تعود المؤلفة، رندة كيالي، مرات عدة في كتابها إلى تناول التأثيرات المروعة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر على الجالية العربية في أميركا، وتصل إلى حد الحديث هنا عن رهاب حقيقي أصاب الكثير من الأميركيين العرب حيال احتمال فقدهم لعملهم أو لوضعهم القانوني إذا جاهروا بالإعلان عن رأيهم أو شاركوا في العمل السياسي، لكن ما تقدمه لنا هنا يتجاوز ذلك بكثير حيث تلقى الضوء على الهويات المختلفة داخل الإطار الكلي للجالية والاختلافات بين الأجيال والتنظيمات المختلفة التي اعتمدها الأميركيون العرب لدعم شتى تجليات الحياة العامة على نحو ما يساهمون فيها في بلاد العم سام.

يفضل كثير من الناس الذين تعود أصولهم إلى الأقطار العربية أن يتم تعريف هويتهم بصفة دينية وليس كأميركيين من أصل عربي، أو أميركيين عرب. فالمسيحيون من الشرق الأوسط ـ الموارنة والأرثوذكس والأشوريون والأقباط والكلدانيون ـ يمارسون شعائرهم الدينية بطرق فريدة بهم وبلغات مختلفة تعود إلى ما قبل الإسلام والفتوحات العربية. وهذا التراث ما قبل الإسلامي دفعهم إلى النأي بأنفسهم عن صفة عربي. ويحتفظ كثير من المسيحيين بكنائسهم التي تعمل كنقاط محورية، روحيا واجتماعيا في مجتمعاتهم، وهي ذات انتماءات مجتمعية قوية تفصلها عن المسيحيين الآخرين من العالم العربي. وفي أوقات كثيرة، يعدّ قادة الكنائس أنفسهم جزءا من مجتمع مسيحي أكبر ويصلون إلى المسيحيين الأميركيين الرئيسيين لمساعدة زملائهم المسيحيين في الشرق الأوسط. هذه التحديدات المستندة إلى الدين يمكن أن تتضارب مع سياسات تنظيمات الجالية المحلية ونجاحها، ومثال ذلك، حظرت الكنسية المارونية على أعضائها، عام 1980، الانضمام إلى اللجنة العربية الأميركية لمكافحة التمييز لأنها كان ينظر إليها على أنها ليست منحازة سياسيا للكتائب. وكان الكتائبيون أعضاء في حزب لبناني يميني يسيطر عليه الموارنة، والذي تحالف في كثير من الأحيان مع إسرائيل ضد الفلسطينيين واللبنانيين السنة في الحرب الأهلية اللبنانية. ومع أن تأثير هذا الاختيار على فعالية التنظيم غير واضح فإنه قسم الأميركيين العرب وقوّض موقف اللجنة العربية الأميركية لمكافحة التمييز كمنظمة جذرية للجالية.

وسعى مسيحيون آخرون من الشرق الأوسط إلى النأي بأنفسهم عن اعتبارهم أميركيين عربا. ومنذ الحادي عشر من سبتمبر أصبح المسيحيون الشرق الأوسطيون أكثر مجاهرة برغبتهم في استبعادهم من الإحصائيات كأميركيين عرب. وفي أكتوبر 2001، شن ائتلاف بين الآشوريين والموارنة حملة ضد مؤسسة المركز الأميركي العربي، للاحتجاج على إدخالهم في الحسابات الإحصائية للمسيحيين العرب في الولايات المتحدة، واعتمدت المجموعتان على الحجج القديمة من الشرق الأوسط للتحلل من كونهم أميركيين عربا. واعترفت رئيسة مؤسسة المركز الأميركي العربي، هيلين سمحان، بمواطن قلقهم، وردت برسالة مفتوحة إلى الائتلاف قائلة «إن الهويات التي يتم الحفاظ عليها بعناية لدى مجموعة ما، لا تتوافق دائما مع كيف ينظر إلى المجموعة من المجتمع الأوسع». وقالت: إن ردة الفعل التي جاءت بعد الحادي عشر من سبتمبر كانت بلا تمييز وتأسست على الخوف والجهل ـ مما يعني ان الذين شاركوا بردة الفعل لم يميزوا بين عربي أو آشوري أو أرمني. وبعد أن انكشف بأن مكتب التعداد السكاني قد أصدر التقسيمات الإثنية للناس من أصل عربي فقط، لوزارة الأمن الداخلي الأميركية، فإن كثيرا من الأميركيين العرب صاروا يخشون من تمحيصهم واستهدافهم للعقاب الجماعي إذا عرفوا كعرب في النماذج الرسمية.

ظلال الخوف.... هنالك خوف شائع، بل رهاب، بين الأميركيين العرب، من أن تعريف الشخص كعربي يجعله هدفا في الولايات المتحدة، وأن المشاركة في الحركات السياسية، وحتى أغلبية غير العرب، يمكن أن تؤدي إلى فقدان الشخص لعمله أو لوضع الهجرة. وهذا الخوف من ردة الفعل يسكت كثيرا من الأميركيين العرب عن التعبير عن آرائهم واعتزازهم بأصلهم الإثني، وبذلك يقوض مشاركتهم المدنية في التنظيمات الأميركية العربية وفي المجتمع الأميركي. وأدت ردة الفعل إلى تعزيز تصميم أميركيين عرب آخرين على المجاهرة برأيهم بتبنّي تراثهم ومعناه في الولايات المتحدة. وأثرت السياسة في الشرق الأوسط تأثيرا مباشرا على الأميركيين العرب من خلال الحركة الإسلامية الاحيائية التي تتبنى هوية إسلامية شاملة، تتجاوز الانتماءات المحلية الأخرى. وبدأت الحيوية المتجددة لهذه الحركة خلال الثورة الإيرانية 1979، لدى الإطاحة بالشاه. ومع أن كثيرين لم يتفقوا مع الحكومة الجديدة، فإن النجاح في الإطاحة بالشاه قد ساعد على زيادة في المشاعر الإسلامية الشعبية في وقت كانت فيه القومية العربية تتضاءل في الشرق الأوسط. وكانت هنالك في البداية حفنة من المهاجرين الجدد يعرفون أنفسهم كمسلمين وليس وفق انتمائهم الوطني أو الإثني، وعندما أصبحوا فعالين في المساجد والنشاطات الإسلامية، شجعوا أميركيين مسلمين آخرين ليجعلوا الإسلام محورا لحياتهم وهويتهم. وزاد التدين المتنامي في الثقافة الشعبية الأميركية من التطابق الديني لكل الفئات الدينية، والمسلمون ليسوا استثناء من هذا الاتجاه.

إن المؤسسات المسيحية العربية والإسلامية العربية في الولايات المتحدة لا تتصادم علانية، لكن هنالك نقصا في الاتصال. ومع أن الأميركيين العرب قد تكون بينهم علاقات شخصية قوية تستند إلى اللغة المشتركة والقيم الثقافية والتاريخ، فإن قادتهم يعدون مجتمعاتهم الدينية منفصلة في الغالب، ومثال ذلك عندما قامت الجمعية الإسلامية في باي ريج، ومقرها في بروكلين بدعوة راعي كنيسة سلام اللوثرية العربية في مناسبة رمضانية في ديسمبر 1999، قال الأسقف: «علي أن اعترف أن دعوتكم جاءتني كشيء مثير، وأنا في غاية السرور أن أكون هنا لمشاركتكم في هذا الشهر الذي يتمتع بصفة خاصة، وأنا أشكركم على هذه اللفتة للتواصل حتى يمكن لمجتمعينا أن يتقاربا أكثر بما يخدم مصلحة الجميع».

الاختلافات بين الأجيال

تستند العلاقات بين المجموعات في أغلب الأحيان إلى الصور التنميطية، وفي بعض الأحيان يسمّى الأميركيون العرب من الجيل الأول، والأميركيون الذين يعيشون في الولايات المتحدة من دون جنسية أو إقامة، يسمون سكانيا، بركاب السفن، وهذه العبارة تشير إلى الهجرة التاريخية للمستوطنين الأميركيين العرب الأوائل الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة عن طريق البحر، وما زالت هذه العبارة تطلق على أي شخص هاجر مؤخرا من العالم العربي.

ووفقا للصورة النمطية؛ فإن الأميركيين العرب من الجيل الأول يتحدثون الإنجليزية «بلكنة»، وهم يفضلون التحدث فيما بينهم بالعربية، ولا يفهمون الأنظمة المؤسسية الأميركية ويشعرون بأنهم «تائهون» بين بلدان وثقافات. وهذا الإحساس بالغربة، وبعدم الانتماء تماما للمجتمع الأميركي، يؤدي إلى ظهور إحساس بالحنين إلى وطنهم وبالشوق إلى العودة إلى «المكان الذي ولدوا فيه».

وتمتد الصورة النمطية لتشمل قضايا تهمّ الأميركيين العرب من الجيل الأول، والتركيز المرافق من قبل المنظمات التي تمثلهم. وتتوزع القضايا ذات الصلة بالأميركيين العرب من الجيل الأول على اختيار المدرسة (حتى يستطيع أبناؤهم الالتحاق بمدارس إسلامية أو كاثوليكية)، وقضايا التمييز وسياسات الهجرة، والسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط.

والأميركيون العرب من الأجيال: الثاني والثالث والرابع يتم تصويرهم نمطيا من قبل الأميركيين العرب من الجيل الأول، فالصورة النمطية الأولى هي أن الأميركيين العرب الأكثر تثاقفا (المزج بين عدة ثقافات)، يتحدثون الانجليزية دائما ويملكون مهارات ضعيفة في اللغة العربية.

وقد استُخدمت عبارتان متلازمتان لوصف مهاراتهم اللغوية: لغة المطبخ العربية، عندما لا يعرف الشخص سوى الكلمات العربية المتعلقة بالمطبخ والطبيخ، حيث إن الطعام هو العنصر الثقافي الوحيد الذي احتفظ به كثير من أبناء المهاجرين اللبنانيين، واللغة الأكثر طلاقة وهي مزيج عامي من العربية والإنجليزية وتسمى «أرابيش». ويفترض التنميط الثاني أن الأميركيين العرب يعرفون ويكترثون قليلا بالعالم العربي، لذلك فهم في عالم السياسة لا يهتمون إلا بالسياسات المحلية والسياسات الحكومية الأميركية نحو الشركات الصغيرة بشكل خاص.

ويتم تنميط الأميركي العربي من الجيل الثاني أو الثالث على أنه أميركي مندمج تماما، يعرف كيف يعمل النظام الأميركي ويمكن أن ينجح في الظهور كأميركي من أصل أوروبي.

وعلى صعيد شخصي، فإن التراث العربي انتماء اجتماعي وديني أكثر من أن يكون رابطا سياسيا، لذلك فإن الحفلات والمناسبات السياسية التي تركز على الانتخابات أو القضايا المحلية الأخرى تعدّ أهم من القضايا المتعلقة بالسياسة في الشرق الأوسط.

ورغم هذه الأشكال القوية من تصنيف «الآخر» داخل المجتمع فإن هنالك تواصلا جوهريا بين مختلف أجيال الأميركيين العرب، ومعظم الأميركيين العرب يتركزون في المدن ويعملون مع أعضاء الجالية الآخرين في مشاريع متنوعة كأعضاء في الفروع المحلية للمنظمات الوطنية أو النوادي الجامعية أو في منظمات عامة، ويخدم هذا التواصل في تكوين روابط صداقة، تنفّس الصور النمطية وتجردها من مصداقيتها.

إن الانقسامات داخل الجالية الأميركية العربية واضحة على الصعيدين المحلي والوطني، وبين الحين والآخر تعرب القيادة عن هذه الصور النمطية وذلك بإعلان نوع المؤيدين أو الأعضاء الذين يرغبون في تنظيمهم. ففي خطاب استقالته عام 2003 تحدث زياد العسلي، رئيس أكبر منظمة أميركية عربية، وهي اللجنة الأميركية العربية لمكافحة التمييز.

فوصف الأنواع المميزة للناس في المنظمة: «لدينا عرب في أميركا، ممن يعيشون في غيتوهات فرضوها على أنفسهم، مع اتصال قليل مع المواطنين الآخرين من مجتمعهم. وهم يشاهدون الجزيرة ويعرفون عن غزة أكثر مما يعرفون عن مناطق مدارسهم أو أسماء أعضاء الكونغرس الذين انتخبوهم، ولدينا أيضا أميركيون من أصل عربي ممن يملكون ألفة باهتة مع الكبّة والدبكة والموسيقى العربية، ومع ذكريات كئيبة للكنات أجدادهم المهاجرين، ولدينا أميركيون عرب يشتركون في الإعجاب والود لأميركا والعالم العربي معا، ويحاولون أن يلعبوا دورا فاعلا كجسر بين هاتين الثقافتين.

ومن الواضح أن العسلي حضَّ الذين وصفهم «بالأميركيين العرب» أن يلعبوا دورا فاعلا في المنظمات التي تعمل كجسر بين الثقافتين العربية والأميركية. وفي آخر خطابه قال العسلي إن تنوع الجالية كان غالبا، ويكاد يكون سببا للفشل، ولم يكن «بإمكان صوت واحد أن يتحدث دائما باسم جميع هذه المجموعات حول جميع القضايا».

ودعا إلى تأسيس المزيد من المنظمات لمخاطبة الهموم المختلفة والقضايا المتزايدة الأهمية التي تواجه الأميركيين العرب.

إن الطبيعة ذات الوجوه المتعددة للجالية والهوية الأميركية العربية تشكل، بصورة واضحة، تحديا للقيادة، وهو وضع لا تخففه الانقسامات واستخدام الصور النمطية داخل الجالية.

النوادي والشبكات الاجتماعية

هنالك واحد من أقوى الانتقادات للمنظمات الأميركية العربية أو الأميركية الإسلامية على الصعيد الوطني، وهو أنها يسيطر عليها نوع واحد من المسلمين الأميركيين العرب أو المسلمين الأميركيين. وتعتمد صلاحية هذه الاتهامات على الفرضيات التي وضعت في ذلك الوقت، وقد يكون أمرا أكثر دقة، أن نقول إن تأسيس المجتمعات والشبكات الأميركية العربية وتطويرها يعكسان مرونة التماثل الإثني والطبيعة ذات الوجوه المتعددة للجالية الأميركية العربية.

وتتراوح أعمال المنظمات الأميركية العربية بين خدمة احتياجات أبناء الجالية والوصول إلى الفئات غير العربية، وكانت أول منظمة أميركية عربية تميل إلى مساعدة الجالية الأميركية «العربية» الصغيرة الناشئة، وكان هدف واحدة من الجمعيات الأولى، الجمعية السورية، توفير «معهد تربوي وصناعي لمواطني ذلك العرق (السوري)، حيث يتم من خلاله تعليمهم اللغة الإنجليزية وفروعا أخرى في التعلم والصناعة، والتي يمكن أن تفيدهم في إعالة أنفسهم وليصبحوا مواطنين أميركيين أذكياء».

وقامت جمعية السيدات السوريات للمساعدة، بمساعدة الوافدين الجدد الأوائل لدى وصولهم إلى جزيرة اليس ومدينة نيويورك. وكانت الجمعيتان تريدان، حسبما يبدو واضحا، أن يبقى المهاجرون الجدد وينجحوا في الولايات المتحدة. وكانت الكنائس والمنظمات الأولى تركز على توفير المساعدة الخيرية لمن ظلوا في وطنهم.

وخلال تفسّخ الحارات وتفرق الأميركيين العرب في الضواحي، كانت هنالك حاجة لجمع الناس في المناسبات، ففي عشرينات القرن العشرين كان هنالك عدد كبير من نوادي النساء ونوادي الرجال في كل حيّ يعيش فيه الأميركيون العرب. وكانت الكنائس في بعض الأحيان تعمل كدليل لجمع أفراد الجالية معا، لكن الشعبية المتزايدة للمهرجانات، اخترقت الخطوط الطائفية في فترة ذروتها، بين عشرينات القرن العشرين وستيناته، وكانت هذه المهرجانات احتفالات تقام في ساحات البلديات، وكانت تستمر ثلاثة أيام وتجتذب المئات وحتى الآلاف من الأميركيين العرب قبل اختتامها. ومع أن هذه المهرجانات خدمت لشحذ الفنون العربية وحفظها، فإنها كانت من حيث الجوهر، مناسبات اجتماعية وفرت منابر للشباب والكبار كي يلتقوا ويتحدثوا.

وفي الجنوب، شكلت النوادي الرياضية المحلية للرجال روابط كرة سلة وبيسبول مستقلة، كانت تجمع الأميركيين العرب من مختلف المدن ليلعبوا ويتجاملوا اجتماعيا. وفي الرابع من يوليو 1931، تم تنظيم مباريات بالكرة لمدة يومين في بورت آرثر، تكساس، ضمت أعضاء هاتين الرابطتين غير الرسميتين، وبعد شهرين شكلت مجموعة صغيرة من القادة لجنة في أوستن، تكساس، وصاغت اللجنة دستور عمل الاتحاد الجنوبي للنوادي السورية، ودعت نوادي محلية من 13 ولاية جنوبية للانضمام إلى الاتحاد وتوقيع الدستور. وفي وقت لاحق تمت تسمية التنظيم «الاتحاد الجنوبي للنوادي الأميركية السورية اللبنانية» بعد أن نال لبنان استقلاله.

ولا يزال بالإمكان مشاهدة تقاليد الاجتماع الأول وتأثيره في اجتماعهم السنوي في الرابع من يوليو، وقد وصف باحدث مناسبة عطلة الأسبوع عام 1989 كما يلي: «إن الاتحاد وطني بشكل دفاعي، والولاء والإخلاص لأميركا يظهران بصوت عال في الاجتماع، حسبما تميز في الدعوة إلى الاتحاد في عشرينات القرن العشرين، ويتم عزف النشيد الوطني عند إقامة المآدب، ولا يتم إهمال الوعد بالولاء. إن الموسيقى والطعام والنشاطات خلال المؤتمر هي تلك التي تنتمي إلى الثقافة الأميركية الشعبية مع أنه يتم عرض بعض الرموز التي تمثل الهوية المشتركة».

ومع أنه يتم التحدث بقليل من اللغة العربية فإن الحضور يشتركون في بعض الرموز الثقافية بما فيها الدبكة، في الحفلات التي تتلو تقديم الفتيات وقائع الحفلة. وهذه المناسبات السنوية أميركية واجتماعية بطبيعتها، بينما تكون السياسة فكرة أميركية وطنية فقط. وتجمع المناسبة أميركيين عربا عزّابا للتآلف الاجتماعي وربما ليعثروا على شريكة حياة. ومن دون مثل هذه الفرص لإقامة الشبكات والتواصل فقد يجد هؤلاء الأميركيون العرب تواصلا ضئيلا، وقد تفقد الأجيال المستقبلية الإحساس بالارتباط مع تراثها.

أسس اتحاد النوادي السورية اللبنانية الأميركية في منطقة الميدويست عام 1936، وشبيها بنظيره في الجنوب، يتكون الاتحاد من عدد من النوادي الإقليمية مثل النادي الفنيقي في شيكاغو، ونادي الرمال في ديترويت، ونادي الأرز للسيدات في فلينت، إضافة إلى منظمات أعضاء في ديس مونيس، وميلووكي، وكليفلاند.

إن الحدث الرئيسي هو مؤتمره السنوي، وهدفه هو ترويح ثقافة الناس وتراثهم، ومع أن تركيزه «خيري وتربوي وتثقيفي» فإن المؤتمرات السنوية واجتماعات مجالس الإدارة «توفر أيضا منبرا للجميع حتى يتحدثوا، وبالتالي حتى يقدموا صوتا موحدا نحو السلام والانسجام، وفرصة للتعبير عن الهواجس الشرق أوسطية».

ويشير اختيار الكلمات إلى أنهم ينأون بأنفسهم، عن وعي، عن هوية أميركية عربية، حين يشيرون إلى أنفسهم «كأشخاص شرق أوسطيين».

وكان الأميركيون العرب ناشطين في النوادي والمنظمات الاجتماعية غير العربية من اتحاد الشباب للعمل التطوعي إلى اتحاد الحريات المدنية الأميركية. وفي ثلاثينات القرن العشرين أراد بعض الأميركيين العرب أن ينضموا إلى نوادي شراينرز والروتاري في منطقتهم، وكانت النتائج متباينة، ووجد أن وصفهم كبيض جزئي، وكما هي الحال مع اليهود فإن كثيرين لم يتم قبولهم كأعضاء. وحدث هذا أيضا في نوادٍ حصرية.

ومثال ذلك فإن اللبنانيين في فكسبرغ، المسيسبي، قد استبعدوا من النادي المحلي حتى خمسينات القرن العشرين. وفي عام 1988، كان رئيس النادي نفسه في فكسبرغ من أصل لبناني، مما دفع المرء إلى الاعتقاد بأن قبولهم في المجتمع أخذ يكتمل الآن.

وبحلول أربعينات القرن العشرين، أظهر الأميركيون السوريون من الجيل الثاني تراثهم وأعلنوا عن إثنيتهم عندما شعروا فقط بأن من الأمان أن يفعلوا ذلك، في معارض إثنية أو عروض أزياء، مثلا. وسعيا إلى موافقة الجمهور الأميركي فقد عرضوا صورة تظهر للآخرين اختلافاتهم بطرق مقبولة، وأسسوا نوادي بشعارات وأسماء مثيرة للأميركيين مثل رجال القوافل، وهو نادٍ أخذ شعاره من الكثبان الرملية والواحات، مع أن الأعضاء كانوا من لبنان ـ وهو بلد يتكون من جبال خضراء وسواحل بحرية وسهول خصبة، وليس من المناخ الصحراوي للجمال والواحات أو الكثبان الرملية.

وكان الأميركيون غير العرب قد تصوروا كيف صور هؤلاء الشرق الأوسطيون أنفسهم كمجموعة وربما كيف رأوا أنفسهم. وأثرت الحساسية إزاء تصورات الخارجيين على التواصل الاجتماعي الوطني والنشاطات.

وبالمقارنة مع أغلبية المهاجرين من الجيلين الأول والثاني، فإن كثيرا من مهاجري الجيل الثالث كانوا أكثر تعليما، يتحدثون الإنجليزية بشكل أفضل، وكانوا على الأرجح هاربين من الاضطهاد السياسي. وكانوا أكثر تنوعا بالنسبة للبلد الأصلي، وكان كثير منهم مسلمين. ووصلوا إلى الولايات المتحدة خلال حقبة الحقوق المدنية وواصلوا الهجرة في وقت كانت فيه الثقافة المتعددة هي المعيار.

وبتقديرهم للحريات السياسية المتوافرة في الولايات المتحدة، كانوا يعربون عن هوياتهم الشخصية وارتباطهم بالعالم العربي. وبعد هزيمة عام 1967، ونتيجة غضبهم من الأنظمة السياسية العربية التي أجبرتهم على الهرب، شكلوا منظمات وطنية بأهداف سياسية أشمل ـ بناء وحدة للأغراض السياسية، وتحسين صورة العرب والأميركيين العرب في الولايات المتحدة.

ومع أنها أسست لأهداف سياسية في أغلبها، فإن كل منظمة أميركية عربية وطنية تعقد مؤتمرا سنويا أو تقيم حفل عشاء رسميا اجتماعيا بطبيعته في الأساس، ويكون الهدف الرئيسي لهذه المناسبات هو جمع التبرعات؛ لتشكيل شبكات غير رسمية للأميركيين العرب.

عندما يصل الأميركيون العرب في البداية فإن من المحتمل أن يحتفلوا بالأعياد نفسها التي كانوا يحتفلون بها في وطنهم، لذلك فإن الوافدين الجدد يعتبرون عيد الأم في 21 مارس وليس يوم عيد الأم الأميركي، وهو أول يوم أحد من شهر مايو.

والأعياد الأخرى الجديدة عليهم قد يطرأ عليها بعض التعديل، فكثير من الأميركيين العرب يعتبرون الرابع من يوليو وقتا مناسبا للشعور بالوطنية والاحتفالات العائلية. وفي الحقيقة فإن معظم الأميركيين العرب يشهدون لم شمل العائلة السنوي في تلك العطلة، ربما كجزء من تجمعات إقليمية أكبر.

وفي تلك العطلة يتجمع أبناء الأميركيين العرب من رام الله، فلسطين، ويحضر ما بين ثلاثة آلاف شخص اجتماعهم العائلي. ويتم الاحتفال بعيد الشكر كعيد للعائلة بالتركيز على الطعام، وبالنسبة لبعض الأميركيين العرب فإن الأعياد الأخرى أصعب، فقد يعتقد المسلمون أن عيد فالنتاين يشجع الرومانسية الرخيصة التي تستغل تجاريا، لدى الأولاد والبنات. كما أن الهالوين عيد آخر يعارضه بعض الأميركيين المسلمين حيث ينظر إليه على أنه احتفال بالشعوذة، ويرى مسلمون آخرون هذا العيد على أنه غير مؤذ فيسمحون لأبنائهم بارتداء ملابس تنكرية تحت إشراف الكبار.

وينظر الأميركيون، خطأ، إلى الأعياد الإسلامية على أنها أعياد عربية، لكن المسيحيين العرب لا يشتركون في المعتقدات الدينية نفسها، لذلك فإن لهم أياما وتقاليد مختلفة للاحتفالات.

وتواريخ الأعياد الإسلامية تتغير، مما يربك الأميركيين أكثر. فالتقويم الإسلامي يحسب وفق دورات القمر، ولذلك يختلف عن التقويم الذي يستخدمه معظم الناس في العالم وهو التقويم الغريغوري، الذي يعتمد على حركات الشمس. تتكون السنة القمرية من 354 يوما بينما تتكون السنة الشمسية من 365 يوما، ومع أن الأعياد الإسلامية تقع دائما في التاريخ نفسه في التقويم القمري، إلا أنها تقع قبل حوالي 11 يوما في كل سنة، في التقويم الغريغوري. لذلك فإن شهر رمضان القمري يبدأ أبكر بأحد عشر يوما من كل سنة، ولذلك فإن موسم رمضان والأعياد الإسلامية ومواعيدها تتغير وفقا لرؤية الهلال.

يحتفل المسلمون بعيدين هما عيد الفطر وعيد الأضحى، وعيد الفطر أشهر عيد في الولايات المتحدة لأنه يجيء بعد شهر الصيام، رمضان، وهو مناسبة سعيدة حيث يتم إعطاء الأطفال ملابس جديدة، ويتلقون هدايا ونقودا من الأصدقاء والأقارب.

وخلال العيد، يتوقع من المسلمين أن يصلوا في المسجد أكثر، ويقرأوا القرآن ويزوروا الأصدقاء والجيران المسلمين والعائلة، ويحتفل الأطفال اليمنيون بهذا العيد بالتجول في الحيّ، يجمعون الحلوى والهدايا والنقود. ومع أن النشاطات الأخرى في أيام العيد يمكن تكييفها بسهولة مع الحياة في الولايات المتحدة؛ فإن الأميركيين اليمنيين الذين لا يعيشون في أحياء عرقية قد لا يستطيعون الذهاب من بيت إلى بيت كما هو الحال في اليمن.

وأهم شيء بالنسبة للمسلمين في عيد الأضحى، ذبح أضحية العيد إحياء لذكرى محاولة النبي إبراهيم ذبح ابنه كأضحية، والذي يؤمن المسلمون بأنه كان إسماعيل وليس إسحاق. ويجيء هذا العيد عند انتهاء فترة الحج إلى مكة، والطريقة الوحيدة التي يختلف بها عيد الفطر عن عيد الأضحى هي ذبح الخروف وطبخه والمشاركة فيه من قبل العائلة والأصدقاء، ويهب المسلمون القيمة النقدية لنصف الخروف أو البقرة للمسجد الذي يقوم بشراء اللحم وتوزيعه على الفقراء والمحتاجين.

لقد عدّل المسيحيون الأميركيون العرب بعض عاداتهم في الولايات المتحدة، مثلما يحتفي المسلمون برمضان وهم يذهبون إلى العمل أو المدرسة طوال النهار، وهنالك قضية تظهر على السطح بانتظام وهي تتمثل فيما إذا كان ينبغي على المؤسسات، مثل الشركات والجامعات والمدارس، أن تعترف بالعيدين وبعيد الميلاد في السابع من يناير كأيام عطل للموظفين والطلاب المتمسكين بشعائرهم الدينية، وهذا الجدل جزء من التوازن بين تقبل التنوع والإصرار على إضفاء الانسجام الثقافي، وإفساح مجال للأقليات ضمن البرامج والمناهج. وقد وجدت مؤسسات أميركية مختلفة طرقا لاستيعاب الأقليات الإثنية والديانات، مع الحفاظ على نظام منتظم يواصل إنتاج العمل المتناغم والبيئات المدرسية.

إضاءة

هنالك خوف شائع، بل رهاب، بين الأميركيين العرب، من أن تعريف الشخص كعربي يجعله هدفا في الولايات المتحدة، وأن المشاركة في الحركات السياسية، وحتى أغلبية غير العرب، يمكن أن تؤدي إلى فقدان الشخص لعمله أو لوضع الهجرة. وهذا الخوف من ردة الفعل يسكت كثيراً من الأميركيين العرب عن التعبير عن آرائهم واعتزازهم بأصلهم الإثني، وبذلك يقوض مشاركتهم المدنية في التنظيمات الأميركية العربية وفي المجتمع الأميركي.