ماذا عسانا أن نفعل إذا وصل سعر برميل النفط ما يقارب مئة دولارا؟ هل يمكننا أن نستغني عن شريان الحياة الذي يعتمد عليه الاقتصاد العالمي بأسره؟ منذ دخول فصل الصيف، شهدت أسعار النفط في السوق الدولية ارتفاعا كبيرا، مسجلة أرقاما قياسية. لقد ذكرت وزارة الطاقة الأميركية أن النفط هو«شريان الحياة» للاقتصاد الأميركي.

ففي الولايات المتحدة هناك 300 مليون سيارة تعتمد على النفط كوقود وتستهلك الولايات المتحدة كل يوم ما يتجاوز 20 مليون برميل من النفط، وهو ما يمثل حوالي ربع إجمالي استهلاك النفط في العالم. وشهدت أسعار النفط قبل أيام ارتفاعات متواصلة واقتربت أحيانا من حاجز ال72 دولارا للبرميل، مما استدعى اهتمام كل دول العالم لما ينطوي عليه الأمر من خطورة.

كل الأجهزة التي نراها تشغل الحياة من حولنا والتي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على النفط، بما في ذلك الأجهزة الإليكترونية وكوابل الهاتف. بل إن الأدوية الخاصة بعلاج بعض الأمراض المنتشرة عالميا مثل السكري وارتفاع ضغط الدم والاكتئاب تعتمد بشكل أو بآخر على مشتقات نفطية.

المواد الكربونية الموجودة في النفط تشكل الأساس الذي تقوم عليه صناعة البتروكيماويات التي يزيد حجمها على تريليونات الدولارات والتي تعتمد عليها أيضا منتجات منزلية كثيرة، مثل الطلاءات والأحبار والمواد البلاستيكية والمواد المعطرة واللواصق، وغيرها من الأشياء التي يصعب حصرها في هذا المقام.

هذا الاعتماد الكبير على النفط ومشتقاته يعود بنا للسؤال نفسه مرة أخرى التي أفردت له مجلة نيوساينتست تغطية متميزة في أحد أعدادها الأخيرة: ماذا إذا وصل سعر برميل النفط إلى 75 دولارا؟

وهو بالفعل في طريقه إلى أن يصل إلى هذا الرقم في ظل التوترات الجيوسياسية التي يعج بها العالم والتي تؤثر سلبا في تدفق النفط من بعض بؤر العالم الملتهبة، وبالتالي تؤثر على المعروض ومن ثم تتسبب في رفع السعر إلى مستويات قياسية لم يشهدها العالم من قبل.

الإجابة تأتي على لسان محرري المجلة أيضا وتتمثل في أن الوقود العضوي قد بدأ بالفعل في تزويدنا باحتياجاتنا من الديزل والجازولين، ومن ثم فإن الأرض ممهدة أمام الدول للاستغناء عن الذهب الأسود واللجوء إلى الوقود العضوي كمصدر بديل وفعال للطاقة.

وقد بدأت بعض الدول بالفعل خطوات حثيثة من شأنها توفير معالجة مناسبة للوقود العضوي من أجل تطويعه كي يحل محل النفط الطبيعي بشكل كامل. مثل هذه الإجراءات بالإضافة إلى مجموعة من الاستراتيجيات التي تهدف إلى تغيير الأسلوب الذي نقوم من خلاله بتدفئة منازلنا وتشغيل وسائل المواصلات لدينا تحدد معالم الطريق الذي يمكن أن نسلكه تجاه مستقبل خال من النفط، على حد تعبير المجلة.

عدد متزايد من الدول والحكومات بدأ يتحرك من أجل بلوغ هدف «عالم بلا نفط».

ففيما أصبحت جهود التغير المناخي على قمة قائمة الأولويات العالمية، فإن عددا كبيرا من الدول يبحث الآن عن وسائل لتقليص حجم الانبعاثات الكربونية الضارة التي تساهم في زيادة حدة الاحتباس الحراري، وهي الانبعاثات التي ترجع في جانب كبير منها إلى استهلاك العالم لما يزيد على 80 مليون برميل نفط يوميا.

دولة مثل السويد تخطط للاستغناء عن الواردات النفطية بحلول عام 2020، حيث لا يجري حاليا استخدام النفط في عمليات تدفئة المنازل على الإطلاق بالإضافة إلى تقليص حجم النفط المستخدم في تشغيل وسائل المواصلات. وحتى بالنسبة للدول التي هي أقل اهتماما بنقاء البيئة، فإن تقليص الاعتماد على واردات النفط يعد من أولويات الأمن القومي هناك.

الأمر الذي لا يقبل الشك الآن هو أن أسعار النفط سوف تواصل ارتفاعاتها في الفترة من الآن إلى عام 2030. فسعر النفط قد ارتفع بالفعل من 25 دولارا للبرميل في 2001 إلى نحو 72 دولارا مؤخرا، الأمر الذي ترك المستهلكين وأصحاب الأعمال بلا أي خيار سوى العمل من أجل إيجاد بدائل فعالة للذهب الأسود.

النفط بالفعل أداة حيوية من الصعوبة بمكان الاستغناء عنها. ثمة سبب قوي يقف وراء استخدامنا للنفط بهذا الشكل في تشغيل حافلات النقل والطائرات والسيارات الصغيرة وكذلك في تدفئة المنازل من البرد القارس. فهو يعد وسيلة اقتصادية فعالة للغاية، مناسبة تماما لنقل الطاقة. كما أنه مناسب بالدرجة نفسها كمصدر للكيماويات.

تقريبا 90% من النفط الذي يأتي من باطن الأرض يجري استخدامه كوقود، ومن ثم فإن أي إستراتيجية تهدف إلى التخلص من الاعتماد على النفط يجب أن تضع في اعتبارها هذا الاحتياج الكبير للنفط ومن ثم تعمل على إيجاد بدائل للنفط كوقود. بعض الخيارات المطروحة في هذا الصدد تتمثل في غاز الهيدروجين، والطاقة النووية وطاقة الرياح.

أما نسبة الـ 6,3% من النفط المستخرج من باطن الأرض والتي تذهب إلى الصناعات الكيميائية فهي تمثل مشكلة أخرى مختلفة تماما. فالوظيفة الوحيدة لهذه النسبة تتمثل في توفير مواد تعتمد على الكربون يعول عليها العالم الآن بشكل قوي للغاية.

إذن فمن أين سنأتي بهذا الكربون إذا أردنا التخلص من اعتمادنا على النفط؟ يقول المهندس الكيميائي برينت شانكس، من جامعة ولاية أيوا الأميركية: « إذا أردنا تحولا إلى نظام مستديم للطاقة بديلا عن النفط فإنه ليس أمامنا سوى خيار واحد وهو المواد الخام البيولوجية.»

غير أن الوقود العضوي على الرغم من فوائده ودوره الكبير في تقليل اعتمادنا على النفط له هو الآخر عيوبه. فقد حذر تقرير أصدرته الأمم المتحدة من التسرع في التحول الى الوقود العضوي المستخلص من المواد الزراعية لتأثيره الخطر في الكائنات الحية والبيئة.

وأشار التقرير إلى أنه من الممكن أن تكون هناك نتائج ايجابية لاستخدام هذا النوع من الوقود. ومن الممكن أيضاً أن تكون هناك نتائج سلبية مثل القضاء على الغابات وزيادة أسعار المواد الغذائية جراء استغلال مساحات من الأراضي الزراعية لزراعة المواد المنتجة للوقود العضوي.

وأوضح التقرير أن الوقود العضوي مفيد للغاية عند استخدامه في التدفئة وإنتاج الطاقة أكثر من استخدامه لوسائل النقل وأن «الأبحاث الأخيرة أثبتت أن استخدام الوقود العضوي للتدفئة والطاقة بدلاً من وقود السيارات والاستخدامات الأخرى يُعدّ الأفضل من الحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون والحد من ظاهرة الاحتباس الحراري».

وأضاف التقرير: «إن تطوير الصناعات الخاصة بإنتاج الطاقة العضوية يمكن أن يوفر طاقة نظيفة تصدر عنها آثار جانبية محدودة يمكن أن يستفيد منها ملايين الأشخاص من المحرومين من مصادر الطاقة المختلفة».

وأفاد التقرير أن «إنتاج هذا النوع من الطاقة يوجد أيضاً فرص عمل جديدة ومصادر دخل متنوعة لسكان المناطق الفقيرة».

غير أن الموقف لا يزال غامضا على حد تعبير المجلة فيما يتعلق بقدرة هذه الأنواع البديلة على أن تحل محل الذهب الأسود. يقول شانكس: « التكلفة هي في النهاية التي ستحسم الأمر.

ففي حال انخفاض سعر النفط إلى 10 دولارات، أعتقد أننا سننسى الأمر برمته و لن نفكر في البحث عن مصدر بديل للنفط. وعلى الجانب الآخر فإنه في حال ارتفاع برميل النفط إلى مئة دولارا فإن الكثير من الأمور يمكن أن تحدث ومن الممكن أن نستطيع في النهاية التغلب على إدماننا للنفط».

إعداد: حاتم حسين