الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي، الذي حصل على دفعة جديدة إثر نجاح حزبه في الجولة الأولى والثانية من الانتخابات البرلمانية مؤخراً، يبدو مستعداً ليس للقيام بإصلاحات في فرنسا فحسب وإنما لتحقيق طموحاته خارجياً أيضاً.

في الليلة التي انتخب فيها رئيسا لفرنسا، قال ساركوزي: «لقد آن الأوان لبناء اتحاد متوسطي يربط أوروبا بأفريقيا». وقد قوبلت كلماته بترحيب كبير في بلدان الشواطئ الجنوبية للبحر المتوسط. وأكد العاهل المغربي الملك محمد السادس للرئيس الفرنسي على التزامه «بالعمل مع فرنسا من أجل بناء اتحاد متوسطي جديد». وقال الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إنه سيتعاون من أجل جعل «الشرق الأوسط مكاناً للسلام والتعاون والتنمية المشتركة».

وقد كانت هذه القضية ضمن أجندة ساركوزي أثناء زيارته لفرنسا مؤخرا. فمدريد تدعم عملية برشلونة ومستعدة لمناقشة فكرة قيام اتحاد لدول البحر الأبيض المتوسط. وقال رئيس الوزراء الإسباني خوسيه لويس ثباتيرو: «الفكرة تهمنا بشكل عظيم». وقال رئيس الوزراء الإيطالي رومانو برودي: «لقد ناقشنا الفكرة في الماضي وهي تمثل أولوية لإيطاليا أيضا». كما أن البرتغال التي من المقرر أن تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي في الأول من يوليو هي الأخرى مصممة على إعطاء أولوية لقضية التعاون المتوسطي.

ساركوزي يريد إنشاء شراكة تجمع بين خمس دول أوروبية هي إسبانيا وفرنسا واليونان وإيطاليا والبرتغال وجيرانها في شمال إفريقيا، وهي الجزائر والمغرب وتونس وليبيا ومصر. وتقوم الخطة على تطوير مشروع لإنشاء إطار عمل مؤسسي يركز على القضايا الاقتصادية المشتركة.

غير أنه لا يوجد جديد في هذه الفكرة. فلقد سبق وأن عُقد اجتماع قمة في تونس في ديسمبر 2003 وبمرور السنوات عُقدت اجتماعات ضمت وزراء مالية ووزراء دفاع. وجاء فشل البرنامج اليورو ـ متوسطي ليقدم حافزا جديدا لإحياء الفكرة. وخلال اجتماع عقد في إبريل الماضي بمدينة مايوركا الإسبانية قرر الإسبان والطليان إطلاق شركة تنمية متوسطية، هي عبارة عن صندوق لإدارة الاستثمار في المنطقة.

وتأمل الدول الأوروبية التي تدعم مبادرة الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية أن تجني بعض الفوائد من النمو الاقتصادي الهائل الذي سجلته دول شمال إفريقيا في السنوات الأخيرة، وهو النمو الذي قادته موارد النفط والغاز في تلك الدول بالإضافة إلى النمو المتواصل في قاعدة التصنيع هناك. كما يؤمل أيضاً بأن تؤدي عملية النمو والتطوير في دول جنوب المتوسط إلى ثني عمالة تلك الدول عن الهجرة شمالا.

لقد أطلقت المغرب خطة تطوير اقتصادي كبرى. ومع نهاية العام الجاري، من المفترض أن تنتهي الجزائر من تقديم سياسة صناعية جديدة تهدف إلى تنويع الموارد الاقتصادية وإنهاء الاعتماد على النفط والغاز.

وهناك أيضاً في الجزائر برنامج كبير لتحديث الصناعات الثقيلة والطرق والسكك الحديدية والمطارات والموانئ. والأولوية في كل من تونس والمغرب هي التقدم حتى إلى ما هو أبعد من قطاع التصنيع. فالدولتان مصممتان على الاستفادة من البنية التحتية المتطورة في قطاع الاتصالات التي وضعت أساساتها منذ أن تم تحرير السوق هناك.

وهناك حديث متواتر بشأن وجود مراكز اتصال تقدم خدمات إدارية ونقدية لاسيما لقطاعي البنوك والتأمين. وهناك عدد كبير من الخريجين الشباب من قطاع التعليم العالي الذي يواصل النمو بشكل كبير للغاية في بلاد المغرب العربي.

وفي الوقت الذي يتبين فيه أن ثلاثة أرباع حجم التجارة الحالية لهذه الدول هي مع الاتحاد الأوروبي، إلا أن نصيب أوروبا من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تلك المنطقة قد تراجع بحدة، حيث حل محلها الاستثمارات الضخمة التي تأتي من منطقة الخليج والصين.

وقد ظلت شركات النفط هي الوحيدة لسنوات طويلة التي تبدي اهتماما بالاستثمار في الجزائر، غير أن هذا الوضع قد تغير حاليا. فقد زادت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في ذلك البلد في الفترة من 2000 إلى 2006 بمعدل ستة أضعاف. كما اكتسبت خطى التنمية زخما كبيرا في السنوات الأخيرة. وقد لعب تحول الجزائر إلى اقتصاد السوق دورا كبيرا في تغير حظوظ الدولة في السنوات الماضية. وكما هي الحال في جيرانها في شمال إفريقيا، وقّعت الجزائر اتفاقية التجارة الحرة مع أوروبا. كما أنها تتفاوض من أجل الحصول على العضوية في منظمة التجارة العالمية.

وفرنسا هي أكثر الدول اهتماماً بكسب ود الجزائر. فإذا استثنينا النفط، نجد أن فرنسا هي أكثر الدول التي لها علاقات استثمارية مع الجزائر، حيث تمثل الاستثمارات الفرنسية هناك ربع الاستثمارات الأجنبية في ذلك البلد الإفريقي. كما أن لها وجوداً قويا في مختلف القطاعات هناك.

يقول بينيدكت دي سانت لورنت، الأمين العام لشبكة أنيما لوكالات دعم الاستثمارات في 12 دولة تحيط بالبحر الأبيض المتوسط: «التعاون اليورو ـ متوسطي لا يمكنه إغفال اللاعبين الجدد في المنطقة لاسيما الدول الخليجية». كما أنه ليس بالإمكان تجاهل تركيا التي تزداد أهمية الدور الذي تلعبه في اقتصاد المنطقة.

غير أن تركيا حذرت مؤخرا من أنها لن ترضى بالانضمام إلى الاتحاد المتوسطي كبديل للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهي الخطوة التي يعارضها ساركوزي. سيتعين في الفترة المقبلة على الذين يتبنون بعض الأحلام الجيوسياسية الأخذ في الاعتبار الحقائق الاقتصادية الموجودة على الأرض في المنطقة.

ترجمة: حاتم حسين- عن «لوموند»