بعد بقائكم في خدمة الحكومة البريطانية طوال عشر سنوات، وبينما يبدي العالم حزنه على رؤيتكم تغادرون الصف الأول، جاءت موافقتكم، مؤخرا، على مهمة تعتبر أكثر تعقيدا واستحالة من جميع تلك المهمات التي كرستم لها نفسكم حتى هذه اللحظة. هل هي مستحيلة؟ عمليا إن هذه المهمة قد تثبط عزيمة أكثر من شخص.
لتاريخ هذا الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين الذي يبدو بلا نهاية تضاف اليوم حفنة من العوامل الضارة، تجاوز السلطة من قبل حركة حماس في غزة والصعوبات السياسية الداخلية الإسرائيلية والموقف المتأرجح للولايات المتحدة ونقص اقتناع أوروبا، رغم عمل خافيير سولانا الذي يستحق التقدير، وفي المقام الأول ذلك الشعور الرهيب بالعجز الذي يبدو أنه سيطر على المجتمع الدولي كله.
في واقع الأمر، كان هناك الكثير من الدوافع التي تثبط العزيمة. ومع ذلك، فإنه عندما نتناول قرار بلير بقبول هذه المهمة ، ليس في وسعنا إلا أن نشهد تفاؤلا مخالفا للمنطق. في المقام الأول، لأننا نعرف أخلاقه وإحساسه بالصالح العام فضلا عن عزيمته. وكذلك لأن حجم الأزمة دفع باتجاه امتلاك وعي صحي يبدو أن بوسعه أن يجعل التقدم في هذا المسار أمرا ممكنا في نهاية المطاف.
للدخول في الموضوع لا بد من الإقرار بأن هذا التحليل ينطوي، في المقام الأول، على حالة فشل مشتركة لم يعد من الممكن تجاهلها : خريطة الطريق قد فشلت. ونحن نعلم جميعا أن الوضع القائم منذ عام 2000 لا يفضي إلى شيء. وأن المتطلبات الصارمة التي عادة ما كنا نطلبها كشرط مسبق لتجديد عملية السلام لم تفعل شيئا سوى أنها دهورت الوضع بصورة أكبر.
والركود الوجل للمجتمع الدولي قد أحدث أضرارا كثيرة. هذا التقويم السلبي يجبرنا على تغيير الطرح. لكنه يسمح لنا بالرؤية لمسافة أبعد، فمن واجب أوروبا إبلاغ أصدقائنا الفلسطينيين والإسرائيليين بذلك. لأننا إذا قبلنا تغييرا بالمنظور وإذا وقعنا بخطر رؤية الوضع بعيون أخرى، فإن الوضع الحالي يقدم سلسلة من الفرص كذلك. وسنستشهد باثنتين منها.
في المقام الأول هناك سيطرة حماس على غزة. فمن هذه الهزيمة قد يولد الأمل وخطر الحرب الأهلية في الضفة الغربية والتهديدات بتقسيم حقيقي لفلسطين والعودة إلى وضعية ما قبل 1967 في الأردن ومصر، الأمر الذي قد يصيب المرء بحالة من الذهول عمليا.
بينما يعتبر رئيس السلطة الفلسطينية، بحد ذاته، دعوة إلى الأمل من خلال ما يبديه من إصرار ساعة تشجيع السلام والحوار وإدانة الإرهاب بكل جرأة وشجاعة. والسبب الآخر الذي يدفع إلى الأمل يكمن في المشاركة الحاسمة من جانب المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية وقطر إلى جانب كل من مصر والأردن.
فهؤلاء اللاعبون الجدد، بمواردهم الكبيرة، يتمتعون بإمكانية المساهمة بمساعدة حاسمة. هاتان النقطتان تسمحان لنا بإعادة تحديد أهدافنا. وهذه الأهداف، مدعومة بتركيز متجدد من جانب اللجنة الرباعية ومجموعة المتابعة التابعة لجامعة الدول العربية( مصر، الأردن ، العربية السعودية ، سوريا والإمارات) وبمشاركة الطرفين( اولمرت وعباس) ، يجب أن تكون أربعة أهداف وهي على الشكل التالي:
- تقديم الأمل بحل سياسي حقيقي لشعوب المنطقة. وهذا يقوم على مفاوضات بدون شروط مسبقة فيما يتعلق بالوضع النهائي، على الرغم من أن الطريق يمر عبر مراحل متعاقبة. وهذه المفاوضات، التي ستشمل قضايا القدس واللاجئين والحدود، ستسمح بتحديد هدف مشترك وواقعي.
- الأخذ بعين الاعتبار حاجة إسرائيل للأمن. وفكرة القوة الدولية صلبة، على طريقة قوة الناتو أو قوة الفصل السابع في ميثاق الأمم المتحدة، تستحق أن تدخل حيز الاختبار. بحيث تتمتع تلك القوة بكل الشرعية اللازمة لضمان النظام في الأراضي المحتلة وإجبار الأطراف على احترام وقف إطلاق نار ضروري. ومن نافلة القول إن الأخطار كبيرة، لكن هذه القوة قد تكون قابلة للحياة وآمنة إذا التزمنا بشرطين: أن تترافق مع عملية سلام ثابتة وأن تقوم على اتفاق بين الفلسطينيين.
- الحصول من إسرائيل على إجراءات ملموسة وفورية لصالح محمود عباس . من بينها النقل الكلي لعائدات الضرائب وتحرير ألوف الأسرى الذين لم يرتكبوا أعمالا دموية وكذلك تحرير القادة الفلسطينيين الرئيسيين لضمان مكانة فتح وتجميد الاستيطان وإخلاء المستوطنات غير الشرعية. إن أيا من هذه الإجراءات لا يمكن أن يرفض لأسباب أمنية. ويتعين على أوروبا واللجنة الرباعية أن تقول ذلك بشكل حازم ومع كل الود لإسرائيل. فلقد أصبح الوقت متأخرا جدا بالنسبة للتأمل والتفكير.
- عدم دفع حماس إلى التصعيد. وهذا يتطلب فتح الحدود بين مصر وغزة من جديد وتسهيل العبور بين غزة وإسرائيل وتحفيز السعودية ومصر على إقامة الحوار بين حماس وفتح، مثلما اقترح الرئيس مبارك. هذه الأهداف الأربعة في متناول أيدينا وعلى الرغم من التطورات الدراماتيكية والجراح والأحقاد، إلا أن الفرصة تاريخية وربما تعد الأخيرة.
نعرف قدرتكم الإبداعية وعزيمتكم ونحن على يقين من أنكم ستعرفون كيف تعالجون هذه المشكلات بطريقة شمولية. ومن هنا تأتي أهمية الدعوة ومن دون تأخير إلى مؤتمر دولي يشمل جميع أطراف الصراع.
وأنتم تتمتعون بميزة غير عادية على صعيد المساهمة في تجسيد سريع لما بقي حتى الآن مجرد فكرة وهي دولتان، إسرائيلية وفلسطينية تتعايشان الواحدة بجانب الأخرى بسلم وأمان. ولتعلموا أنه بوسع مهمتكم أن تعتمد يوما بعد آخر على دعمنا ومشاركتنا من دون أي تحفظ.
ترجمة : باسل أبو حمدة - عن «الباييس»