تتصدى المؤلفة، رندى الكيالي، عند هذا المنعطف من الكتاب لمناقشة قضية بالغة الأهمية بالنسبة للأميركيين العرب، هي قضية التكيف الثقافي، فإذا كنا قد رأينا أنهم قدموا إلى الولايات المتحدة عبر موجات ثلاث كبرى، فإن الحراك الذي مروا به أخذ شكل موجتين عريضتين، الأولى هي الذوبان في المجتمع الأميركي ثم بلورة هوية واضحة ومحددة قادرة على التعامل بوضوح مع المكونات الأخرى للمجتمع، ومن هنا فإن قضايا التكيف في إطار المجتمع الأميركي تستمد أهميتها، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالعائلة ودور المرأة وتأثير الدين، والتي تبني عليها الكثير من التعقيدات التي لا يزال معظمها معلقا حتى اليوم، ولا ينتظر أن يحسم في الغد القريب.

ويجعل تنوع الجالية الأميركية العربية المعاصرة مناقشة القضايا العائلية و»الجندر« والديانة أمرا يتصف بالتحدي، فعملية »الأمركة« أو التكيف الثقافي مع المجتمع الأميركي لم تتخذ خطا واضحا، فلا يمكن التكهن بالهوية أو السلوك بالسنوات أو بتعاقب الأجيال في الولايات المتحدة. والوضع الاقتصادي الاجتماعي والتعليم والديانة والتجارب الشخصية تشكل عوامل في الاستراتيجيات التي يستخدمها الأميركيون العرب للتكيف مع الحياة في الولايات المتحدة، ويمكن للتغيرات في الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الفردية، بعد الوصول، أن تشكل كيفية تفاوض الناس مع خياراتهم في الحياة. وكل شخص، بغض النظر عن الجيل، يختار مزيجا مختلفا من السلوكيات التي تعكس واقعه واستجاباته للخبرات والأوضاع. وقد عدّل معظم الأميركيين العرب تقاليدهم الثقافية وتصوراتهم إزاء المؤسسات الاجتماعية المختلفة وأدخلوا بعض التغييرات في حياتهم وفقا لذلك.

إن الأميركيين العرب على مرّ السنين قاموا في الغالب بتحويل أهمية الأسرة والزواج والأبناء إلى بلدهم الجديد، فمن الشائع في الشرق الأوسط أن يعيش المرء مع أقاربه أو أنسبائه في البيت نفسه، ووفقا للتعداد السكاني الأميركي ومؤسسة المعهد الأميركي العربي، فإن الأميركيين العرب يعيشون في أسر أكبر مما يفعل المواطن الأميركي العادي، مما يشير على الأرجح إلى أن بعض تقاليد التعايش الأسري استمرت بعد الهجرة. وقد يبين حجم أسرة كبيرة العدد عددا أكبر من الأبناء، (دون الثامنة عشرة أو في سنّ الرشد)، أو وجود أجيال كثيرة في أسرة واحدة. ويمكن للهجرة أن تخلخل الأسرة الكبيرة الممتدة وشبكات الأصدقاء، لذلك فإن أكثر من 90% من الأميركيين العرب يقولون إن لهم عائلة أو أصدقاء مقربين في الشرق الأوسط، وكثير منهم يسافر إلى العالم العربي كثيرا ولفترات طويلة لرؤية أقاربهم وأصدقائهم.

إن القضايا الأسرية في العادة عامل مهم في اختيار الهجرة. والعرب الشبان يختارون في أغلب الأحيان أن يهاجروا ليدعموا أفراد الأسرة الذين يبقون في الشرق الأوسط، وبعض الأبوين يؤثرون اختيار مغادرة بلدانهم حرصا على أمن الأسرة أو لاغتنام فرص اقتصادية يمكن أن تفيد أبناءهم.

ورغم النوايا التي تتركز على الأسرة وراء اختيار الهجرة، فإن الهجرة يمكن أن تفصل البالغين عن ذويهم وعماتهم وأعمامهم وأجدادهم وأبناء وبنات إخوتهم وأخواتهم، ومع أنه قد يحدث لمّ شمل للأسرة أو يمكن لأسرة نووية أن تلتحق بأقاربها على نمط هجرة متسلسلة; فإن أفراد الأسرة ينفصلون غالبا بعضهم عن بعض وتفصل بينهم قارات.

في المعاقل العربية

حاول الأميركيون العرب الحفاظ على التواصل مع الأسرة العربية خلال وجودهم في الولايات المتحدة، ويميل المهاجرون الجدد إلى الانتقال إلى أحياء أو ضواح معينة ليكونوا قريبين من أسرهم، وقراهم أو مدنهم الأصلية. وقد تتوسع الشبكات التقليدية لتشمل عربا آخرين ليسوا من أسرتهم أو حيّهم للحفاظ على حياة اجتماعية مألوفة.

والقرب الطبيعي من الأقران الإثنيين لا يعني فقط أن الوافدين الجدد يحصلون على الأمان بأعدادهم، بل يمكنهم أيضا أن يحافظوا بصورة أسهل على تقاليدهم مع الناس الذين يفهمون عاداتهم. وهناك سبب آخر دفع المهاجرين إلى اختيار أن يكونوا قريبين من الأسرة والأصدقاء، وهو إقامة شبكات تمكنهم من العثور على أعمال أو زبائن.

يصل كثير من المهاجرين الجدد، خصوصا الذين يهربون من الحرب أو الأوضاع الاقتصادية القاسية، إلى الولايات المتحدة مع أموال قليلة وبلا أي تأمين. ويمكن للشبكات أن تساعد الوافدين الجدد على تأمين أماكن الإقامة والقروض والمساعدة في استئجار الشقق، والعثور على عمل والتسجيل في المدارس أو الجامعات.

وفي بعض الأحيان يوظف أصحاب المصالح التجارية الصغيرة من الأميركيين العرب أفراد العائلة والأصدقاء، وخصوصا إذا لم يكونوا مهرة ويملكون مهارات ضعيفة في اللغة الانجليزية، وتركزت بعض المصالح التجارية التي يملكها الأميركيون العرب، والتي تقدم الخدمات لزبائن أميركيين عرب في الغالب، في مناطق يوجد فيها بقالات ومخابز ومطاعم عربية ومكتبات ومتاجر فيديو ناطقة بالعربية.

ولا يوجد سوى عدد ضئيل من هذه المعاقل الأميركية العربية كما هي الحال في الطرف الجنوبي من ديربورن، وميتشغان وباترسون، ونيوجيرسي ـــ لكنها تستطيع أن تعطي للمهاجر إحساسا بالإلفة والأمان بينما تبدو كل الأماكن الأخرى غريبة.

استطاعت بعض المجتمعات أن تؤسس شبكات تشكل »شبكة أمان إثنية« مما سمح »بالتماسك والأمان والأمن والازدهار للعائلات العربية من خلال التواصل والمساعدة والتدخل«، وأسس القادة في جالية ديربورن (مركز الجالية العربية للخدمة الاقتصادية والاجتماعية)، لتوفير الخدمات الاجتماعية للسكان المحيطين به، والذي يمكن له أن يزيد المساعدة من الأقارب والجيران.

وفي الطرف الجنوبي من ديربورن، وهي منطقة حضرية متدنية الدخل، هنالك 18 ألف أميركي عربي. وقد ساعد »مركز الجالية العربية« على تخفيف النتائج السلبية التي نجمت عن الانكماش الاقتصادية وتدفق المهاجرين الجدد الفقراء في تسعينيات القرن العشرين، وأدار »مركز الجالية العربية« مركزا لدعم الأسرة، والذي قال فيه 10% فقط من المراجعين إن الكحول وسوء استخدام العقاقير هما سبب من أسباب المشكلات الزوجية والأسرية. وخلال هذه الفترة استطاعت ديربورن أن تبقي على معدلات الجريمة منخفضة بينما عانت الجاليات في ديترويت المجاورة من معدلات جريمة أعلى بكثير.

وفي منطقة شيكاغو، تدهور الأمان الإثني ومعظمه غير رسمي، في تسعينيات القرن العشرين، وخلف عواقب وخيمة على الأفراد والأسر. وتضم الجالية الأميركية العربية في الطرف الجنوب غربي من شيكاغو أكبر تجمع للعرب في منطقة شيكاغو الكبرى، نقطة استقبال رئيسية للمهاجرين الجدد من الدول العربية.

ومع مضي أكثر من 70 سنة، فإن الطرف الجنوب غربي من شيكاغو الذي يضم أميركيين عربا (خصوصا الأميركيين الفلسطينيين) أصبح محصنا وقويا ومرنا في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، ومع أواخر تسعينيات القرن العشرين كانت »شبكة الأمان الإثني« تتدهور، وفي عام 1997 ميزت المصاعب الاقتصادية أو البطالة أو البطالة المقنعة، أكثر من 60% من الأسر الأميركية العربية، ذات الأبناء أميركيي المولد، والتي كان معظمها يعيش عند خط الفقر أو دونه.

وانتشرت مشكلات الأحياء المجاورة في الجريمة والمخدرات إلى الجالية العربية، وأثرت خصوصا على الشباب الذين انضموا إلى عصابات الشوارع العربية. وسببت الزيادة في احتجاز الأحداث وفي الحظر في الحيّ توترات شديدة داخل الأسر.

وذكر 60% من الأميركيين العرب الذين تم استطلاع آرائهم في شيكاغو أنهم يعانون من مشكلات بيتية مستمرة تطلبت مساعدة خارجية. وكانت الكحول وسوء استخدام العقاقير والعنف الأسري والأسر المفسخة مشكلات شائعة ومترابطة.

وهذه الإحصائيات تتناقض بشكل مباشر مع الحالات التي شهدها »مركز الجالية العربية« في ديربورن، وتلمّح بأن إصلاح شبكات الأمان الإثني كان أمرا مهما لقدرة الجالية على البقاء والتخلص من المشكلات الخطيرة داخل الأسرة.

ردود فعل عربية

كان للمهاجرين العرب منذ عام 1965 ثلاثة أنواع رئيسية من ردّة الفعل إزاء انتقالهم إلى الولايات المتحدة:

1ـــ مقاومة الذوبان و/أو الاعتقاد أن الهجرة مؤقته،

2ـــ الدمج الكامل للثقافات والعادات العربية في حياتهم في الولايات المتحدة

3ـــ خلق خط فاصل بين المجالين العام والخاص، وتنظيم البيت والأسرة بشكل مماثل لطريقة حياتهم في الشرق الأوسط.

وكما هي الحال مع كل مجموعة إثنية في الولايات المتحدة; فإن من الأسهل الحفاظ على التقاليد والعادات بالعيش والعمل في أحياء مكثفة، وقد لا يكون في المدن الأميركية الرئيسية، بما فيها نيويورك وشيكاغو وواشنطن العاصمة ولوس أنجلوس وهيوستن، أقسام مرئية من المصالح التجارية العربية الواضحة، لكن فيها أعدادا كبيرة من السكان الأميركيين العرب.

وفي هذه الحالات قد يكون ممكنا إقامة علاقات اجتماعية حصرية مع العرب، وإقامة مؤسسات ذات أغلبية عربية مثل المدارس والرعاية النهارية والعيادات الصحية. وقد يمكّن هذا الوضع، الأفراد من عزل أنفسهم عن بعض التأثيرات الثقافية الأميركية ومقاومة الذوبان بشكل أفضل في المجالين العام والخاص.

لقد تكيف الأميركيون العرب مع الحياة في الولايات المتحدة بدمج الثقافات والعادات العربية مع المعايير والاتجاهات الأميركية السائدة، وكما هو حال المهاجرين الآخرين، فإن الجيل الأول أكثر شوقا للاحتفاظ بتقاليد العالم القديم.

وتميل الأجيال اللاحقة إلى أن تصبح أكثر »أمركة«، ومن الصعب الحكم أو حتى التعميم إزاء كيفية الإبقاء على التقاليد، وأي منها، لأن تعريف التقاليد يتجذّّر في الحقائق الاقتصادية الاجتماعية والعادات لدى الأسرة، في البلد الأصلي. وكما أن لكل أسرة عربية عاداتها، بما فيها الطعام واللباس واللغة والممارسة الدينية والقيم الأخلاقية; فإن للأميركيين العرب عاداتهم الخاصة بهم.

وحيث أن البيت يعدّ في كثير من الأحيان ملاذا للأسرة والتراث، فإن بعض الأميركيين العرب قد رسموا خطا بين العام والخاص، بين الأميركي والعربي.

وفي هذا السيناريو، وخارج البيت، يتواصل الرجال والنساء الأميركيون العرب بسهولة، وبشكل واسع مع زملائهم في العمل، أو العملاء أو الزبائن الذين ليست أغلبيتهم عربا.

وفي البيت، فإن العلاقات بين أفراد الأسرة والطعام والديكور تعكس التأثيرات من الشرق الأوسط. وقد يذهبون إلى كنيسة أو مسجد ويقيمون علاقات اجتماعية مع الأميركيين العرب خلال العطل الأسبوعية، وهذا السيناريو شائع إلى حدّ ما بين الأميركيين العرب من الطبقة المتوسطة والمتوسطة العليا، الذين يعيشون في الضواحي.

وكما هو حال كثير من العائلات الأميركية فإن الأمهات يملن إلى قضاء وقت مع الأبناء أكثر مما يفعل الآباء. ونتيجة لهذه الحقيقة والأدوار العائلية، فإن النساء يعتبرن، تقليديا مسؤولات عن سلوك الأبناء، لذلك يتحملن قدرا من الضغط أكثر مما ينبغي عليهن عندما يتمرد الابن أو يثور، والأم التي يتوقع أن تكون مع الأبناء أكثر من الآباء تقوم بتعليم أبنائها معايير الحياة العائلية ويتوقع منها أن تضبط الأبناء إذا كانت هنالك انتهاكات طفيفة للقواعد.

ودور الأب هو تعزيز الدروس التي تعلمها الأم، والتدخل إذا كانت الانتهاكات كبيرة أو متكررة. وعندما تكون هنالك حالات لسوء استخدام العقاقير أو الكحول فإن الأبوين في أغلب الأحيان يلامان، لأن سلوك الأبناء يعدّ أمرا ينعكس على العائلة بصورة سيئة.

ويشكل التواصل الاجتماعي في الجالية مصدر إشاعات يخدم في مراقبة الأطفال (والكبار أيضا)، وفي إعلام العائلة بسوء السلوك.

ومع أن هذا التواصل إيجابيّ، نظريا، فقد يكون ذا مردود عكسي، حيث يمكن لتعليق وأحكام إضافية من أحد الزملاء أن يزيد الضغط على مشكلة قائمة.

ويتوقع من الأبناء أن يكونوا مراعين لوالديهم وأسرهم والمعايير الاجتماعية. ومع أن المعايير والقواعد قد تختلف من أسرة إلى أخرى، فإن الكحول وإساءة استخدام العقاقير شيء غير مقبول، وقد بينت المعدلات العالية لشرب الكحول وإساءة استخدام العقاقير والعنف الأسري في حالة شيكاغو أن الهيكل العائلي قد ضعف.

وذكر الآباء المهاجرون الأميركيون العرب أنهم لم يعرفوا كيف يعيدون تطويع أبنائهم في سياق الأحياء الحضرية الأميركية. وكانت إحدى توصيات »مشروع تقييم الاحتياجات في شيكاغو« أن الحاجة تدعو إلى شبكة أمان أقوى »تشمل الجهود التعاونية من جانب كل أفراد المجتمع الجغرافي... شبكة أمان متعددة الإثنيات، متعددة الأعراق«.

ويميل الآباء الأميركيون العرب إلى تعليم أبنائهم كيف يتصرفون، ويكون التعليم بأن يكون الآباء مثالا ومنضبطين، خصوصا في الاستجابة لأوضاع يكون فيها الأمن الجسدي والصحة للأطفال مهددين. وعندما يرى الآباء من الجيل الأول ويعايشون معدلات الجريمة العالية في الولايات المتحدة، فإنهم يميلون إلى اللجوء إلى تدابير تأديبية قد تبدو قاسية بالنسبة لأب أميركي. ففرض عودة الطفل مبكرا، وضربه أو ضرب الشخص الراشد (ليس إلى حدّ الضرب الشديد)، تعدّ طرقا غير مناسبة لمعالجة الانضباط داخل الأسرة.

وبسبب مفهوم التعليم بتقديم المثال، والاعتماد الاجتماعي القوي على الأسرة، فإن المطلوب سنّ المعيار للأوضاع الاجتماعية، لأن الأطفال وحتى الصغار جدا جزء لا يتجزأ من الأسرة، ويجب أن يتعلموا كيف يتصرفون في أوضاع اجتماعية وفي البيت أيضا.

لذلك فإن الأطفال الصغار والمراهقين يرافقون أبويهم في العادة إلى العشاء أو إلى بيوت الأصدقاء في الأمسيات أو في العطل الأسبوعية. وأثبتت الطبيعة الهرمية لهيكل الأسرة العربية وتوقع الطاعة أنهما قضيتان خلافيتان للأبناء سواء من الجيل الأول أو الثاني أو الثالث.

قضايا شبابية

يتناقض التواصل المجتمعي بين المجتمعات غير الذائبة مع النظام الاجتماعي الأميركي الشائع الذي يقيم الفردية والاستقلال والعلاقات المتكافئة. وبالنسبة للأميركيين العرب من الجيلين الثاني والثالث، يمكن أن يكون التواصل والهرمية في الأسرة خانقين في بعض الأحيان.

وعند مواجهة ثورة أبنائهم فإن أمام الآباء خيارين: إما أن يتكيفوا مع الثقافة الأميركية السائدة ويعطوا أبناءهم حرية أكثر، بتليين الهيكل الأسري العربي التقليدي; أو ضبط أبنائهم أكثر ضمن السياق الأسري.

وإذا لم تنجح المفاوضات فإن أفراد الأسرة يصطدمون ولا يحلّون وجهات نظرهم المختلفة، وإذا نجحت المفاوضات فإن الجيل الأصغر يظل قريبا من أفكار الوالدين، التي يشكل أفراد الأسرة فيها جزءا من وحدة اجتماعية أكبر تتواصل فيما بينها يوميا وتشترك في المشاعر والخبرات والقرارات. وفي معظم الأسر الأميركية العربية هنالك أرض وسط يطرح فيها كل فرد من الأسرة آراءه المتضاربة أو المنسجمة مع الآخرين وتجاربه للنقاش والتفاعل.

إن السكان الأميركيين العرب أصغر في السن من المعدل الوطني، فمتوسط العمر 30.8 سنة، أي أصغر بخمس سنوات من المتوسط الأميركي وهو 35.4 سنة. لذلك فإن الأميركيين العرب يواجهون قضايا شبابية أكثر من الأسرة الأميركية العادية. ومع أن الانضباط يُعدّ مهما، فإن التعليم ينظر إليه كوسيلة للارتقاء ويشير للإنجاز المهني الذي يلقى تقديرا عاليا في الجالية الأميركية العربية.

وأفراد الجالية الأميركية العربية الأولى لم يلتحقوا بمدارس عامة منفصلة عن الأميركيين الأفارقة والأميركيين الآسيويين والأميركيين الأصليين، واللاتينيين. وكما هي الحالة الآن فإن بعض الأطفال ذهبوا إلى مدارس أبرشية (تابعة للكنائس) لكن معظمهم التحقوا بمدارس عامة، وهو عامل ساهم في ذوبانهم السريع. إن بعض الأطفال المولودين في الخارج يحتاجون إلى مساعدة إضافية في اللغة الانجليزية والتكيف مع المدارس الأميركية.

ويوضع الأطفال الذين لا يتمتعون بطلاقة كافية في اللغة الانجليزية في صفوف »أصحاب القدرة المحدودة في الإنجليزية«، إلى أن يصبح بالإمكان وضعهم في الصفوف النظامية.

وأدى تدفق المهاجرين الجدد على بعض المناطق إلى زيادة الطلب على صفوف مدارس أصحاب القدرة المحدودة في الانجليزية ومعلميها.

ويوجد مثال كهذا في ولاية نيويورك، حيث أدخلت المدارس العامة أول صف يعلم باللغتين في أوائل تسعينيات القرن العشرين، ويشكل الأطفال من أصل عربي سدس عدد الطلاب و40% من إجمالي عدد الطلاب ذوي القدرة المحدودة في الإنجليزية. ونتائج هذه البرامج ونجاحها مختلطان.

حيث يعترف بعض الآباء الأميركيين العرب بأن للمدارس والمعلمين تأثيرا قويا على أبنائهم، ويعتقدون أن نظام المدارس العامة يحاول اجتثاث ثقافة المهاجرين عن طريق خلق التجانس. ويختار هؤلاء الآباء المستاؤون تعليم أبنائهم في البيت أو إرسالهم إلى مدارس إسلامية كبديل عن نظام المدارس العامة.

ومن ناحية أخرى فإن بعض الأميركيين العرب يقولون إن التعليم في المدارس العامة يعلم الأطفال كيف يندمجون في المجتمع الأميركي، وهذا شيء إيجابي لنجاحهم على المدى البعيد في الولايات المتحدة. وبغض النظر عن اختيار المدرسة فإن معظم المراهقين الأميركيين العرب يتم تشجيعهم على إكمال المدرسة الثانوية، ويحمل 85% على الأقل من الأميركيين العرب دبلوم الثانوية.

واختار معظم الأميركيين العرب مواصلة تعليمهم ما بعد المرحلة الثانوية، حيث إن أكثر من 40% من الأميركيين العرب يحملون درجة البكالوريوس أو أعلى، و17% يحملون درجة الماجستير وهي ضعف المعدل الوطني. ويفضل كثير من الآباء التقليديين إرسال أبنائهم الأكبر سنا إلى كليات أو جامعات عامة مجاورة حتى يستطيعوا أن يعيشوا في البيت أو يزوروه في العطل الأسبوعية.

إن تكاليف الرسوم والإقامة عوامل رئيسية في اختيار الكلية، لكن الآباء يريدون في الغالب أن يشعروا أنهم بالقرب من أبنائهم ويستطيعوا أن يساعدوهم عند الحاجة..

وفي الجامعات الأميركية يوجد طلاب يجيئون من العالم العربي لكنهم اختاروا الالتحاق بجامعة أميركية بدلا من كلية محلية أقل كلفة أو كلية إقليمية ممتازة، مثل الجامعة الأميركية في بيروت أو الجامعة الأميركية في القاهرة.

وقد يختار الطلاب العرب أن يتعاشروا معا ويشكلوا جمعيات للمجاهرة حول القضايا السياسية أو يركزوا ـــ وهذا هو الأكثر شيوعا ـــ على النشاطات الاجتماعية، مثل استضافة حفلات، وتقديم الطعام العربي، وإقامة حفلات موسيقية عربية أو استخدام دي جيه، ودعوة أعضاء غير عرب من الكليات.

وينضم بعض المسلمين إلى رابطة الطلاب المسلمين، وهي رابطة وطنية ذات فروع في الجامعات والكليات في كل أنحاء الولايات المتحدة.

حصار اللغة

إن الأميركيين العرب يشبهون المجموعات المهاجرة الأخرى في أن الجيل الأول طلق اللسان في اللغة الأصلية المحكية ويتعلم الإنجليزية كلغة ثانية، وأحيانا قبل مغادرة العالم العربي. واللغة الإنجليزية يسهل تعلمها إذا كان الشخص يعرف القراءة والكتابة في لغة أخرى أو أكثر.

ولأن الأمية في اللغة العربية لا تزال تشكل هاجسا لدى أولئك الناس من المناطق الحضرية والريفية من البلدان العربية مثل اليمن، فإن من الصعب غالبا على بعض الأميركيين العرب من الجيل الأول، وخصوصا المسنين، أن يتعلموا الإنجليزية. واللغة الثانية التي يتم تعليمها في أنظمة المدارس العربية تعكس في الغالب تاريخهم الاستعماري، لذلك فإن بعض الدول التي ترسل المهاجرين، مثل لبنان والمغرب، تعلّم اللغة الفرنسية.

بينما تقوم دول أخرى مثل فلسطين والأردن ومصر واليمن بتعليم الإنجليزية في المدارس. ومن الواضح أن الوصول إلى أميركا بمهارات قوية في اللغة الانجليزية يساعد المرء على التكيف مع البلد الجديد، لكن مجموعات من الجالية العربية في ديربورن، وفي شيكاغو أيضا، تعقد حصصا للإنجليزية للوافدين الجدد.

كان الأميركيون العرب الأوائل الذين عاشوا في معاقل إثنية يستخدمون اللغة الأم في البيت وفي الأحياء، ويتعلمون الإنجليزية لأغراض تجارية فقط. لكن الوضع تغير، حيث بدأوا يتحدثون الإنجليزية في البيت وأمام الملأ. وعندما وصلت الموجة الثالثة من المهاجرين عززوا استخدام العربية المحكية ومداها في الولايات المتحدة. ووفقا لتعداد عام 2000 السكاني فإن حوالي 615 ألف أميركي يتحدثون العربية.

وتحتل العربية المرتبة السابعة كلغة أجنبية شائعة، يتحدث بها الأطفال في سن المدرسة، في الولايات المتحدة. واللغة العربية الفصحى هي التي يشترك فيها جميع الناس من العالم العربي، وقد تتواصل الأقليات من العالم العربي، الذين يتحدثون لغات أخرى مثل البربر والأشوريين والكلدانيين، باللغة العربية أيضا.

وفي إحصائيات تعداد 2000 السكاني، التي اقتصرت على المولودين في الخارج والذين من أبوين عربيين (ويمكن أن يكونوا من أي جيل) فإن 69% من العرب ممن عمرهم خمس سنوات أو أكثر: »يتحدثون في البيت لغة غير الانجليزية«. وهذه نسبة عالية بالمقارنة مع 18% من إجمالي السكان الذين يتحدثون لغة غير الانجليزية.

وعندما يحسب الذين يولدون في أميركا أو أصحاب التراث المختلط، في المجموعة الأميركية العربية، يتبين أن الأميركيين العرب لا يتحدثون الإنجليزية في البيت. وتبين هذه الملاحظة أن الأميركيين العرب أقرب إلى التوقف عن التحدث بالعربية في البيت عندما يولدون في الولايات المتحدة و/أو لأبوين مختلطين.

وحين يستقر المقام بالأميركيين العرب في الولايات المتحدة فإنهم يستخدمون الإنجليزية بشكل متزايد في البيت وفي الخارج أيضا.

وفي محادثات عرضية فإن الجيلين الأول والثاني قد يتحولون من الإنجليزية إلى العربية في جملة واحدة، وهذه اللغة العامية تسمى في بعض الأحيان »أرابيش«. وفي العادة يجب على الأميركيين العرب من الجيلين الثاني والثالث أن يأخذوا حصصا إضافية في اللغة حتى يصبحوا طليقين في العربية.

وفي المجتمعات الأكبر يوفر المركز الاجتماعي المحلي أو المسجد أو الكنيسة حصصا في العربية. وفي المجتمعات الأصغر أو نتيجة التفضيل الشخصي، قد يختار الآباء العرب استخدام معلمين خصوصيين من الطلاب الأجانب في جامعة محلية.

إن اللهجات المختلفة في العالم العربي تشير إلى أصل الشخص أو والديه، ويمكن لهذه اللهجات أن تختلف اختلافاً كبيراً من شخص إلى آخر، حتى إن بعض الناس يعدونها لغاتهم الخاصة بهم (مثل اللبنانية أو المصرية)، مع أنهم يشتركون في شكل مكتوب للغة العربية، وتشكل الاختلافات بين اللغات المكتوبة والمحكية تحديات إضافية أمام تعلّم الأميركيين العرب للتحدث بالعربية.

وتشير تقسيمات الجالية، وفق الجنسية، إلى أن اللبنانية ربما تكون اللهجة الأكثر استخداما بين الأميركيين العرب. كما أن العراقيين ربما يكونون المجموعة الأرجح لتحدث اللغة الإنجليزية أقل من »جيد جدا«.

الإعلام والاتصالات

نما الإعلام الأميركي العربي وتغيّر مع مرور السنين، وكان في الغالب يعكس التوترات والانقسامات بين الأميركيين العرب.

وأسست أول مطبوعة وهي كوكب أميركا، في مدينة نيويورك عام.1892 وبعد تلك المطبوعة ظهرت عدة صحف ناطقة بالعربية وكل منها تستهدف مجموعة فرعية معينة، ومثال ذلك كانت »مرآة الغرب« تصدر للجالية الأرثوذكسية السورية، وكانت »الهدى« تستهدف الجالية المارونية.

واستخدمت الصحافة الأميركية العربية المبكرة، حرية الصحافة الأميركية التي كانت محرومة منها في أوطانها الأم، وكانت في الغالب تكتب عن القضايا السياسية والأخبار من الوطن، وكان الصحافيون مثل عفيفة كرم التي كانت تكتب لـ»الهدى« تركز على وضع المرأة الأميركية العربية والعربية، وبحلول ثلاثينيات القرن العشرين كان هنالك أكثر من 50 مطبوعة، جميعها بالعربية.

وفي عام 1926 أسس سلوم مزركل أول مطبوعة ناطقة باللغة الانجليزية تستهدف الجالية الأميركية العربية، وهي »العالم السوري«. وهذه المجلة التي اكتسبت جمهورا كبيرا في ثلاثينيات القرن العشرين، ساعدت على توحيد الجالية بالوصول إلى جميع الأميركيين العرب وليس إلى مجموعة معينة، بالتركيز على القضايا العربية الوطنية والقضايا الأميركية الوطنية.

وبعد نجاح »العالم السوري« أسست مطبوعات أخرى باللغتين أو بالإنجليزية فقط، موجهة أساسا إلى الناطقين بالإنجليزية من أبناء الجيل الأول.

وفي ستينيات القرن العشرين كان المهاجرون العرب يطالبون بأخبار عن العالم العربي باللغة العربية. لذلك ظهرت برامج إذاعية باللغة العربية في ديترويت، وشيكاغو، وبوسطن وسان فرانسيسكو، واشترك كثير من المهاجرين في الصحف العربية التي تصدر في الخارج.

وكانت المنظمات الأميركية العربية تصدر مطبوعاتها وكتبها وأدلتها المرجعية ونشراتها الخاصة بها باللغتين العربية والإنجليزية ـــ وبعضها موجه إلى اتصالات داخلية بين المجموعات، والبعض الآخر موجه لتعريف جمهور أميركي عن الأحداث الجارية في الشرق الأوسط.

ومع نهاية عام 2002، كانت المرافق الإعلامية الأميركية العربية مجتمعة قد وصلت إلى أعضاء الجالية من خلال 45 مطبوعة، بتوزيع عام وصل إلى حوالي 500 ألف. إن بعض أكثر الصحف توزيعا في هذه الأيام هي نيوز سيركل ومجلة المال والأعمال الأميركية العربية، وشهدت السنوات الثلاثون الأخيرة نموا وتنوّعا في الإعلام الأميركي العربي، من مطبوعات وبرامج إذاعية إلى برامج تلفزيونية محلية وقنوات كيبل ومواقع إنترنت.

ومن المرافق المهمة هناك أراب نتوورك أميركا ـــ وهي أول شبكة تلفزيونية ناطقة بالعربية تعمل بالكيبل، لتبث وطنيا في أميركا إضافة إلى كندا وأجزاء من أميركا الوسطى والجنوبية. وفي عام 1995 بدأت شبكة إذاعة وتلفزيون العرب (إيه آر تي) تبث الأخبار والتسلية من كاليفورنيا من خلال أنظمة كيبل محلية وبث فضائي مباشر.

وأدى نمو الإنترنت كوسيلة اتصالات إلى تقريب العرب من الولايات المتحدة، فالأميركيون العرب يستطيعون الآن أن يقرأوا الصحف العربية عن طريق الإنترنت ويمكن لهم أن يجروا مناقشات في غرف الدردشة.

وتستخدم الرسائل النصية عبر الهاتف والرسائل الالكترونية للبقاء على اتصال مع الأصدقاء والعائلة في الشرق الأوسط، مما يجعل الإبقاء على شبكات العائلة الممتدة أسهل. ويستخدم الأميركيون العرب الإنترنت لتعريف الآخرين، والجمع بين النشطاء السياسيين من أوروبا والشرق الأوسط والولايات المتحدة لإيجاد شبكات عالمية.

إضاءة

كان الأميركيون العرب الأوائل الذين عاشوا في معاقل إثنية يستخدمون اللغة الأم في البيت وفي الأحياء، ويتعلمون الإنجليزية لأغراض تجارية فقط. لكن الوضع تغير، حيث بدأوا يتحدثون الإنجليزية في البيت وأمام الملأ. وعندما وصلت الموجة الثالثة من المهاجرين عززوا استخدام العربية المحكية ومداها في الولايات المتحدة.

ووفقا لتعداد عام 2000 السكاني فإن حوالي 615 ألف أميركي يتحدثون العربية. وتحتل العربية المرتبة السابعة كلغة أجنبية شائعة، يتحدث بها الأطفال في سن المدرسة، في الولايات المتحدة.

واللغة العربية الفصحى هي التي يشترك فيها جميع الناس من العالم العربي، وقد تتواصل الأقليات من العالم العربي، الذين يتحدثون لغات أخرى مثل البربر والأشوريين والكلدانيين، باللغة العربية أيضا.