عند هذا المنعطف المبكر من الكتاب تمضي بنا المؤلفة رندة الكيالي لإلقاء نظرة على باقي الموجات الثلاث التي تقف تاريخياً وراء مجتمع الأميركيين العرب بوضعيته الراهنة، وذلك كمقدمة منطقية تفضي إلى القضايا الأكثر أهمية، والمتعلقة بالتصنيفات العلمية للأميركيين العرب، والمعوقات التي اعترضت تكيفهم مع المجتمع الأميركي، وهو ما يفضي بنا إلى الأفق الفسيح المتعلق بالمشكلات السياسية التي يواجهونها، وبصفة خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتأثيرهم على المجتمع الأميركي والتوقعات المستقبلية لهذا التأثير.
كانت المرحلة الثانية من تاريخ الأميركي العربي (1925 ـ 1965) مرحلة تتصف بشكل أساسي بالذوبان في المجتمع والتبادل الثقافي. ومع أن زوجات المواطنين الأميركيين وأطفالهم المعالين لم يكونوا يحسبون ضمن الكوتات التي فرضت في عشرينيات القرن العشرين، فقد سمح لعدد ضئيل من المهاجرين غير الأقارب أن يدخلوا أميركا. وكان نقص الوافدين الجدد من الوطن الأصلي حتى الخمسينات قد أوجد فراغ تواصل بين العالم العربي والجالية في الولايات المتحدة. وبينما تفككت الروابط الأصلية مع القرية والعائلة فقد كان هنالك في المقابل تعزيز للعلاقات مع الولايات المتحدة، وذاب كثير من الأميركيين العرب في التوجه السائد، وخففوا من تركيزهم على خلفياتهم الإثنية في وطنهم، إضافة إلى عدم إظهارها أمام الملأ، وخلال هذه الفترة اختلط كثير من الأميركيين العرب في التوجه السائد وأصبحوا غير مرئيين كأقلية إثنية.
وبعد الحرب العالمية الثانية سيطرت الثورات والحروب على الحقائق السياسية والاقتصادية في العالم العربي، وجاء بعض النخب العرب كمنفيين سياسيين، وخصوصًا من العراق ومصر وفلسطين، وكان أوائل الفلسطينيين في الموجة الثانية أولئك الذين كان لهم أقارب يعيشون في الولايات المتحدة أو الذين كانوا قد حصلوا على جنسية أميركية. وعموما جاء حوالي ستة آلاف فلسطيني كلاجئين سياسيين في الخمسينات والستينات، وأصدر الكونغرس الأميركي «قانون إغاثة اللاجئين» لاستيعاب اللاجئين وخصوصا اللاجئين الفلسطينيين كفئة منفصلة للهجرة. وبموجب هذا القانون الذي مدّد عام 1957، تم دخول حوالي ثلاثة آلاف فلسطيني إلى الولايات المتحدة، بين عامي 1953 و 1963.
ووصل كثير منهم وهم يحملون موارد مالية ضئيلة، وبعد قانون إغاثة اللاجئين جاء حوالي ثلاثة آلاف فلسطيني آخرين إلى الولايات المتحدة. وجاء عدد أكبر كطلاب وظلوا بعد إنهاء برامجهم الدراسية لذلك لم يحسبوا في الإحصائيات. وكان من بين المهاجرين خلال هذه الفترة مثقفان أميركيان عربيان ذائعا الصيت، من أصل فلسطيني، وهما الأستاذ الراحل في جامعة كولومبيا، إدوارد سعيد الذي جاء من القاهرة عام 1951 والتحق بمدرسة إعدادية في كونيتيكت، والراحل إبراهيم أبو لغد الذي جاء إلى الولايات المتحدة عام 1950 كطالب دراسات عليا، وكان آخرون مثل هشام شرابي طلاب دراسات عليا في أميركا عندما نشبت حرب عام 1948 ولم يكن أمامهم من خيار سوى البقاء فيها.
وفي الخمسينات رحل نوع جديد من المهاجرين من العالم العربي إلى الولايات المتحدة وهم النخب، ومع أن بعض الفلسطينيين مثل إدوارد سعيد، كانوا من الطبقة العليا، فإن معظم المهاجرين الفلسطينيين لم يكونوا كذلك، وكان معظم المهاجرين العرب الآخرين بين عام 1950 وعام 1965 أعضاء في القيادة في مصر وسوريا والعراق، الذين كانوا يهربون من ثورات شعبية ومن أنظمة جديدة كانت تصادر أراضيهم وثرواتهم في أوطانهم، فثورة عام 1952 في مصر وثورة عام 1958 في العراق جعلت أولئك المرتبطين بالنظامين السابقين مكروهين. فالدبلوماسيون الذين كانت مناصبهم خارج بلادهم أو في الولايات المتحدة في ذلك الوقت ظلوا في البلد المضيف.
كما أن المسيحيين الأقباط والمسلمين من الطبقة المتوسطة، الذين كانوا قلقين إزاء الاقتصاد والحرية الدينية بعد الثورة، غادروا مصر إلى الولايات المتحدة أو إلى أوروبا. ووصل هؤلاء النخب المنفيون متعلمين ذوي مهارات قوية في اللغة الانجليزية وموارد مالية كبيرة، وذهبوا إلى ضواحي المدن ولم يكن لهم أي شيء مشترك يجمعهم مع الموجة السابقة من المهاجرين العرب.
الموجة الثالثة
وصل إلى الولايات المتحدة من عام 1965 وعام 1992 أكثر من 400 ألف مهاجر عربي بسبب التغييرات في قانون الهجرة والكوتات وبسبب اضطرابات أخرى في العالم العربي، وكانت هذه الموجة الثالثة أكبر بكثير من الموجة الثانية، وثلاثة أضعاف حجم الموجة الأولى. ومع أن مهاجري الموجتين الأولى والثانية كان لهم أبناء، مثلما ازدادت أعدادهم، فإن مهاجري الموجة الثالثة سيصبحون طبقة كبيرة أخرى في الجالية.
إن ظهور القومية العربية والقادة الجذابين وتصورات رخاء أكبر أعطت كثيرا من العرب آمالاً في المستقبل في خمسينات القرن العشرين، وأوائل الستينات، وأدت هزيمة حرب عام 1967 إلى مشاعر عربية سلبية. وأنهت فترة تفاؤل نسبي وبددت أسطورة القوة والوحدة العربيتين. ونتيجة لذلك فإن كثيراً من العرب كانوا متشائمين إزاء مستقبل العالم العربي، واختاروا الذهاب إلى الولايات المتحدة ودول أخرى غير عربية.
وكان هنالك ذروة في الهجرة بعد هزيمة حرب 1967 إضافة إلى موجات أخرى صغيرة من الهجرة نتيجة أحداث سياسية أخرى. ومنذ عام 1967 أدت السياسات الاقتصادية والحروب إلى تشجيع قطاعات مختلفة من العرب على الهجرة، وبسبب الحرب الأهلية والصراع هاجر 90 ألف شخص من لبنان من عام 1965 إلى عام 1992، وغادر آلاف الفلسطينيين والسوريين والأردنيين والمصريين مواطنهم، وفي السنوات الأربعين الأخيرة فإن كلا من هذه البلدان التي ترسل العمالة عايشت اضطرابات سياسية شديدة عملت كدافع للهجرة.
إن الحرب في لبنان من عام 1975 إلى عام 1991 أجبرت كثيرا من اللبنانيين والفلسطينيين الذين يعيشون في لبنان على الخوف على حياتهم والمجيء إلى الولايات المتحدة، سواء كان لهم أو لم يكن لهم أقارب مواطنون، وأثرت حرب الخليج عام 1991 على كثير من المجتمعات مما أدى إلى هجرة الناس داخل المنطقة وخارجها، وفي تسعينات القرن العشرين هرب العراقيون العاديون من البلد بسبب نقص الأغذية الذي سببته عقوبات الأمم المتحدة والإجراءات المفرطة من قبل نظام صدام حسين.
وربما يشكل الفلسطينيون المسجلون في أغلب الأحيان على أنهم من الأردن أو سوريا أو لبنان أو الدول الخليجية، أكبر شريحة من المهاجرين الجدد. وتأثر المصريون العاملون في الخليج بما سببته الحرب من زعزعة، وأدى الفساد الحكومي وسوء الإدارة والأنظمة المستبدة إلى الهجرة من العالم العربي.
وهؤلاء المهاجرون الجدد هم من عدد مختلف من الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية وهم يتوزعون بالتساوي تقريبا بين رجال ونساء. ومع أنهم يثمنّون أمن الولايات المتحدة فإن كثيرين لم يروا الهجرة كشيء دائم، وخصوصا أولئك الذين هربوا من وطنهم بسبب الحرب فقط، فقد توقعوا العودة إلى وطنهم ذات يوم حين يصبح مأمونا وحافلاً بالفرص الوظيفية.
وجاء عدد كبير من هؤلاء المهاجرين إلى الولايات المتحدة للدراسات العليا أو لأسباب مهنية ولم يتوقعوا العودة أبدا. وما بين عام 1965 وعام 1976 كان 15% من المهاجرين مهنيين متعلمين وعمالاً فنيين ذوي مهارات عالية. وتحسن النظام التربوي في كثير من البلدان العربية بعد الاستقلال. وبحلول عام 1975، أمكن لدول عربية مثل العراق ومصر ولبنان أن تتباهى بجامعات ممتازة في عواصمها، وزاد عدد خريجي الجامعات في أواخر الستينات والسبعينات لكن عدد الوظائف المتوافرة لم يتوافق مع مستوى مهاراتهم. وفي ضوء احتمالات عمل ضئيلة، رأى الكثيرون في الهجرة خيارهم الوحيد للتقدم المهني، ولذلك غادروا، مما ساهم في المشكلة الخطيرة أمام تطور العالم العربي والتي تسمى بنزوح الأدمغة.
أنماط الاستقرار
كانت نقطة الدخول الرئيسية للسوريين قبل عام 1924 ميناء نيويورك، أولاً عن طريق كاستل غاردن ثم إيليس أيلاند، الذي افتتح عام 1892، وكانت هنالك نقاط دخول أخرى شعبية وهي نيو أورليانز وبوسطن وفيلادلفيا وبرفيدنس وبلتيمور، وبعد الرحلة الطويلة بالسفن مع أحلام بوضع القدم على اليابسة، كان على كل مهاجر أن يخضع لفحص طبي.
ويمرّ في عملية مقابلة، وقد رفض كثيرون بسبب التراخوما، وهو مرض يصيب العين، وأعيدوا إلى قراهم بغير عائلاتهم. وتفادى آخرون، مسؤولي الهجرة الأميركية بالذهاب عبر المكسيك أو الكاريبي. واختارت بعض العائلات مواصلة رحلتها والالتحاق بأقاربها في أميركا الجنوبية أو الوسطى، ويوجد اليوم في بيرو والبرازيل وفنزويلا ودول أخرى في أميركا الجنوبية، سلالة المهاجرين اللبنانيين الأوائل.
لم يكن مسؤولو الحدود الأميركيون في العادة يتحدثون العربية، وكما هي الحال مع مهاجرين آخرين فإن الأسماء العربية كان يجري تحويلها إلى الإنجليزية عند الدخول إلى البلاد. وتم اختصار الأسماء العربية الطويلة ثم جعلت قابلة للفظها للمتحدثين بالانجليزية. وكان الاسم الجديد في أغلب الأحيان يختلف عن هويتهم الأصلية، ومثال ذلك يعقوب أصبح جاكوبس، وقاسم أصبح كاسم، وأنذر هذا التغيير للاسم الأصلي بسلسلة من اضطراب الهوية في الولايات المتحدة.
بالنسبة للمهاجرين الطامحين والحقيقيين كانت مدينة نيويورك تجسّد وتمثل الولايات المتحدة، وكانت عبارة «نايرك» تستخدم في أغلب الأحيان بدلاً من الولايات المتحدة، التي تعّمم على أنها أميركا، والتي كانت بدورها تسمى «ميركا». وكانت نيويورك المعروفة بوصفها المستعمرة الأم للمستوطنين الأوائل، تضم سكانا أكثر تنوعا وأكثر تركزاً من العرب قبل عام 1900، وأصبحت المنطقة حول شارع واشنطن في مانهاتن السفلى تعرف «بسوريا الصغرى» كمعقل إثني يضم كثيراً من المصالح التجارية التي يملكها العرب ومن السكان العرب. وكانت المنطقة تخدم كمركز فكري للأميركيين العرب بين عام 1880 وعام 1910، وكانت القاعدة لكثير من المؤسسات الاجتماعية العربية، وكان شارع واشنطن حافلاً بالضجة والنشاط بمصانع النسيج وواجهات المتاجر والمقاهي التي تقدم الأراجيل والقهوة.
وكان كل المثقفين تقريبا يسكنون في مدينة نيويورك، وكانوا يلعبون أدوارا مهمة في قيادة الجالية وتأسيس الكنائس والمنظمات والصحف والنوادي الجمهورية والديمقراطية في تسعينيات القرن التاسع عشر. وكانت «سوريا الصغرى» المركز التجاري للأميركيين العرب أيام عزّهم، وتم تأسيس أول بنك يملكه عرب (أسسه فاعور إخوان) لتوفير رأس المال للمصالح التجارية الجديدة،.
وكانت بعض المتاجر في سوريا الصغرى بيوت استيراد تشتري المطرزات من إيطاليا والأربطة والحرير من فرنسا، وكان في المتاجر عمال من الصين والفلبين يصنعون السلع الغالية لها، قبل وقت طويل من أن تصبح اتجاها اقتصاديا. وحركت المتاجر أيضاً الطلب على مواد صناعة الأكواخ مثل أربطة أرخص تنسج في جبل لبنان. وكانت تستورد المواد الغذائية وأدوات المطبخ والأراجيل والمواد الثقافية مثل الآلات الموسيقية، من الوطن الأصلي لراحة زملائهم القرويين المقيمين في كل أرجاء الولايات المتحدة.
وكان كثير من المتاجر مخصصا لبيع الأقمشة والملابس الجاهزة. وكانت التجارة في سوريا الصغرى تدور حول مهنة البيع بالتجول، ففي ثمانينات القرن التاسع عشر شق المهاجرون الجدد طريقهم إلى معارف لهم في سوريا الصغرى، وعندما يصلون إليهم، كان صاحب متجر تزويد يزود المهاجر بقليل من التدريب والسلع لبيعها، وبين عام 1880 وعام 1910 أصبح معظم الوافدين الجدد من جبل لبنان باعة متجولين، يسافرون من مكان إلى مكان، يبيعون السلع والبضائع للزبائن.
وفي أيامهم الأولى القليلة في الولايات المتحدة تعلم الوافدون الجدد بيع البضائع في شوارع نيويورك، ويعودون إلى منزل داخلي أساسي في الليل. وبعد أن شحذوا مهاراتهم ووجدوا تجارة البيع المتجول مقبولة، كان الباعة المتجولون يخرجون من المدينة بحثًا عن زبائن جدد، وفي العادة في مناطق أكثر تحضرا.
السنوات الصعبة
أصبح المهاجرون الجدد باعة متجولين لأن التجارة كانت تتطلب تدريبا قليلاً أو مهارات ضئيلة في اللغة الإنجليزية، وكانت البضائع تباع بالدين، وكان البدء بالمتاجرة لا يتطلب سوى مبلغ صغير من رأس المال. وكان باعة آخرون من اليهود من أوروبا الشرقية ويونانيين وأرمن وإيطاليين، وأعطت تجارتهم لكثير من المهاجرين فهما أفضل للبدء في التجارة، إضافة إلى الطريقة الأميركية للحياة وتركيزها على الاعتماد على النفس والشخصية الفردية.
وكانت هنالك أنواع مختلفة من الباعة المتجولين يوصفون وفقًا للطريقة التي كانوا يحملون بها البضائع. فالباعة على العربات التي تدفع باليد أو الباعة المتجولون في الطرق كانوا يبيعون بضائعهم من أكشاك متنقلة، محمولة على عربات في كل أنحاء المدن. وكان البائعون المتجولون سيرا على الأقدام يحملون البضائع على ظهورهم يسيرون على أقدامهم إلى زبائنهم.
ومع أن بعض الباعة السوريين كانوا يستخدمون العربات؛ فإن المهاجرين العرب الأوائل تخصصوا في حمل بضائعهم على ظهورهم لبيعها في المناطق الريفية والنائية، بما فيها بلدات التعدين والمزارع إضافة إلى الأحياء الإثنية المكتظة بالناس الذين لا يتحدثون الإنجليزية، وفي الحقيقة فإن هنالك شواهد على أن بعض الباعة المتجولين قد تعلموا الانجليزية والألمانية،.
وظهر أن العرب تعلموا هاتين اللغتين بسهولة، حتى إن بعضهم عملوا كمترجمين مع جهاز الهجرة الأميركي. وكان الزبائن الرئيسيون للباعة المتجولين نساء لا يخرجن من بيوتهن بسبب اختلافات اللغة أو بعد المكان. ومع أن حياة البائع المتجول كانت موحشة وقاسية فإنها مكنته من أن يصبح ناجحا من ناحية مالية، ويقدر أن النساء الريفيات الأميركيات اشترين بحلول عام 1910 بضائع من الباعة السوريين المتجولين بلغت قيمتها 60 مليون دولار.(16)
ووفقًا لمهاراتهم وبضائعهم كان يمكن للبائع المتجول أن يكسب ما يصل إلى ألفي دولار في السنة، وكان متوسط دخل البائع المتجول ألف دولار في السنة، بينما كان العمال الصناعيون يكسبون ما معدله 650 دولاراً في السنة، وكان معدل دخل الفرد الأميركي 382 دولاراً عام 1910، وقد دخل المهاجرون عالم الباعة المتجولين حتى يتجنبوا عمل المصانع البليد، وحتى يكونوا في الهواء الطلق يشعرون فيه بالحرية والاستقلالية. ولا بد أن التجارة المتجولة كانت جذابة خصوصا للأشخاص المعتادين على الزراعة وعلى العمل البدني في الخارج.
ولم يكن كل الأميركيين العرب باعة متجولين أو أصحاب متاجر، فقد انجذب المسلمون والمهاجرون الدروز خصوصا إلى الفرص الزراعية التي توافرت مع بداية القرن، فالعرب وصلوا بعد قانون هومستياد الذي صدر عام 1862، والذي أعطى الأرض لكل من يرغب في زراعتها لتشجيع التوسع غربا، وانتقلوا إلى المنطقة الغربية والمنطقة الغربية الوسطى للزراعة، مثلما كانوا يفعلون في قراهم. وسافر اليمنيون إلى كاليفورنيا للزراعة والعمل في وادي سان جواكين، تاركين عائلاتهم في وطنهم حيث كانوا يبعثون لها بنصف عائداتهم.
وعمل كثير من الأميركيين العرب في مصانع الميدويست ونيو إنجلاند مقابل أجر، وفي عام 1914 كانت شركة سيارات فورد تدفع لعمالها مبلغ خمسة دولارات بدل كل ثماني ساعات عمل، وفي عام 1900 كان هنالك 555 سوريا مسجلين كموظفين. ونتيجة لذلك، نمت ديترويت لتصبح مركزا مهما للأميركيين العرب، وخصوصا للمسلمين الذين كانوا يعملون في المصانع ومخيمات الخشب المنشور.
وعشية الحرب العالمية «الأولى»، عام 1914، استقر كثير من الأميركيين العرب في أرضهم الجديدة، وعندما دخلت الولايات المتحدة الحرب، كانوا متلهفين للخدمة في بلدهم الجديد ومحاربة أعدائهم القدامى، الأتراك العثمانيين. ولم ينتظر كثيرون التجنيد بالقرعة وتطوعوا للذهاب إلى الحرب، حتى وإن كانوا هربوا من وطنهم ليتجنبوا التجنيد الإجباري في الجيش العثماني.
وعلى العموم، فإن 15 ألف سوري (أو 7% من الجالية الأميركية العربية في ذلك الوقت) خدموا في سلك المشاة الأميركي، في الحرب العالمية الأولى. وقد منح بعضهم أوسمة لقاء شجاعتهم. يقدر أن 64% من السوريين المقيمين في مدينة نيويورك اشتروا ما يساوي 2, 1 مليون دولار من سندات الحرية التي كانت تباع خلال الحرب وذلك لرفع الجهود الأميركية وربما لجني الأرباح، ومنذ العام 1901 وصاعداً أسس العرب الأميركيون فروعاً للصليب الأحمر ولفرق الكشافة. وأتاحت الحرب العالمية الأولى الفرصة لهم لمعارضة العثمانيين ولأن يكونوا وطنيين في انتمائهم لبلدهم الجديد في نفس الوقت.
وتحدّت عشرينات القرن العشرين العاصفة، القيم العائلية لكثير من الأميركيين العرب، وأبعدت الجيلين الثاني والثالث عن سيطرة آبائهم وتأثيرهم، وقبل عام 1920 كان الزواج يعد مهما جدا والتعليم للبنات أقل عملية. وكانت معظم الزيجات تتم بترتيب من قبل الأمهات أو رجال الدين أو داخل الشبكات الاجتماعية.


