في أوقات الخطر الكبرى التي وقعت أثناء القرن الماضي، نجح قادة أميركا من أمثال فرانكلين روزفيلت وهاري ترومان وجون إف كينيدي في حماية الشعب الأميركي وفي الوقت نفسه استطاعوا توسيع نطاق الفرص المتاحة أمام الأجيال التالية. فضلا عن ذلك، فإنهم ضمنوا أن تكون أميركا هي الدولة التي تقود بالفعل والقول دول العالم الأخرى وذلك بإعطاء القدوة والمثل الحسن، حيث كنا نناضل ونعمل من أجل الحرية التي كان يبحث عنها مليارات الأشخاص خارج حدودنا.
واليوم نطالب مرة ثانية بأن نوفر هذه القيادة التي تملك الرؤية المستقبلية الثاقبة. إن التحديات التي تواجه هذا البلد هي على الأقل بخطورة التحديات التي واجهناها في الماضي بل انها أكثر تعقيدا. ومن أجل تجديد القيادة الأميركية فإنه يتعين علينا أولا إنهاء الحرب في العراق بشكل مسؤول ونغير من تركيزنا ليشمل الشرق الأوسط بأكمله. إن حرب العراق كانت بمثابة جنوح عن الحرب التي خضناها ضد الإرهابيين الذين ضربوا أراضينا في الحادي عشر من سبتمبر. إن أفضل وسيلة متاحة أمامنا لترك العراق وقد أصبح مكانا أفضل مما كان عليه هي أن نضغط على الأطراف المتصارعة هناك كي يصلوا إلى حل سياسي دائم. وأفضل وسيلة يتم بها هذا الأمر هو أن نبدأ عملية انسحاب مرحلي للقوات الأميركية على أن يجري سحب كل اللواءات الأميركية العاملة هناك بحلول 31 مارس 2008 وذلك بالتماشي مع توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون. غير أنه ينبغي لنا في النهاية أن نعترف بأن القادة العراقيين هم وحدهم القادرون على إحلال سلام واستقرار حقيقيين في العراق. وفي الوقت نفسه يتعين علينا أن نطلق مبادرات دبلوماسية إقليمية دولية شاملة تهدف إلى وضع نهاية للحرب الأهلية الدائرة في العراق ومنعها من الانتشار ووضع حد لمعاناة الشعب العراقي. ومن أجل أن نحظى بالمصداقية اللازمة في هذا الصدد فإنه يتعين علينا توضيح أننا لا نسعى وراء وجود عسكري دائم في العراق.
إن تغيير الديناميكية الحالية في العراق سيسمح لنا بتركيز جل اهتمامنا على حل الصراع المستفحل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهو العمل الذي تهمله إدارة بوش منذ سنوات.
نقطة انطلاقنا يجب أن تتمثل دائما في التزام قوي وواضح بأمن إسرائيل التي هي أقوى حليف لنا في المنطقة والتي تعد الدولة الديمقراطية الوحيدة الموجودة هناك. هذا الالتزام تتزايد أهميته مع تورطنا في مواجهة تحديات أخرى في المنطقة، وهي التحديات التي تتمثل في تزايد قوة إيران والفوضى في العراق وعودة ظهور تنظيم القاعدة وصعود نجم حماس وحزب الله بشكل قوي. نحن الآن وأكثر من أي وقت مضى يتعين علينا أن نكافح من أجل التوصل إلى تسوية دائمة للصراع عن طريق إقامة دولتين تعيش كل منها بجوار الأخرى في أمن وسلام.
وفي كل أرجاء الشرق الأوسط يتعين علينا استغلال قوة الولايات المتحدة الأميركية في إعادة تنشيط الدبلوماسية الأميركية. فدبلوماسية أميركية قوية مدعمة بالقوة الأميركية على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية يمكنها تحقيق النجاح المنشود. وفيما لا يجب علينا استبعاد القوة العسكرية، فإنه لا يجب علينا في الوقت نفسه التردد في التحدث بشكل مباشر إلى إيران.
فالأسلوب الدبلوماسي الذي ننتهجه ينبغي أن يهدف إلى رفع الثمن الذي سيتوجب على إيران دفعه في حال إصرارها على المضي قدما في برنامجها النووي وذلك عن طريق توقيع عقوبات وزيادة الضغوط عليها من قبل شركائها التجاريين. يجب على العالم أن يعمل على إيقاف برنامج إيران للتخصيب النووي وحرمانها من اقتناء أسلحة نووية. كما أن الدبلوماسية المقترنة بالضغط يمكنها أن تغير من أسلوب سوريا.
وفي النهاية نحن بحاجة إلى استراتيجية شاملة لهزيمة الإرهابيين الدوليين ـ استراتيجية تعتمد على كل أركان القوة الأميركية وليس على القوة العسكرية فحسب. وكما قال قائد عسكري أميركي كبير: «عندما يكون لدى شعب من الشعوب كرامة تُحترم وفرص عمل يعتمدون عليها، فإن فرصة نمو الإرهاب والتشدد بينهم تقل بشكل كبير للغاية». ولهذا السبب نحن بحاجة إلى التعاون مع حلفائنا من أجل تقوية ومساعدة وإعادة بناء الدول الضعيفة والفاشلة.
نحن بحاجة عند التعامل مع المجتمعات الإسلامية إلى تعميق معرفتنا بالظروف والعقائد التي تغذي التشدد لديهم. هناك نقاش خطير يدور داخل الأوساط الإسلامية. فالبعض يؤمن بمستقبل السلام وبالتسامح وبالتطور وبالديمقراطية، في حين أن هناك آخرين يتبنون التشدد.
ومن أجل دعم قوى الاعتدال، فإن أميركا يتعين عليها بذل كل الجهود الممكنة من أجل تصدير الفرص لهذه الدول على مستوى الرعاية الصحية والتعليم والتجارة والاستثمار وفي الوقت نفسه يجب دعم الأشخاص المعتدلين والمصلحين السياسيين والمجتمع المدني الذين هم كلهم أطراف ساعدوا في انتصارنا أثناء الحرب الباردة. إننا نؤمن بالأمل في حين يؤمن المتشددون بالخوف. ومن ثم فإنه يمكننا كسب هذا الصراع وسنكسبه.
ترجمة: حاتم حسين ـ عن «غارديان»

