من بين أطلال زواجه الأول وفي أعقاب علاقة مشحونة بتوتر شديد مع وسائل الإعلام دامت طوال عقد كامل من الزمن، نهض ولي العهد البريطاني في استفاقة قوية ليشق طريقه بنجاح نحو تحقيق أهدافه كرجل أعمال متميز ومصلح اجتماعي مهموم بمشكلات وطنه وشخصية مستنيرة تملك كل مفاتيح النجاح والتميز. إنه الأمير تشارلز، أمير ويلز وولي العهد البريطاني، الذي يقر المقربون منه أنه لا يفتقد أبدا مقومات القيادة.

لم يخش الأمير يوما استخدام نفوذه على المستوى السياسي، بشكل ينم عن ذكاء ملحوظ، ليحقق من خلاله أهدافا رسمها لنفسه بدقة. فخلال عامي 2005 و 2006 وحدهما كتب تشارلز أكثر من 2249 رسالة لوزراء حكوميين ورؤساء حكومات أجنبية ورؤساء برامج اجتماعية واقتصادية دولية، وأعضاء برلمانيين ورجال إعلام تناول فيها أمورا وقضايا شتى على جميع المستويات.

يقول جوناثان دمليبي، كاتب مذكرات الأمير: «أتصور أنه يدمن كتابة الرسائل. فهو يعطي الانطباع بأنه ذاهب للخلود إلى النوم ولكنه في الواقع يذهب كي يكتب رسائل يتناول فيها نطاقا عريضا من القضايا التي تشغل باله وتؤرق منامه. في بعض الأحيان يقوم بنفسه بكتابة تلك الرسائل وفي أحيان أخرى يُملي أحدهم ما يريد كتابته. وعندما يشعر بأن هناك أمرا ما خطأ أو أن أمرا ما مستفز حدث لشخص ما ، فإنه يتوجه إلى قلمه وأوراقه ويبذل قصارى جهده من خلالهما لتصحيح الأوضاع المعوجة بقدر الإمكان. عندما يتلقى الوزراء رسائله، ربما تجدهم يتنهدون، ولكنهم لا يستطيعون تجاهلها على الإطلاق».

لقد ذهبتُ لمقابلة الأمير، وفيما كنت أنتظره، أمرني أحد أعضاء فريق الحراسة بأن أستعد. مراسم مقابلة الأمير مباشرة للغاية وتخلو من أي تعقيدات. ولحسن الحظ فإن هذا الأمير يتفهم الهالة التي ينطوي عليها الأمر عندما يحاول أحدهم إجراء حديث مع ولي العهد البريطاني. فقد ظهرت على وجنتيه ابتسامة لطيفة قبل أن يقدمني لسمو الدوقة. ثم قال لي:«أنت لا تزال تلاحقني، أليس كذلك؟ أنا آسف للغاية.

أعلم أن الأمر ينطوي على قدر كبير من الملل بالنسبة لك. حسنا. آمل ألا يكون الأمر مملا للغاية».

ثم يسألني قائلا: «هل شاهدت البرنامج الوثائقي الذي أذاعته قناة بي بي سي 2 عن الطب البديل ليلة أمس؟ فأنا لم أستطع مشاهدته وأتمنى لو كان أحدهم قد قام بتسجيله على شرائط فيديو. فأنا أفضل شرائط الفيديو على شرائط دي في دي. فأنا أتضايق بشدة عندما أضطر إلى قراءة القائمة بكاملها من أجل العثور على النقطة التي توقفت عندها آخر مرة عندما تضطرك الظروف إلى مشاهدة الفيلم في أكثر من مكان.

«يظهر الأمير و هو في قمة نشاطه وهو يناقش أحد الأمور المحببة لقلبه». ثم يقول: «إذا استطعت النجاح في تحسين صحة المرء من دون اللجوء إلى تلك العلاجات المكلفة للغاية، إذاً فما المانع من اللجوء إلى الاستفادة من قدرات مثل هؤلاء المعالجين طالما أنك تعلم أنهم يلتزمون بالمعايير والتقاليد المتعارف عليها والمطلوبة. المشكلة بالطبع تكمن في أن تستطيع إثبات جدوى تلك العلاجات الشعبية البديلة بشكل علمي؛ فالعلم قائم على البراهين والأدلة».

الأمر الذي يتجلى بوضوح عند الحديث مع ولي العهد البريطاني هو أنك عندما تتطرق إلى موضوع محبب له، فإنك لا تكون بحاجة إلى التقدم بقدر كبير من الأسئلة، إذ إنك تجده يخرج إليك بما يكفيك من المعلومات من تلقاء نفسه دون أن تحتاج إلى التقدم بأي أسئلة من جانبك.

و يضيف الأمير: « إن استغلال الطرق والأساليب التقليدية في العلاج يمكن أن يحمل فائدة كبيرة في حال التعامل مع هذه الأساليب بشكل فعال ومتكامل، لاسيما عند استخدامها في علاج بعض الحالات المزمنة مثل الحساسية و الربو واضطراب الأمعاء وغيرها من الأمراض. المشكلة بالفعل ضخمة وغير مبالغ بها. فمنذ سنتين تقريبا أصدرت الجامعة الملكية للأطباء تقريرا اعترفت فيه بأن هناك وباء حساسية في هذا البلد أُصيب به ما يصل إلى 18 مليون شخص».

ويضيف الأمير إنه لاحظ في الآونة الأخيرة اتجاها إلى تجاهل الأسباب الجذرية للمشكلة والميل بشكل أكثر إلى التعويض أو علاج الأسباب المباشرة على حساب الأسباب الجذرية لأي قضية. يقول في هذا الصدد: «ربما الأمر يرجع إلى وسائل الإعلام أو الأساليب الإعلانية.

غير أن الناس بشكل عام يذهبون دائما إلى الحل الأسهل المتمثل في التوصل إلى علاج فوري وسريع بصرف النظر عما إذا كان هذا العلاج يمكنه القضاء على الأسباب الجوهرية للمشكلة أم لا. لا أعلم ما إذا كان الناس قد بدأوا ينسون أن الوقاية خير من العلاج أم لا. فنحن مهتمون أكثر بالراحة الوقتية وليس بالعلاج الجذري».

ويعد الطب التكميلي، أو الشعبي، كما هو مصطلح عليه جزءاً واحداً فقط من المقاربة التي يتبناها الأمير تجاه الصحة البشرية بشكل عام. فهو مهتم بالدرجة نفسها بتأثير التلوث وباعتمادنا المفرط على السيارات وبالتوسع المدني الذي يثنينا عن المشي وممارسة الرياضة بأبسط صورها.

يقول الأمير في هذا الشأن: « أنا بالفعل أؤمن بمقولة إن طريقتنا في الأكل تعكس شخصيتنا؛ من السهولة الشديدة خلق مشكلات صحية كبيرة وتخزينها لتنال منا عندما نتقدم في العمر. أنا بالفعل مندهش من أننا نعتني كثيرا بنوعية غذاء خيول السباق، حيث نحرص بشدة على تغذيتها بكل ما هو مفيد لصحتها، وفي الوقت ذاته لا نفعل الأمر نفسه مع أنفسنا». ثم يتنهد الأمير بعمق قبل أن يقول: «أتمنى ألا أكون قد أطلت في هذا الصدد».

و على الرغم من تلقائيته المعروفة في الحديث، إلا أن الخبرة قد علّمت الأمير تشارلز بأن ينتقي كلماته بدقة بالغة؛ فهو حريص أشد الحرص ألا يقول شيئا يمكن أن يُساء فهمه أو أن يُفسر بطريقة يمكن أن تضر بالموضوع الذي هو بصدده.

و نظرة سريعة على برنامجه اليومي تُوّلد عند المرء انطباعا بأن الأمير في عطلة معظم أيام الأسبوع، لكن الواقع مختلف كل الاختلاف. فالأمير منشغل بشكل كبير بالأعمال الخيرية التي تستحوذ على النصيب الأكبر من حياته؛ فالجمعيات الخيرية التي يديرها الأمير والتي يبلغ عددها نحو 17 منظمة غير ربحية تجمع تبرعات تصل قيمتها إلى أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني في العام الواحد، ما يجعلها أكبر مشروع خيري متعدد الأغراض في المملكة المتحدة. كما أن لديه أعماله الخاصة التي يحرص على متابعتها بنفسه.

أثناء الأيام التي سبقت توليها عرش البلاد، أخذت الملكة إليزابيث، ملكة بريطانيا، في التجول حول قصر باكنجهام وهي تعتمر التاج فوق رأسها من أجل التعود على وزنه. أمير ويلز لم يشعر بعد بثقل هذا التاج لكنه يعلم أنه في يوم ما سيكون الملك.

كل من حوله لديهم قناعة بأن تشارلز، عندما يصعد إلى سدة الحكم، سيكون ملكا جيدا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. يقول دمليبي: «سيكون تشارلز مفيدا بشكل لا يصدق، حيث سيمثل نقطة مرجعية لكل رؤساء الوزراء القادمين. لن تكون هناك أي احتمالية في أن يتسبب بأي مشكلات أو بلبلة، بل على العكس فإنه سيؤدي وظيفته بأفضل شكل ممكن».

إن لقب أمير ويلز، وهو اللقب الذي عادة ما يُمنح إلى أولياء العهود من الذكور، يُحمّل صاحبه مسؤولية واحدة حقيقية، ألا وهي الابتعاد عن المشكلات بقدر يكفيه لأن يكون ملكاً عندما تحين الفرصة.

ترجمة: حاتم حسين - عن «اسكواير»