أنباء سيئة تهز بيروت مرة أخرى. من عاصمة لبنان، الذي يعد أحد أكثر البلدان التي عانت من أهوال صراعات لا نهاية لها زرعها الاستعمار بنوعيه، القديم والحديث، في الشرق الأوسط، تخرج تقارير صحافية محزنة بطريقة لا يمكن تفسيرها. آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذي يعيشون في مخيم نهر البارد يقعون وسط إطلاق النار بين الجيش اللبناني وجماعة فتح الإسلام في مواجهة حامية الوطيس أدت إلى نزوح معظم سكان ذلك المخيم البائس،
بينما يوجه رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة إصبع الاتهام، لكن من دون قرائن، إلى الجارة سوريا ويطلب مساعدات عسكرية من الولايات المتحدة، التي تستجيب لطلبه على وجه السرعة وتقدم له الأموال والعتاد.
لا بد من العيش في لبنان لفهم مدى خطورة هذه الأحداث في بلد خاض منذ عام فقط حربا مع إسرائيل وأذلها بهزيمة غيرت عمليا خطط الولايات المتحدة الخاصة بإعادة رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط.
ومن الممكن قراءة المزيد بين سطور الأخبار، إذ يجب ألا أحد ينسى أن هذه هي المرة الثانية التي تهزم فيها إسرائيل، التي تسمى «حاملة طائرات أميركية»، عسكريا وأخلاقيا في هذه المنطقة من العالم على يد المقاومة اللبنانية.
ولا تزال الضاحية الجنوبية في بيروت والطرقات والمباني الواقعة جنوبي البلاد تظهر بوضوح الجراح التي خلفها ذلك العدوان البربري. لكن الأنقاض هناك فخورة بالعلم اللبناني المرفوع عليها إلى جانب راية حزب الله الصفراء، الذي يعود إلى مقاتليه فضل ذلك الاستحقاق الأساسي في نصر جديد وفي عملية إعادة اعمار جديدة.
الأمر الذي يقره الجميع، بدءا بالمواطنين حتى رئيس الدولة إميل لحود، الذي التقيناه في هافانا العلم الماضي وقال لنا حينها ما لا يزال آخرون يرفضون الاعتراف به وهو أن عام 2006 شهد نصرا تاريخيا وحاسما بالنسبة لمستقبل المنطقة. وهذا العام استقبلنا لحود في بيروت، مؤخرا، وأجرينا معه حوارا مطولا.
زيارتنا إلى لبنان جرت خلال أيام كان الجو فيها بديعا، لكن ليس بسبب طبيعة هذه الفترة من السنة فقط، وإنما بسسب حلول الذكرى الأولى لذلك النصر الجديد أمام الدولة العبرية وهو السبب نفسه الذي يجعل من الوضع على الجانب الآخر من حدود لبنان الجنوبية غير محتملا، حيث تواصل حكومة ايهود أولمرت تقديم كشف الحساب الخاص بتلك الحرب الدموية المجنونة.
ذكرنا الرئيس اللبناني بأنه في لقائنا الأول كان قد استبق الأمور مستشفا ما سيترتب على تلك الحرب من أحداث باتجاه الأزمة الحالية التي تعيشها الحكومة الإسرائيلية، فلقد أعطته هذه التطورات الحق فيما ذهب إليه، فبادرنا القول: «في واقع الأمر، فإننا عندما تكلمنا في هافانا عن ذلك النصر العظيم، كانت بعض الأصوات تردد أن الأمر لا يتعلق بأي نصر لنا وأن تلك كانت هزيمة بالنسبة لنا. ولقد مر الوقت وأتت الوقائع لتؤكد ذلك النصر مجددا.
وذلك كان النصر الثاني للشعب اللبناني، بعد أن سجل النصر الأول في عام 2002، عندما انسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان تحت ضغط نضال الشعب اللبناني. والنصر الثاني كان في يوليو 2006. لكن هذا لم يكن مجرد نصر على إسرائيل وإنما على جميع اللذين قاموا بدعمها بلا قيد أو شرط.
وإسرائيل قد استخدمت أكثر الأسلحة الأميركية فتكا، بما في ذلك أسلحة لم تستخدم مسبقا. وكل تلك الأسلحة استخدمت ضد الشعب اللبناني وذلك الشعب انتصر. أما أهم درس استخلصناه من ذلك النصر فهو أن الشعب المتحد والذي يقرر المقاومة هو شعب سينتصر دائما».
وفي معرض رده على سؤال حول مدى تأثير هذه النتيجة على بقية الصراعات في المنطقة قال الرئيس اللبناني: «صدقوني أن ذلك النصر مرتبط إلى حد كبير بكافة الأحداث وتطوراتها في المنطقة. فلطالما استخدمت الولايات المتحدة إسرائيل شرطيا لها في المنطقة، حيث تستخدمها في كل مرة تقرر فيها قطع سلسلة في منطقة ما. والمرة الأولى التي هزم فيها هذا الشرطي كانت في عام 2002 وعاود الكرة مرة أخرى في عام 2006.
ورأى لحود، وهو يرد على سؤال حول إمكانية حرف مسار هذه الأزمة الإسرائيلية الداخلية باتجاه اعتداءات جديدة عوضا عن الإقرار بنهاية سياسة القوة، أنه «من الممكن حدوث أي شيء من جانب إسرائيل.
فهي دولة قائمة على مبدأ العدوان وسرقة الأرض من البلدان المجاورة، فلقد احتلت أراضي الفلسطينيين وذهبت لتوقيع اتفاقات أوسلو.
ومن ثم تشرع في الحديث عن أنها تريد السلام وتسعى إليه لكن كيف لنا أن نصدق ذلك إذا كانت تواصل احتلال المزيد من الأراضي.
في حالة لبنان، على سبيل المثال، حاولت إسرائيل بكل السبل الوصول حتى مياه نهر الليطاني، لأن لديها أطماع بالمياه. وإسرائيل تدرك أنه طالما أنها تبقي على عدد معين من سكانها وسط عالم عربي مكتظ بالسكان، فإنه يتعين عليها احتلال المزيد من الأراضي وأن تبقى في حالة حرب دائمة.
وتبقى الطروحات ذاتها قائمة، ويعاودون الحديث عن اتفاقات ومفاوضات وسلم.. إلخ. لكننا نعتقد أنه بعد الهزيمة الأخيرة من الصعب أن تنطلق إسرائيل بعملية غزو واسعة جديدة ضد لبنان أو ضد بلد آخر. صحيح أن الإسرائيليين يملكون في الوقت الحالي العنصرين الأولين، لديهم الجنود والأسلحة الذكية الفتاكة، لكنهم إذا ضربوا هذين العنصرين بإرادة القتال التي هي صفر.
فإنك تدرك حينها أنهم ليسوا مستعدين للانطلاق في عدوان كبير. بينما في لبنان، بالمقابل، يوجد شعب عاقد العزم على الكفاح والموت على أرضه وبالتالي فهناك إرادة قوية جدا للدفاع عن تلك الأرض بينما يمتلك الناس الحق في ذلك.
وأنا لا أستبعد أن تقوم إسرائيل بعمليات خاطفة ومحدودة ضد مواقع محددة من نوع الغارات الجوية، لكنها لن تحاول شن عدوان مفتوح على لبنان».وحول وضع الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية ولاسيما سمير قنطار موقف الدولة اللبنانية بهذا الخصوص أكد لحود أنه «حصل في مرحلة ما عملية تبادل للأسرى بفضل جهود الشعب اللبناني.
وبالطبع كان هناك وسيط. وأنتم تتذكرون أن اولمرت شن في يوليو 2006 الماضي حربا تحت ذريعة تحرير أسيرين بعينهما وأسراه عموما. لكن تبين أن الأمور لا تسير على هذا النحو، إذ انتهت الحرب وهم لا يأتون على ذكر الموضوع، كما لو أنه ليس هناك أي أسير إسرائيلي على أرضنا.
عندما يقتنعون بأن الطريقة الوحيدة لتحرير أسراهم هي تحري أسرانا، سيكون بمقدورنا التفاوض والتوصل إلى شيء».
وفيما يتعلق بالأراضي اللبنانية التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، أكد الرئيس اللبناني أن إسرائيل «تطرح الآن إعادة مزارع شبعا، لكن بدون المياه. ونحن نقول لهم: لا. فمزارع شبعا يجب أن تستعاد بمياهها، لأنها حق لبلادنا. كما أن أسرانا يجب أن يعودوا. وهذا هو موقفنا.
وهم يطرحون إعادة تلك القطعة من أرضنا مقابل نزع سلاح المقاومة ونحن نقول لهم إن تلك الأسلحة لن ننزعها طالما نحن في حالة صراع وحرب مع إسرائيل، مع تثبيت حقنا في مقاومة الاحتلال».
إضاءة
«لا أستبعد أن تقوم إسرائيل بعمليات خاطفة ومحدودة ضد مواقع محددة من نوع الغارات الجوية، لكنها لن تحاول شن عدوان مفتوح على لبنان».
ترجمة: باسل أبو حمدة ــ عن «آتويه»-كوبا
