عندما يوغل القارئ في مسيرته مع رندة كيالي، مؤلفة هذا الكتاب، فإنه سرعان ما يكتشف الحقيقة البسيطة، النابعة من أن قلة ما نعرفه عن الأميركيين العرب هي جزء لا يتجزأ من محدودية ما نعرفه عن الآليات التي تحكم الحياة والحركة وعملية صنع القرار داخل الولايات المتحدة.
ومن هنا فقد يدهش الكثير من القراء عندما يعرفون المدى الهائل من القضايا والصراعات التي اضطر الأميركيون العرب إلى خوضها لتجنب تصنيفهم بأنهم سود مع كل ما يترتب على ذلك من مظالم مرعبة في مجتمع يعتبر التمييز العنصري والعرقي طريقة حياة وإنتاج، بالتناقض مع الشعارات الإنسانية النبيلة التي رفعها آباؤه المؤسسون.
وسيلفت نظرنا بشدة أن تحول الأميركيين العرب إلى جالية مسيسة يضرب جذوره في حركة الحقوق المدنية وروح الثقافات المتعددة التي تطورت في أميركا في الستينات والسبعينات، وسنكتشف أن بلورة هوية صريحة وواضحة ومحددة تعد إحدى القضايا الكبرى التي يتعين على الأميركيين العرب خوضها في مواجهة ظروف تجعل التعامل معهم بموضوعية وبعيداً عن التحيز حلماً، عليهم أن يناضلوا كل يوم لتحقيقه.
إن التصنيفات الرسمية للهياكل الاجتماعية للجنسية والعرق والإثنية عقدت جميع المعلومات عن الأميركيين العرب منذ وصولهم إلى الولايات المتحدة. ففي أوائل القرن العشرين، رفعت قضايا قانونية ضد المستوطنين الأميركيين العرب الأوائل لرفض مطالبهم بالجنسية الأميركية.
وحشدت الجالية الأميركية العربية صفوفها لتجنب الوصمة واحتمال استبعادهم من الهجرة بتصنيفهم بصفة «غير أبيض»، بالادعاء بأنهم قوقازيون، وتم تنفيذ هذه الحجج على أساس ما كان يعدُّ رأيًا شعبيًا، يسمى «بالمعرفة الشائعة» من قبل المحاكم. وأخذ هذا الرأي في اعتباره عوامل عدة، مثل لون البشرة أو الصور التنميطية للموقف من الديمقراطية والولايات المتحدة والإسلام.
وتؤثر التصنيفات العرقية، سواء كانت رسمية أو اجتماعية، على جميع الأميركيين، وهذه القضايا القانونية توفر رؤية لكيفية نظر المجتمع الأميركي الرئيسي للأميركيين العرب بتصنيفهم ما بين أبيض وغير أبيض. وربما كردّة فعل لهذه القضايا والمناخ المعادي للمهاجرين في أوائل القرن العشرين، ذاب الأميركيون العرب في المجتمع الرئيسي، وفقدوا كثيرًا من مزاياهم العرقية وتقاليدهم المميزة لهم، أمام الملأ، قبل الحرب العالمية الثانية.
لكن، وكنتيجة لحركة حقوق الإنسان والانبعاث الإثني في سبيعينيات القرن العشرين وثمانينياته، وأثر التغطية الإعلامية للهزيمة العربية في حرب عام 1967، عايش الأميركيون العرب انبعاثًا إثنيًا، فقد تبنى كثير من الوافدين الجدد وأبناء الجيلين الثاني والثالث، الشعار العريض للأميركي العربي.
وشكلوا تنظيمات سياسية واجتماعية. وكمجموعة إثنية معترف بها حاليًا كبيض، اكتشف الأميركيون العرب أن التصنيفات الرسمية تفقد الإحساس بالمجتمع. ومع أن آلافًا كثيرة من الناس يعرّفون أنفسهم كأميركيين عرب فإن ما يعنيه ذلك بالنسبة لوضع أقلية إثنية أو عرقية في الولايات المتحدة يظل أمرًا غامضًا.
كله في الموانئ
كانت أول عقبه واجهها الأميركيون العرب الأوائل تصنيفهم بأنهم أتراك أو عثمانيون عند الميناء الذي يدخلون منه.
ومن المعروف أن المهاجرين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كانوا يصنفون في الأصل على أنهم من تركيا في آسيا، وأن هذا التصنيف قد غيّر بدقة أكبر، ليصبح «من سوريا» عام 1899. ومع أنهم كانوا من جبل لبنان وفلسطين، وهي مناطق ضمن الولاية السورية التابعة للإمبراطورية العثمانية.
فإن كثيرًا منهم قد صنفوا وفق ديانتهم أو قريتهم أو مدينتهم، وليس كرعايا الإمبراطورية. وبعد تأسيس المؤسسات المجتمعية والحارات في الولايات المتحدة فإن تصورات المهاجرين للهوية تغيرت، وكانوا يشيرون إلى أنفسهم على أنهم سوريون أو عرب سوريون أو عرب، وبعد تأسيس لبنان عام 1923 أصبحوا يشيرون إلى أنفسهم على أنهم سوريون لبنانيون أو لبنانيون.
وعندما انشقت بلدان الشرق الأوسط عن الإمبراطورية العثمانية، وعايشت الاستعمار الأوروبي وشنت حركات الاستقلال، تشكلت دول منفردة، ووفقًا لذلك فإن سلطات الهجرة الأميركية قد غيّرت تصنيفاتها للمهاجرين لتعكس تلك الأقطار المستقلة حديثًا. ويتم تقسيم سجلات الهجرة دائمًا وفق البلد، أي البلد الذي صدرت منه وثائق السفر.
ومثل هذه الإحصائيات حافلة بالمشاكل لأنها تبسط قضايا الهوية، وتساوي بين الجنسية وبلد الأصل. ومثال ذلك، فإن الفلسطينيين يحملون وثائق سفر صادرة عن وكالات اللاجئين وكثير من الدول في الشرق الأوسط. لذلك، بدلاً من تصنيفهم كفلسطينيين فإن هؤلاء المهاجرين يسجلون بوصفهم من لبنان والأردن وإسرائيل.
وصلت أول موجة من المهاجرين بين عام 1880 وعام 1924، عندما أصبح الرأي العام الأميركي قلقًا جدًا من الأعداد المتزايدة من المهاجرين الجدد، وكان المدافعون عن مصالح المواطنين الأصليين مناهضين للمهاجرين، ويتبنون الأميركيين المولودين في أميركا، لأنهم كانوا يخافون من أن يسبب تدفق المهاجرين أزمة وطنية، وكان هؤلاء يدعون أن أميركا بلد أنجلو ساكسوني أبيض، وأن المهاجرين الجدد سببوا تفسخًا عرقيًا وأخلاقيًا في البلاد.
وعندما ازدادت المشاعر المناهضة للصينيين في كاليفورنيا بعد نهاية الحرب الأهلية واكتمال سكة الحديد عبر القارة، فرضت في الكونغرس قوانين تحدّ من الهجرة، وكان قانون استبعاد الصينيين لعام 1882 أول جزء من تشريع يقيد دخول المهاجرين الصينيين الجدد إلى البلاد ويحرم الصينيين في الولايات المتحدة من الجنس ومن حق امتلاك الأرض، وهذا القانون أطلق فترة استبعاد الآسيويين من عام 1882 وحتى عام 1943.
وكان المنطق العرقي وراء هذا القانون يستند إلى هياكل تاريخية للعرق في أميركا من أواخر القرن الثامن عشر، فبعد بضعة شهور فقط من المصادفة على الدستور، قصر كونغرس عام 1790 التجنيس على «الشخص الأبيض الحرّ»، ووقع قبول التعديل الرابع عشر عام 1868 الجنسية الوطنية: «كل الأشخاص الذين ولدوا أو جنسوا في أميركا، وخاضعون بذلك للسلطة القضائية لها، هم مواطنون في الولايات المتحدة وفي الولاية التي يسكنون فيها». لذلك أصبح العبيد السابقون الذين ولدوا في أميركا، مواطنين، لكن التجنيس ظل مقتصرًا على «الأشخاص البيض الأحرار» وفقًا لقانون 1970.
وكان أحد العوامل التي أدت إلى إعادة النظر في فرضية أن السوريين بيض، من قبل المحاكم، هو تغير في تصنيفات التعداد السكاني والهجرة بين 1900 و1910، ففي 1899 كان السوريون والفلسطينيون يصنفون كبيض، بالنسبة للعرق. وبحلول عام 1910 فإن هذه المجموعات نفسها أدرجت كآسيويين وفقًا للبلد الأصلي. وكانت إعادة التصنيف هذه، حسبما يبدو، بسبب موقع الولاية السورية من الإمبراطورية العثمانية في آسيا، لكن ذلك كان أيضاً جزءاً من تحرك لاستبعاد مجموعات أخرى من المهاجرين.
لقد أصيب المهاجرون الأميركيون العرب الأوائل بالدهشة نتيجة التغيير في تصنيفات التعداد السكاني والهجرة، فقد اعتقد كثيرون أنهم كمسيحيين في بلد مسيحي ينتمون للمجموعة الاجتماعية المهيمنة، لذلك فهم مؤهلون للتسمية الرسمية للأغلبية.
وكانت المحاكم تتذبذب إزاء الوضع العرقي للأميركيين العرب والهنود بين عام 1909 وعام1923. ومع أن الأميركيين العرب الأوائل كانوا قلائل نسبيًا في أميركا فإنهم شكلوا حوالي ثلث الحالات التي نظر فيها في المحاكم الفيدرالية الأميركية بين عام 1909 وعام 1923.
كانت أول قضية سورية للمتطلب العرقي في جورجيا في عام 1909، فقد وجد القاضي أن الدليل العلمي يفوق لون البشرة كعامل حاسم، وبسبب هذا الدليل، أشار إلى كتاب أنثروبولوجيا مهم في ذلك الوقت، وهو كتاب لإيه أتش كين بعنوان: «أبناء العالم: رواية شعبية لمزاياهم الجسدية والعقلية، معتقداتهم وتقاليدهم ومؤسساستهم السياسية والاجتماعية» )8091(، والذي كان «مثالاً لعلم الأعراق المعاصر.
وباستخدام نتائج عالم الأنثروبولوجيا والمنطق العلمي، توصل القاضي إلى أن السوريين قوقازيون، وأن القوقازيين بيض، وبذلك تم الحكم بأن السوري صاحب القضية رجل أبيض. وكما كان الوضع في قضية شيشيم عام 1909، فإن الأميركيين العرب اعتمدوا على إشارات إلى المسيح والمسيحية المشتركة لإظهار ما يجمعهم بالقاضي والسكان كلهم.
ففي هذه القضية قام جورج شيشيم، وهو شرطي في فنيس، كاليفورنيا، باعتقال شاب بسبب زعزعة الهدوء، وقام والد الشاب، وهو محام بارز بتحري حق شيشيم في اعتقال ابنه، على أساس أن شيشيم لم يكن ولا يمكن أن يكون مواطنًا أميركيًا. وكانت حجة الأب أن شيشيم كان من لبنان، وهو جزء من آسيا، ولذلك فهو من أصل صيني منغولي، وهو بالتالي ممنوع من أن يصبح مواطنًا.
وجمعت الجالية اللبنانية مواردها واستخدمت بايرون حنا، وهو من أصل لبناني، للدفاع عن شيشيم. وكجزء من حجتهم، كتبوا إلى الأكاديميين في الجامعات ليستفسروا عن الخلفية العرقية لأجدادهم وقالوا إن السوريين قوقازيون. وفي جلسات المحكمة قال شيشيم: «إذا كنت مغوليًا فإن المسيح كان كذلك لأننا جئنا من الأرض نفسها.
لكن القاضي لم يعدّ الدين حجة بارزة حول العرق، وأشار إلى أن المحاكم في الولاية والمحاكم الفدرالية كانت قد عرفت السوريين كأعضاء من العرق الأبيض قبل أكثر من 100 سنة، وقررت أن شيشيم كان أبيض، ومؤهلاً للجنسية. وبعد قراءة القرار أدى جورج شيشيم يمين الولاء للولايات المتحدة وأصبح مواطنا أميركيا قبل أن يغادر المحكمة.
تعسف تاريخي
رغم الأحكام البيضاء في قضايا عام 1909، فإن دائرة الهجرة والتجنيس الأميركية حرمت الأميركيين العرب من الجنسية بعد عام 1911، وهذا الحرمان أدى إلى المزيد من قضايا الشرط المسبق العرقي في 1913 و1914 والتي وجدت فيها المحاكم أن السوريين ليسوا بيضًا مما غيّر قرارات سابقة. واكتسبت طبيعة الإمبراطورية العثمانية وموقعها ووضع المهاجرين كرعايا للسلطان العثماني، بروزًا في هذه الأحكام، فالمواطنون الأصليون وبعض القادة عدّوا جميع رعايا الإمبراطورية العثمانية مرشحين غير مناسبين للجنسية الأميركية، بسبب ميولهم السياسية المفترضة.
* أولاً: لم تكن الإمبراطورية العثمانية ديمقراطية، لذلك فإن المهاجرون رعايا وليسوا مواطنين، مرتبطين بأحكام مستبدة. وفي بعض الحالات عبّر القضاة عن اعتقادهم بأن رعايا الإمبراطورية العثمانية لم يكونوا يمتلكون الخبرة والقدرة الفكرية للتصويت والمشاركة التامة في النظام السياسي الأميركي.
* ثانيًا: الإمبراطورية العثمانية حاربت إلى جانب الألمان في الحرب العالمية الأولى، وكذلك اعتبرت عدوا للولايات المتحدة، وهذا الوضع أثار التساؤل حول أين يكمن ولاء الرعايا العثمانيين: هل هو للولايات المتحدة أم للسلطان؟ ومع أن إعلان النية حتى يصبح المرء مواطنًا أميركيًا كان في الأصل يرمي إلى اختبار ولاء المواطنين الأميركيين الجدد للإمبراطورية البريطانية، فإن الرعايا العثمانيين طلب منهم أيضاً أن يوقعوا على النموذج.
ومن أجل جعل النموذج ملائمًا لواحد من الرعايا العثمانيين، شطب كاتب المحكمة الإشارة إلى الملكة فكتوريا والتخلي عن الولاء لتاج بريطانيا العظمى وإيرلندا، وعبأ اسم السلطان العثماني، ومن الواضح أنه كانت هنالك تساؤلات حول ولاء الرعايا العثمانيين لبلدهم الجديد.
وعندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، أصبحت هذه التساؤلات أكثر إلحاحًا، وحتى بعد أن خسرت الإمبراطورية العثمانية ولاياتها العربية عام 1918، استمرت هذه الممارسة. وفي عام 1923 كان على العرب أن يعلنوا تخليهم عن الولاء للحكومة الحالية لتركيا عند التقدم للجنسية الأميركية.
* ثالثًا: كانت هنالك علاقة وثيقة بين الإمبراطورية العثمانية والإسلام، ومع أن الحالات المعروفة شملت مسيحيين فإن أصولهم في الأراضي العثمانية أوحت أنهم مسلمون. وبغض النظر عن تعقيدات القضية في الإسلام، فإن المسلمين في أواخر القرن العشرين كانوا يُعدون متعددي الزوجات.
وبذلك فهم غير مؤهلين للجنسية الأميركية، وتطورت العلاقة بين تعدد الزوجات وعدم الأهلية للجنسية كنتيجة للحملة المناهضة للمورمونية (وهي طائفة دينية أميركية أنشأها جوزيف سميث عام 1830، وأباحت تعدد الزوجات لفترة ثم حظرته)، وذلك في أواخر القرن التاسع عشر، حيث كان أنصار تعدد الزوجات مستبعدين بوضوح من الدخول إلى الولايات المتحدة.
وفي قضايا 1913 و1914، فإن مقولات المعرفة المشتركة سيطرت على قرارات المحاكم في أحكام بأن السوريين لم يكونوا بيضًا، ففي قضية عام 1913، قضى القاضي بأن المتهم، وهو مسيحي من زحلة، لبنان، لم يكن أبيض، وذكر القاضي أن لون بشرة المتهم، الشاهد، كان بلون الجوز، لكنه احتج أيضاً بعد ثبوت اللون والفارق غير الواضح بين الأبيض والملون، ومع أن منطق القاضي ليس واضحا فإنه اعتبر لون البشرة في تصميمه على رفض طلب الشاهد.
وبعد أن رفضت المحاكم الدنيا في ساوث كاليفورنيا طلب جورج ضو للتجنيس عام 1914، بدأ قادة الجالية الأميركية العربية يقلقون على مستقبلهم في أميركا، وشكلوا «الجمعية السورية للدفاع الوطني» للدفاع عن حقوقهم التاريخية والمدنية والاجتماعية، واستأجرت الجمعية محامين ركزوا على تجنب حكم آخر بأن السوريين ليسوا بيضًا،
ووقف وراء الحملة، نعوم مكرزل، محرر صحيفة «الهدى» وصاحبها، وهي صحيفة شعبية مقرها في مدينة نيويورك، ورئيس «الرابطة السورية الأميركية»، وكانت صحيفة الهدى تبقي قراءها على آخر التطورات في القضية، وجمعت الجمعية السورية للدفاع الوطني تبرعات للدفاع عن جورج ضو وأشعرت محرري صحيفة الهدى بأسماء المتبرعين وحجم تبرعاتهم. وجمعت الحملة حوالي ألف دولار، وهو مبلغ كبير لقضية قانونية في ذلك الوقت. وكتب الأميركيون العرب رسائل إلى محرري الصحف الرئيسية وإلى السياسيين، قائلين إنه ينبغي تصنيفهم كبيض.
وكجزء من هذه الحملة حول البياض، كتبوا ونشروا مقالات وكتبا بالإنجليزية حول تصنيف السوريين العرقي المستند إلى أسس علمية، وكان الدفاع عن جورج ضو يعد بوضوح شيئا ملحا ومهمًا للجالية. وفي قضية ضو ضد أميركا أثنى القاضي على المشاعر العميقة التي عبر عنها المحامون وادعاءاتهم بأن الجالية عانت من الإذلال والعار إزاء فكرة تصنيفهم كآسيويين وليس كبيض.
وفي الاستئناف الأخير لقضية ضو وافق القاضي على تقرير ويلنغهام للجنة الهجرة، والذي وجد أن السوريين ينتمون إلى الفرع السامي للعرق القوقازي، وكانوا من دم سوري وعربي ويهودي مختلط وليس من العرق المنغولي لحكامهم الأتراك نفسه. واستنتج أن السوريين «أشخاص بيض» ومنحت المحكمة الجنسية لجورج ضو.
وهذه القضية أدت إلى تسوية قضية العرق للأميركيين العرب بصورة رسمية، والتي قضت أن السوريين والفلسطينيين قوقاز وأن مكان مواطنتهم، الإمبراطورية العثمانية، لم يكن له أي علاقة بعرقهم. وهكذا نجح الأميركيون العرب الأوائل في معركتهم لتصنيفهم كبيض، من خلال المحاكم. ولم يكن ردّ الفعل الفوري في الجالية إحساسًا بالارتياح، فقد واصل كثير من الأميركيين العرب الاعتقاد بأن أزمة العرق بأسرها جاءت من سلسلة من التسميات المغلوطة، التي جعلتهم في وضع يخلط بينهم وبين الأتراك والآسيويين، وفرضت حالات الشرط المسبق العرقي عليهم أهمية التجنيس.
بلورة الهوية
إن حركة الحقوق المدنية وروح الثقافات المتعددة التي تطورت في الولايات المتحدة في الستينيات والسبعينيات دفعت الأميركيين العرب إلى أن يصبحوا مسيّسين في القيام بجهود التعريف بالذات، ومع أن أول استخدام كلمة «عربي» في أميركا كان في ووركستر، ماساشوستس، في أربع مطبوعات في أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر، فقد كانت الهوية السورية أو اللبنانية الأكثر شيوعًا لدى الجالية حتى ستينيات القرن العشرين.
وفي أعقاب حركة الحقوق المدنية والتسييس المتزايد للعرقية، فإن بعض الذين كانوا قد عرّفوا أنفسهم على أنهم أميركيون من أصل سوري و/أو لبناني بدأوا يعرفون أنفسهم على أنهم أميركيون عرب، وبدأت هذه العملية بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب الأيام الستة عام 1967، عندما صورت التغطية الإعلامية الأميركية العرب بأنهم شريرون بالوراثة ويعارضون الولايات المتحدة.
بالنسبة للأميركيين العرب، فإن تبني الهوية العربية كان طريقة لاستعادة العبارة وإعادة تعريف كيفية النظر إلى العرب في الولايات المتحدة، كما أظهر التحول إلى هوية أميركية عربية إحساسا بالعرقية والتراث المشتركين والوعي السياسي بالعرب الذين يعيشون في الشرق الأوسط.
إن دور المنظمات السياسية والاجتماعية في بلورة هوية مشتركة كبيرة حقاً، ففي عام 1968 تم تشكيل اتحاد خريجي الجامعات الأميركيين العرب، وشكل اختيار الاسم استخداما عاما مهما لعبارة الأميركي العربي، وفي سبعينات القرن الماضي وثمانيناته اندمج المزيد من المنظمات تحت صفة «أميركي عربي» أو «عربي أميركي».
إن إيجاد هذه المنظمات ونشاطاتها المستمرة قد أكد الهوية الجماعية للأميركيين العرب كجالية واحدة موحدة، مع أن كل منظمة أميركية عربية تميل إلى العمل حول قضايا تلقى قبول أفرادها الأصليين، ولم تتم ترجمة التركيز على الهوية الجماعية إلى صوت موحد أو قوي للجالية في حركة دفاع واحدة قوية أو إئتلاف من المنظمات. وبين تعداد عام 2000 أن 85 في المئة من الأميركيين العرب ما زالوا يعرفون أنفسهم وفق البلد الأصلي أولاً، مع أن هذا لا يعني أن كلمة «عربي» تعريف ثانوي أو ثالث، أو حتى الخيار الأول في وضع آخر.
إن الأميركيين العرب، مثل كل الأميركيين الآخرين، لهم هويات ذات أوجه متعددة تعكس العرق أو الإثنية أو الجنس أو التوجه الجنسي أو الانتماء السياسي الحزبي أو عوامل أخرى. وضمن هوية العرق/الإثنية، فإن أميركيا عربيا قد يعرّف نفسه وفق البلد الأصلي أو ا لديانة.
وفي السنوات الأخيرة، ينافس وعي إسلامي متزايد على التعريف الأساسي كعربي بين مسلمين، لذلك فإن كثيرين يختارون وصف أنفسهم كمسلمين أميركيين بدلاً من أميركيين عرب. إن صعود الهوية المسلمة مقابل الهوية العربية كمصدر للتغيير يرد في الفصل الخامس بتعمق.
فالمسيحيون يستطيعون أيضاً استخدام الديانة كتعريف إثني، وخصوصًا بين الجماعات الأقلية غير العربية من الأرمن أو الأشوريين أو الكلدانيين. ويشير بعض الموارنة اللبنانيين والأقباط المصريين إلى تقاليدهم الثقافية والدينية قبل الإسلام، ويحتفظون بهويات إثنية وطنية، حتى بعد الهجرة إلى أميركا. وفي هذه الحالات، قد لا يعرفون أنفسهم بأي طريقة كعرب، ولا يريدون أبدًا تصنيفهم كعرب أو أميركيين عرب.
وكان للتصنيف الأصلي للأميركيين العرب كبيض أثر على تصنيفات اليوم العرقية، لأنها أخذت تصبح وضعا قائما وسببت وجود مسافة بين الأميركيين العرب والملونين في الولايات المتحدة. وبينما كان التعريف كأبيض في أوائل القرن العشرين مفيدا لضمان حقوق الجنسية الأميركية.
فإن الأميركيين العرب يقولون اليوم إنهم لا يعاملون كبيض ويظهرون كملونين. إن الأميركيين العرب لهم عدد كبير من مسحات لون البشرة ومن الصعب التعميم حول كيفية تقييم لون الأميركي العربي واعتباره دون مزيد من الدراسات. لكن قضية العرق قسمت الجالية نوعا ما، كما تشير المفاوضات مع مكتب الإدارة والموازنة حول التوجيه رقم 15 ومكتب التعداد السكاني.
لقد كتب الأميركيون العرب عن مشاعرهم بالاستبعاد من الحركات السياسية لاسيما حركة مناصرة المرأة، وهم يعتقدون أنهم مستبعدون من النقاشات السياسية بسبب تأييدهم للإسلام ومحنة الفلسطينيين، ويرون أن هذه الانحيازات السياسية خلقت مناخًا من العرقية السياسية ضد الأميركيين العرب. وبينما يشترك بعض الأميركيين الأفارقة في هذه المشاعر ويفهمونها، فقد تم تشكيل تحالفات بين الجاليتين وخصوصًا في المجال السياسي.
ونتيجة لعدم وجود اتفاق جماعي حول عرق أو إثنية الأميركيين العرب كمجموعة، فإن كثيرًا من النشطاء والفنانين الأميركيين العرب استبدلوا النقاش العرقي بتعريفات شخصية للنفس. ففي كتابها الذي صدر عام 1996 بعنوان: «ولدت فلسطينية، ولدت سوداء» كتبت سهير حمّاد تقول: «يجب أن نكون واقعيين، نحتاج إلى أن تكون لنا تعريفاتنا الخاصة بنا، وعلينا ألا نخشى من تعديلها أو تغييرها عند الضرورة.
فالحدود من صنع الإنسان، وأنا أرفض أن أحترمها إلا إذا كان لي رأي في تشكيلها. وعلاوة على ذلك سمّ الروح كما تشاء، لكن الجوهر واحدٌ وخالد».ومع أن التعريفات الفردية تدرك الجوهر وتعقيدات الانتماءات الشخصية، فإن من المهم أن نفهم كيف وأين تصبح هذه التعريفات الشخصية جماعية.