يظل الأميركيون العرب قادرين على إدهاشنا بما يتسمون به من ديناميكية وتنوع وقدرة على التأثير في المجتمع الأميركي بشكل يتجاوز كثيراً نسبتهم من إجمالي الأميركيين التي لا تتجاوز 2 ,1%، والمؤلفة تبادر هنا إلى تعريفنا بتفاصيل وضعهم السكاني من ناحية وعلاقتهم بالفكرة القومية العربية من ناحية أخرى.

حيث نجد أنفسنا حيال ثلاثة تنظيمات رئيسية منذ أواخر الستينات وأوائل السبعينات في القرن الماضي تشترك جميعها في تعزيزها للحس القومي لدى أعضائها وترجمته إلى حركة فعالة ومؤثرة، وبصفة خاصة على صعيد دور السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، وتشدد المؤلفة على أن السياسات والانقسامات في الشرق الأوسط تؤثر كثيراً على الأميركيين العرب، وبصورة سلبية في أحيان كثيرة. مع أن الأميركيين العرب لا يشكلون سوى 1 ,2% من إجمالي سكان أميركا، فإن أعداد المهاجرين العرب بين 1990 و2000 زادت من السكان الأميركيين العرب، ويمكن فهم تنوع الجالية في هذه الأيام من خلال دراسة معمّقة للبلد الأصلي والدين، لكن الميل القوي لدى الأميركيين العرب للعيش في مناطق المدن الكبيرة يعني أن هنالك مجموعات كبيرة من الأميركيين العرب في بعض المدن الأميركية الكبيرة.

وفي هذه المدن، يدل كثير من الأميركيين، بمن فيهم الأميركيون العرب، على جاليتهم من خلال موقع سكنهم ووضعهم الاقتصادي الاجتماعي. فالأميركيون العرب يعيشون في مناطق متنوعة من المدن الداخلية إلى الضواحي، مع أن عددا قليلا منهم يعيشون في المناطق الريفية. وعلاوة على الموقع الجغرافي والثروة المادية، فإن هناك كثيرا من الطرق تنقسم بها الجالية، فشعار القومية العربية اكتسب شعبية بين الأميركيين العرب بعد حرب 1967، ومنذ ذلك الحين، تستخدم معظم المنظمات الوطنية عبارة أميركي عربي للإشارة إلى انتمائهم الإثني للغرباء، وهذا بدوره أدى إلى تعزيز الشعار داخل الجالية.

وعكس تزايد الوعي الإسلامي بين المسلمين الأميركيين العرب، التركيز المتزايد على دور الدين في الهوية في المجتمع الأميركي، لكنه أيضا يعكس التمحيص المتزايد للجالية الإسلامية للمعاملة التمييزية والاشتباه بهم؛ وقد تتنافس الهوية كأميركي عربي وكمسلم عربي على الأولوية، مثلما يمكن للانتماء الديني للمسيحيين أن يقسم الأميركيين العرب.

وهنالك تقسيم آخر وهو الجيل أو طول الإقامة في الولايات المتحدة، والذي يعتقد بشكل شائع أو غير دقيق، أنه مرتبط مباشرة بدرجة الذوبان في الولايات المتحدة، وبالتالي المسافة بين الفرد وتراثه الإثني.

إن هذه التقسيمات الملموسة تظهر في الشبكات والمنظمات الاجتماعية، فمنذ تسعينات القرن التاسع عشر، كان الأميركيون العرب يشكلون ويعدلون ويحلون المنظمات التي تعكس مصالحهم وأولوياتهم كمجتمعات صغرى. وكيّف الأميركيون العرب احتفالاتهم وأعيادهم مع الحياة في الولايات المتحدة.

حقائق الوضع السكاني

تقدر المنظمات الأميركية العربية وشركات استطلاع الرأي أن عدد الناس ممن هم من أصل عربي، والذين يعيشون في الولايات المتحدة، حوالي 5 ,2 مليون شخص، وهذا التقدير يشمل المواطنين الأميركيين والمقيمين الدائمين، وعربا يعيشون في الولايات المتحدة (مثل الطلاب والأجانب والأشخاص الذين ينتظرون عملية الهجرة).

ومع أن أرقام التعداد السكاني لعام 2000 كانت أدنى، فإن التعداد السكاني وتقديرات المنظمات الأميركية العربية تسجل أن عقد تسعينات القرن العشرين شهد زيادة كبيرة في عدد الأميركيين العرب ـ أكثر من 30% بين 1990 و2000 وهذه الزيادة تعود إلى حدّ ما إلى تدفق المهاجرين الجدد من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وبين 1990 و2000 قدرت الأجهزة الأميركية للجنسية والهجرة أن 712, 328 عربيا هاجروا إلى الولايات المتحدة، ومن بين هؤلاء المهاجرين، غالبية مسلمة، والعدد الأكبر كان من مصر. وشهدت تسعينات القرن العشرين تدفقا مستمرا من اللبنانيين والأردنيين، وبعضهم فلسطينيون مقيمون في البلدين. وزاد عدد المهاجرين العراقيين بعد حرب الخليج الأولى (1990 ـ 1991)، وزاد عدد الصوماليين والمغاربة المهاجرين إلى الولايات المتحدة، بشكل كبير، منذ أواسط تسعينات القرن العشرين.

ورغم تدفق الجنسيات الأخرى، فإن اللبنانيين يظلون يشكلون أكبر عدد وفق الموطن الأصلي، حيث يشكلون ثلث الأميركيين العرب كلهم. وأدى تدفق المهاجرين إلى تغيير تركيبة الأميركيين العرب، ويشكل المصريون حاليا ثاني أكبر مجموعة وطنية، يتلوهم السوريون.

ومع أن الأميركيين العرب يعيشون في جميع الولايات الخمسين، فإن أكثر من 90% يعيشون في المناطق التابعة للمدن الكبيرة، وعلى رأسها لوس انجلوس، وديترويت، ومدينة نيويورك/نيوجيرسي، وشيكاغو وواشنطن العاصمة. ومنذ ستينات القرن التاسع عشر تدفق المهاجرون الجدد على مناطق تضم تجمعات كبيرة من العرب، ويعيش ثلث الأميركيين العرب في كاليفورنيا أو نيويورك أو مشيغان، حيث يوجد في هذه الولايات مدن تضم جاليات مزدهرة ومتنوعة.

وفي تسعينات القرن العشرين تضاعف عدد الأميركيين العرب في فرجينيا وكارولينا الشمالية وكونيكتيكوت وألاباما ونيومكسيكو، لكن أكبر زيادة في عدد السكان الأميركيين العرب كانت في إلينوي وبنسلفانيا ومشيغان. وربما ينسجم النقص في عدد الأميركيين العرب في ميريلاند ورود إيلاند ولويزيانا وفرجينيا الغربية والمسيسيبي، مع الزواج عبر الولايات، ويعكس هذا النقص شيخوخة الجاليات الأميركية العربية الأكبر سنا وأعدادهم هناك.

إن اللبنانيين أكبر مجموعة من الأميركيين العرب في معظم الولايات عدا نيوجيرسي، حيث يشكل المصريون أكبر جالية. ويظهر الأميركيون المصريون الذين يعيشون في منطقة مدينة نيويورك، في جيرزي سيتي. وهنالك أيضا أعداد كبيرة من السوريين في رود أيلاند، ومن اليمنيين في مشيغان (خصوصا في ديربورن)، وفي منطقة مدينة نيويورك.

ويشكل الفلسطينيون والعراقيون أعدادا كبيرة في إلينوي ومشيغان وكاليفورنيا. وفي العقود القليلة الأخيرة، استقر المغاربة بمحاذاة الساحل الشرقي، ويعيش معظمهم بين بوسطن وواشنطن العاصمة. ويعيش حوالي نصف مليون إلى 600 ألف يهودي من أصل عربي في مدينة نيويورك.

وهنالك كثير من المجادلات حول تقسيم الأميركيين العرب إلى مسلمين ومسيحيين، وتقدر بعض المنظمات الأميركية العربية أن 63% من السكان مسيحيون (18% أرثوذكس شرقيون، 35% روم كاثوليك شرقيون، و10% بروتستنانت) و24% مسلمون، و13% من ديانة أخرى أو بلا انتماء ديني.

ويقدّر آخرون تقسيم السكان الأميركيين العرب إلى 50% مسيحيين، و50% مسلمين. ورغم هذه الأرقام المختلفة فإن من الواضح أن أبناء الجيلين الثاني والثالث من الموجة الأولى من المهاجرين العرب مسيحيون من لبنان وسوريا بشكل أساسي، وما زالوا يشكلون نسبة كبيرة من الأميركيين العرب.

إن نسبة كبيرة (80%) من العرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة، مواطنون، ومع أن معظم الأميركيين العرب أميركيو المولد، فإن حوالي 40% هم مهاجرو الجيل الأول، الذين ولدوا في الخارج وتم تجنيسهم في احتفالات تجنيس في كل أنحاء أميركا. إن ربع هؤلاء الأميركيين العرب الذين ولدوا خارج أميركا وصلوا في تسعينات القرن العشرين، لكن نسبة الجنسية تظل مستقرة نتيجة نسبة التجنيس العالية للعرب (54%).

وأسباب الميل الشديد لدى الأميركيين العرب لأن يصبحوا مواطنين أكثر من ميل الإثنيات الأخرى في تسعينات القرن العشرين لم يتم تفسيرها من خلال بحث متعمق. هنالك اختلافات سكانية مثيرة للاهتمام بين الأميركيين العرب وسكان أميركا كلهم، فمتوسط عمر الأميركيين العرب بالمقارنة مع الأميركيين عموما كان أدنى، ومعدل عمر الذكر أعلى من الأنثى، مع أن نسب المتزوجين أعلى قليلا بالنسبة للأميركيين العرب. وتعطي الإحصائيات مؤشرا أوليا بأن الأميركيين العرب أصحاء بالنسبة للجندر والعمر، ويتصف النمو الطبيعي للجالية بنظرة إيجابية.

العمل والصور الاقتصادية

بعد إصدار تعداد عام 2000 السكاني، كتب صحفيون من «الواشنطن بوست» أن «الصورة السكانية كانت مختلفة عن الصور الأخيرة في أخبار المهاجرين الشباب والعزاب وغير المستقرين». وأعرب أولئك الصحافيون عن الدهشة لأن النتائج وجدت أن «الشرق أوسطي المثالي في منطقة واشنطن.

وعلى صعيد أميركا، رجل عائلة مهني يعيش في الضواحي». وفي الحقيقة، فإن تعداد عام 2000، مثل تعداد عام 1990، وجد أن الأميركيين العرب أغنى وأكثر تعليما من معظم الأميركيين. ويمكن اليوم أن تجد الأميركيين العرب في كل مهنة مع أن معظمهم (88%) يعملون في القطاع الخاص.

إن الناحية المميزة للقوة العاملة الأميركية العربية، على صعيد أميركا، أن كثيرا من منهم لهم مصالحهم الخاصة. وبينما تلاشى الطلب على الباعة المتجولين الذين يحملون البضائع من بيت إلى بيت، بين الأعوام 1900 و1920، فإن الأميركيين العرب فتحوا مصالحهم ومتاجرهم لبيع الأقمشة والملبوسات الجاهزة، وكان الآخرون الذين تم استخدامهم في المصانع ومعامل المنسوجات يعملون ساعات طويلة، ووفروا لشراء مصالحهم التجارية الخاصة بهم.

وتخلّى كثير من أبناء الجيل الثاني، الذين استقروا في الولايات المتحدة، عن أفكار آبائهم بتأجيل الوضع المادي والاجتماعي الذي تحسن، إلى أن يعودوا إلى الشرق الأوسط. وبدلا من ذلك أخذوا يتطلعون لأن يصبحوا طبقة متوسطة في أميركا، ويحذوا حذو أجدادهم «أدار بعضهم مصالح صغيرة تملكها العائلة، والتي ورثوها أو أسسوها هم، وفي حلقة دوارة تستمر حتى اليوم»؛ وقد شغل الوافدون الجدد من الشرق الأوسط الشواغر التي خلّفها المهاجرون الأكبر سنا واشتروا المصلحة التجارية حين كان المالك يتطلع للرحيل. ومع أن أنماط العمل تغيرت فإن التقاليد الريادية القوية ظلت مستمرة.

تشكل الشبكات العائلية النشطة في أغلب الأحيان، العمود الفقري للمشاريع التجارية، وهي مهمة في إنجازات كثير من الأميركيين العرب. فمن الشائع أن تجد في البقالات كثيرا من أفراد العائلة وحتى من أبناء الأجيال، يعملون معا. فأفراد العائلة يساعد أحدهم الآخر، للعثور على عمل خارج المصلحة التجارية العائلية، وهم في كثير من الأحيان، يقرضون المال ويقدمون الرأي والمشورة للأقارب الآخرين لبدء مشروعهم الخاص بهم أو تغيير مجال العمل.

واختار بعض الأميركيين العرب من الجيل الثاني والثالث ألا يفتحوا مصالحهم الخاصة بهم، وانضموا بدلا من ذلك إلى عدد متنوع من المهن والصناعات كموظفين. وفي هذه الأيام يدعم الآباء الأميركيون العرب أبناءهم حتى يصبحوا مهنيين، وعلى الأخص، أطباء ورجال أعمال وصيادلة ومهندسين، وهم في الغالب يثنون أبناءهم عن أن يكونوا فنانين لأنه خيار أكثر مخاطرة من مهن «ذات نجاح مضمون».

وجد تعداد عام 2000 أن 73% من الأميركيين العرب يعملون في المجالات الإدارية أو المهنية أو التقنية أو المبيعات ـ وكثير منهم يصغون بشكل واضح لنصيحة آبائهم، وبهذه الطرق، فإن العائلة والعمل ليسا مشروعين فرديين، فالعالمان مترابطان في الغالب بالنسبة للأميركيين العرب.

لقد استثمر الأميركيون العرب من جميع المستويات التعليمية والأجيال في المصالح التجارية، مثل المطاعم والمخابز، وخصوصا متاجر الأغذية والفنادق والمكاتب الطبية والقانونية، والتبغ والبقالات، إضافة إلى شركات الاستيراد والتصدير. ومن وقت قريب اشترى المهاجرون الامتيازات في السلاسل الوطنية، خصوصا في محطات الوقود ومحلات النثريات ومحلات تصليح السيارات، إضافة إلى العقارات ووكالات التأمين. كما أن الأميركيين العرب الذين ركزوا على التعليم مدرسون في المدارس والجامعات وكليات المجتمع، وهنالك نسبة كبيرة تعمل في صناعة التكنولوجيا المتقدمة كمالكين ومبرمجين وفنيين.

إن العمل المتفرغ أو بدوام جزئي، الذي يقوم به الأميركيون العرب، يعكس في الغالب القوة الاقتصادية لموقعهم، حيث إن أثرى الجالية الأميركية العربية موجودة في واشنطن العاصمة، وفرجينيا الشمالية، حيث انتقل إليها كثير من النخب العربية واستقروا وخصوصا في مقاطعة فيرفاكس. وهنالك رجال مبيعات أميركيون عرب في أناهيم، كاليفورنيا وكليفلاند وأوهايو.

ويعمل الأميركيون العرب في مجالات الرعاية الصحية والتعليم في بوسطن، وينتشر الإداريون في بيرجن ـ باسياك، ونيوجيرزي ويعمل كثير من الأميركيين العرب في التصنيع في ديترويت وشيكاغو. وفي بعض الحالات تطورت المجتمعات الأميركية العربية .

حيث توافرت الفرص الاقتصادية، مثل صناعة السيارات في ديترويت. وعندما نقلت شركة فورد موتور مصنع إنتاجها من هايلاند بارك إلى ديربورن، عام 1913، انتقلت الجالية العربية معها حتى يمكن لها أن تذهب إلى العمل مشيا على الأقدام. والأميركيون العرب نشيطون في الحركة العمالية، فقد كان الأميركي العربي، ستيف يوكيش، ثامن رئيس لاتحاد عمال السيارات الموحّد.

تجليات الوعي القومي

حتى عام 1967، كان الأميركيون العرب يعبرون عن هويتهم بشكل أساسي وفق البلد أو القرية أو المدينة الأصلية، ووفق الانتماء الديني، وكان لحركة القومية العربية التي عمّت الشرق الأوسط أثر ضئيل على الأميركيين العرب، الذين كانوا مع الحرب العالمية الثانية يذوبون في الثقافة الأميركية السائدة، وعلى الأقل أمام الملأ، وبعد عام 1945 انتقل بعض العرب من خلفيات نخبوية إلى أمان الولايات المتحدة، وصلوا بآراء قوية حول السياسة في الشرق الأوسط .

وهي أيديولوجية تؤمن أن كل العرب أمة واحدة، وأن الحدود بين الأقطار العربية حدود مصطنعة، فرضتها القوى الاستعمارية لتقسيم العرب. وبتفسخ الجمهورية العربية المتحدة عام 1961 وهزيمة العرب في حرب الأيام الستة، بدأت العروبة تتراجع شعبيتها في الشرق الأوسط. ومن المفارقات، أن الفشل والعار اللذين شعر بهما العرب نتيجة حرب 1967 عملا كحافز للأميركيين العرب للالتحام وتشكيل جالية.

وعندما تضاءلت شعبية القومية العربية في الشرق الأوسط، فإن هذه الشعبية ازدادت في الولايات المتحدة، حيث خلق انحياز السياسة الخارجية الأميركية لإسرائيل في حرب 1967 صورا سلبية للعرب في وسائل الإعلام الأميركية، فالناس من أصل عربي الذين كانوا لا يظهرون أنفسهم، ويذوبون ويخفون أصولهم، وجدوا أنفسهم أهدافا للتمييز والتعليقات السلبية في الساحات العامة.

وحتى يدافعوا عن أنفسهم، ردّ كثير من الأميركيين العرب الأكثر ذوبانا، بتعلّم المزيد عن الشرق الأوسط ومصادقة المهاجرين الجدد، الذين علموهم الأوضاع السياسية والاقتصادية في العالم العربي من منظور شخصي. واستقر المهاجرون الجدد، الذين كانوا يعدون أنفسهم عربا قبل الهجرة، في الولايات المتحدة، وبدأوا يعرفون أنفسهم كأميركيين.

ومن خلال تفحص الأمور المشتركة للمكان والتمييز، بدأ المهاجرون الجدد وأقرانهم الأكثر استقرارا في مزج الهويتين في هوية رئيسية للأميركي العربي، وازداد وعي إثني سياسي جماعي حين كان القادة يعملون معا تحت شعار أميركي عربي جديد لموازنة الإشارات السلبية عن العالم العربي في الولايات المتحدة.

ولقيت هذه الجهود عونا آخر من خلال خطاب الانبعاث الإثني في الثقافة الشعبية الأميركية في أواخر ستينات القرن العشرين وسبعيناته، والتي شجعت الناس على الإعلان عن تراثهم والمجاهرة بكونهم أفرادا من مجموعة إثنية أو جالية جماعية. ومع انتصارات الحقوق المدنية والاحتجاجات ضد الحرب في فيتنام، فإن كثيرين أخذوا يجاهرون بما لديهم، كأميركيين، لمصلحة الحقوق الفلسطينية في تقرير المصير والدولة.

ونتيجة لهذا التماسك الجديد بين مختلف المجموعات، والقناعات السياسية المشتركة، تأسست ثلاثة تنظيمات رئيسية في أواخر ستينات القرن العشرين وأوائل السبعينات منه، وهي «خريجو الجامعات الأميركيون العرب»، عام 1968، و«مركز الجالية العربية للخدمات الاقتصادية والاجتماعية» عام 1972، و«الرابطة الوطنية للأميركيين العرب» عام1973 ومنظمة «خريجو الجامعات الأميركيون العرب» هي أقدم تنظيم أميركي عربي لأنها أولا استخدمت لقب «أميركي عربي».

وعزز اختيار أسماء هذه التنظيمات هوية قومية عربية لأعضائها، ووسم عملها للاقتداء بقاعدة إثنية. وباستخدام محدّد واسع للهوية، استطاعت التنظيمات الأميركية العربية أيضا الادعاء بأنها تمثل جهودا أكبر لأهداف الانتخابات والتعداد السكاني والخدمات العامة.

وكان واحد من الاهتمامات المشتركة للأميركيين العرب الأكثر ميلا للسياسة، مثلما هو حال معظم التنظيمات الوطنية، دور السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط. وكانت القضية الرئيسية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي التي ولّدت كثيرا من الحوار والجدل داخل الجالية الأميركية العربية، حيث يؤمن البعض بحلّ الدولة الواحدة، وآخرون يؤمنون بحل الدولتين. ويشير حل الدولة الواحدة إلى الحل المقترح للصراع الفلسطيني الإسرائيلي بإيجاد دولة علمانية ديمقراطية من قوميتين تشمل العرب واليهود مع حقوق متكافئة.

ويدعو حل الدولتين إلى إيجاد دولة فلسطينية للعرب إلى جانب إسرائيل القائمة حاليا. وكدعاة للحقوق الفلسطينية والعدالة، فإن بعض الأميركيين العرب أثاروا غضب الحركات والأفراد الموالين لإسرائيل، مما أدى إلى تنميط وتمييز أكثر ضد الأميركيين العرب في سبعينات القرن العشرين.

وأدت ردة الفعل، إضافة إلى ميول سياسية شخصية، ببعض الأميركيين العرب إلى الادعاء بأن التنظيمات على المستوى الوطني بالغت كثيرا في التركيز على العالم العربي والقضية الفلسطينية بشكل خاص، بينما لا يوافق آخرون على ذلك. ووصف مؤسس اللجنة العربية لمكافحة التمييز، السناتور جيمس أبورزق، القضية الفلسطينية الإسرائيلية بأنها «صراع خلق فوضى اجتماعية وسياسية مع جاليتين.

مواقف متعارضة

إن ثلاثة من التنظيمات على الصعيد الوطني (فيما عدا أكسس)، تكرس وقتا وجهودا كبيرة للسياسة الخارجية الأميركية، لذلك فإن السياسة والانقسامات في الشرق الأوسط تؤثر كثيرا على الجالية الأميركية العربية. ومع أن أحداثا أخرى ضربت الطبقة الخارجية للوحدة، فربما كانت حرب الخليج الثانية (1990 ـ 1991) أكثر الأمور تفسيخا، حيث اتخذت التنظيمات المختلفة مواقف متعارضة، بعضها أيد عاصفة الصحراء وأخرى فضلت حلولا سلمية لاجتياح الكويت.

وكما هو الحال في الشرق الأوسط، فإن مواطنين من بلد معين أخذوا بمواقف حكومتهم، ومثال ذلك أن بعض الأميركيين المصريين أيدوا عاصفة الصحراء وآخرون لم يؤيدوها. وفي تلك الحالة كانت الجالية منقسمة وفق البلد الأصلي، لكنها منقسمة بواسطة الرضا عن سياسة الحكومة الأميركية أو الاستياء منها.

وعلى أية حال فإن الانتماءات للبلد الأصلي يمكن أن تقسم الجالية الأميركية العربية في ظروف مختلفة، ففي أواخر سبعينات القرن العشرين شعر بعض الأميركيين المصريين بالنفور من التنظيمات الأميركية العربية الوطنية، والتي انتقد معظمها مصر لتوقيعها اتفاقيات كامب دافيد. ولدى تهميشهم من جانب التنظيمات الأميركية العربية، تخلى بعض الأميركيين المصريين عن عضويتهم في هذه التنظيمات الوطنية ونأوا بأنفسهم عن المحدّد الواسع لهوية الأميركي العربي.