاستعماري التقليدي الذي كان يعرفه العالم وقتها، وذلك باستثناء مواطني دولة سويسرا و الدول الاسكندينافية و أجزاء من منطقة البلقان. الشعوب الإفريقية كلها و بدون استثناء كانت تعيش في ظل إمبراطوريات تسيطر عليها و كذلك كانت الحال مع دول الباسيفيك و بلدان جنوب شرق آسيا.
وكانت كل البلدان الآسيوية باستثناء ربما تايلاند، التي كانت تعرف باسم سيام، بالإضافة إلى أفغانستان- كانت كلها أجزاء من إمبراطوريات. ولم يكن هناك في العالم سوى بلدان الأميركيتين، جنوب الولايات المتحدة، التي لم تكن قوى إمبريالية قط أو خضعت في يوم من الأيام إلى قوى استعمارية.
وبمرور السنوات، تغير هذا الوضع بأكمله. فقد ذهبت الإمبراطوريتان الصينية والعثمانية أولا. وجاءت الحرب العالمية الثانية لتنهي عصر أباطرة هابسبيرج وتستكمل تدمير الإمبراطورية العثمانية. لقد دمرت الحرب العالمية الثانية القدرات الإمبريالية لألمانيا والإمبراطوريات الاستعمارية للحقبة الامبريالية، وهي الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية واليابانية والهولندية والبرتغالية والبلجيكية وما تبقى من قليل للأسبان.
كما أن الحرب أتت بنهاية للمغامرة الأميركية القصيرة لاقتحام النظام الإمبراطوري السابق في الفلبين وعدد قليل آخر من الدول. وفي نهاية القرن الماضي، تسبب انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا في وضع نهاية لكل من روسيا باعتبارها كانت نظاما فرديا متعدد القوميات، كما كانت تعيش تحت حكم القياصرة، والإمبراطورية السوفييتية الأكبر التي عاشت لفترة أقصر. لم يعد يبقى إلا شخص واحد يحتفظ بلقب إمبريالي وهو الإمبراطور الياباني وقوة إمبريالية وحيدة هي الولايات المتحدة.
منذ ثلاثين عاما رحب معظمنا بالتغيير الدراماتيكي الذي حدث في الوجه السياسي للعالم ولا يزال الكثير منا يرحب بهذا التغيير. غير أننا ننظر إلى الأمر ونحن بين ثنايا قرن جديد متخم بالمشاكل يبدو أنه يفتقد بشكل نسبي النظام والقدرة على التوقع اللذين كانا متوفرين أثناء حقبة الحرب الباردة. لقد ولى زمن الإمبراطوريات ولكن حتى الآن لم يأت شيء يحل محله بشكل فعال.
لقد زاد عدد الدول التي تعتمد على غيرها بنحو أربعة أضعاف منذ عام 1913، وغالبية هذه الدول تمثل أنقاض الإمبراطوريات السابقة. ولكن فيما نحن نظريا نعيش حاليا في عالم الدول الحرة، فإننا عمليا نعيش فيما يمكن وصفه بشكل من أشكال الفوضى العالمية البالغة التوتر. عدد من هذه الدول ذات الأنظمة السياسية غير المحتلة تبدو إما غير قادرة على تنفيذ الوظائف والمهام الأساسية التي من المفترض أن تقوم بها الدول أو مهددة بالانهيار بسبب الحركات الانفصالية.
فضلا عن ذلك فإننا منذ الحرب الباردة نعيش عصرا يتحول فيه الصراع المسلح الذي لا يتم السيطرة عليه إلى وباء مستفحل استشرى في مناطق آسيا وإفريقيا وأوروبا وأجزاء من الباسيفيك. مذابح ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية ونزوح جماعي للسكان عادا ليحدثا على نطاق واسع لم ير العالم مثيلا له منذ الحرب العالمية الثانية.
هل يمكنا أن نسأل في هذا الصدد ما إذا كان الذين عاصروا الإمبراطوريات ولا يزالوا أحياءً- ما إذا كانوا يترحمون حاليا على زوال تلك الإمبراطوريات أم لا؟
في الحقيقة إنه لا توجد دولة واحدة اليوم كانت تمثل إمبراطورية في يوم من الأيام تعمل على أو تأمل في أن تعيد أمجاد الإمبراطورية؛ ولكن فيما تواصل العواصم السابقة للإمبراطوريات الفانية حياتها وتتحول إلى دول عادية، فإنه يتولد عندها رغبة من آن لآخر في النظر إلى الماضي بهالة من العظمة والفخار وحنين إلى تلك الأوقات.
هناك ميل مبرر لتهويل الفوائد التي كانت توفرها الأنظمة الإمبراطورية لرعاياها، مثل فوائد النظام وحكم القانون وأن العديد منها، ولكن ليست كلها بالطبع، كانت أكثر تسامحا تجاه التعدد العرقي واللغوي والديني بالمقارنة بالدول التي حلت محلها.
لكن على الرغم من ذلك، فإن هذه النظرية المرتبطة بالإمبراطوريات مفرطة في المثالية لدرجة أنه من الصعوبة أن تكون حقيقية، كما قال جان موريس. فحقيقة الأمر تفيد أن الإمبراطوريات لا يجب أن تكون في أيدي حفنة قليلة من أبناء الصفوة.
إن العلاقة التي تربط بين الإمبراطوريات ورعاياها هي علاقة معقدة للغاية. فربما تعتمد فترات قصيرة من الاحتلال الأجنبي بشكل حيوي على القوة العسكرية وعلى الاستعداد لاستخدام القهر والترهيب غير أن هذه العناصر لا تستطيع وحدها ضمان استمرار حكم أجنبي لفترة طويلة لاسيما عندما يكون هذا الحكم في أيدي أعداد صغيرة من الأجانب مثل الآلاف القليلة من المدنيين البريطانيين الذين كانوا يحكمون الهند.
التاريخ يقول إن الإمبراطوريات ربما تكون قد تعرضت للغزو عن طريق القوة المسلحة ولكن إذا أراد المحتل أن يستمر، فإنه يتعين عليه الاعتماد على أداتين حيويتين، وهما التعاون لخدمة المصالح المحلية للشعب المحتل وتوفير شرعية لسلطة فعالة، وفي الوقت ذاته يجب عليه استغلال حالة الفرقة التي يعاني منها خصومه ورعاياه. والوضع الراهن في العراق يوضح مدى الصعوبات التي تواجها حتى أقوى قوة في العالم عندما تغيب هاتان الأداتان.
غير أن الدول التي تسعى إلى أن تكون إمبراطوريات في المستقبل تواجه صعوبات أكبر من ذلك. فلم تعد هناك إمكانية في التعويل على طاعة الشعب المحتل. فهؤلاء الذين يرفضون الانصياع لتلك الدول لديهم من الوسائل التي تمكنهم من الوصول إلى سبل القوة التي بإمكانها وقف الدول الكبرى.
في الماضي كان يمكن حكم دولة ما عن طريق حفنة قليلة من الأجانب وذلك لأن حكم أي نظام عن طريق القوة الفعالة كان أمرا مقبولا لدى هؤلاء الذين هم معتادون على أن يجري حكمهم من أعلى سواء من قبل أجانب أو أصحاب البلد الأصليين. أما الآن، فالوضع مختلف. فكما يتضح مما حدث في المناطق التي كانت تخضع في السابق للحكم الفرنسي في إفريقيا، فإن عددا قليلا من الجنود الفرنسيين لم يعد يكفي وحده للسيطرة واحتواء الأنظمة المحلية.
و اليوم ثبت أن القوة المسلحة للحكومات غير قادرة على السيطرة على أراضيها ومنع التحديات عنها لمدة عقود. وينطبق هذا الأمر على سريلانكا وكشمير وكولومبيا وقطاع غزة والضفة الغربية. بل إن هناك مشكلات متعلقة بقوة الدولة وشرعيتها في بعض الدول الأوروبية المستقرة مثل إسبانيا وبريطانيا.
في مثل هذه الظروف لا يوجد هناك مجال للعودة إلى عالم الإمبريالية الذي كان سائدا في الماضي، ناهيك عن وجود أي مجال لهيمنة عالمية دائمة لم يسبق لها مثيل في التاريخ على يد دولة واحدة مهما كانت قوتها العسكرية. خلال السنوات الخمس الماضية لم يكن هناك أمر أكثر وضوحا من الفشل الذي كان مكتوبا بشكل مسبق على أي محاولة لسيطرة فردية على العالم من قبل الولايات المتحدة. لقد ولى عصر الإمبراطوريات. وسيتعين علينا إيجاد سبيل آخر لتنظيم عالم العولمة الذي نشأ في القرن الحادي والعشرين. وحتى الآن من الواضح أننا لم نجد هذا العالم.
ترجمة: حاتم حسين ــ عن «أوبزرفر»
