لاكلاك بوراراوانغا (أو برباره كما تقدم نفسها) تتذكر جيداً الأيام الدراسية التي قضتها في الستينات في ييركالا، وهي مستعمرة في «أرنهم لاند» في المناطق الشمالية من أستراليا. كان الأساتذة يعطونها قطعة صابون لتغسل بها فمها في حال تحدثت بلغة السكان الأصليين الأم بدلاً من اللغة الإنجليزية.

كان السكان الأصليون آنذاك يُعتقد أنهم سيندمجون في التيار العام في أستراليا، وهي سياسة فقدت مصداقيتها منذ ذلك الحين وقد أدانتهم بأنهم عرق منكوب. غير أنه فيما تحيي أستراليا الذكرى الأربعين للاستفتاء الدستوري لإنهاء التمييز ضدهم، اقترح جون هوارد، رئيس الوزراء الأسترالي، مؤخراً بأن السكان الأصليين مطالبون بتعلم اللغة الإنجليزية، لكي يتم «استيعابهم في تيارنا العام». برباره تتحدث اللغتين بطلاقة. ولكنها تتساءل ما مدى تغير المواقف الرسمية بالنسبة لشعبها خلال الأربعين عاماً هذه.

في الاستفتاء الذي أجري في مايو عام 1967، عدل الأستراليون دستورهم ليسمحوا للحكومة الفيدرالية (بدلاً من الولايات ، كما في السابق) بسن القوانين لسكان أستراليا الأصليين ولكي يتم إدراجهم للمرة الأولى في الإحصاء الوطني. لقد تم تمرير التعديل من قبل الأغلبية الساحقة أي 90%. غير أن السكان الأصليين الذين يبلغ تعدادهم 500 ألف، والذين يشكلون حوالي 5,2% من سكان أستراليا، ما زالوا يعانون معوقات مزمنة في الوظائف، والمدارس والصحة.

متوسط العمر لديهم يقل عن المتوسط العام للاستراليين ب18 عاماً. يبدو هذا الأمر باعثاً على الاستنكار بصورة إضافية في وقت تنعم أستراليا بأطول فترة ازدهار في الذاكرة.

في ضوء خدمته لفترة أطول من أي رئيس وزراء منذ الاستفتاء (11 عاماً) كانت لهوارد الفرصة الأفضل لتحقيق تغيير ما. لقد أساء أداء دوره. ورفض الدعوات التي تنادي بالتقدم باعتذار وطني رمزي عن الظلم الذي ارتكب في الماضي. وذهب إلى القول إن الأمل الأفضل للسكان الأصليين للمشاركة في «الثروة والفرص الجيدة» يكمن في مساعدتهم للانضمام إلى التيار السائد في المجتمع من خلال إصلاحات تقوم على السوق مثل تمكينهم من شراء بيوت خاصة بهم على أرض مملوكة للمجتمع.

تعكس هيلين هيوز من مركز الدراسات المستقلة، وهو مركز أبحاث محافظ في سيدني، وجهات نظر رئيس الوزراء في كتاب صدر مؤخراً. وقد ذكرت أن مستوطنات في أماكن مثل أرنهام لاند تعد فشلاً، وتقول إنها تتضمن «عنصرية عكسية» عن طريق عزل المقيمين فيها عن فوائد اقتصاد التيار الرئيسي.

ولكن بعض هذه الجماعات تزدهر باعتبارها مراكز لفن السكان الأصليين. وقد اختارت أقلية فقط من السكان الأصليين العيش في مواطنهم، حيث عاش أجدادهم على امتداد 60 ألف عام قبل أن يصل الأوروبيون عام 1788. والمزيد قد اختاروا بالفعل محاولة الازدهار في اقتصاد السوق. بل إن البعض منهم حالفه النجاح. أندرو بيشوب، الذي تولى قيادة الطائرة التي تقل قادة السكان الأصليين من سيدني إلى كانبيرا لإحياء ذكرى الاستفتاء، يعد أحد الطيارين الأصليين الأوائل في أستراليا، وخطوط كوانتاس الجوية، الشركة التي وظفته، تعد من الشركات الكبرى التي تتمتع بحصة ناجحة من تشغيل السكان الأصليين.

وفن السكان الأصليين قد حل محل الكنغر ودار سيدني للأوبرا باعتباره الرمز الأكثر شعبية في أستراليا. وفي مزاد علني أقيم في سيدني مؤخراً، سجلت لوحة «خلق الأرض»، وهي لوحة بريشة الفنانة الراحلة إميلي كيم كنغواريي رقماً قياسياً بالنسبة للوحات الفنية للسكان الأصليين عندما بيعت بسعر مليون دولار استرالي، الأمر الذي يظهر إمكانية التعايش الفعلي بين التقاليد والسوق.

ترجمة: كوثر علي ــ عن«إيكونوميست»