في مقال للرأي نشر في صحيفة (لو موند) ، مؤخراً، طرح الصحافي الكبير أندريه فونتين السؤال التالي، الساذج لكن المناسب جدا، على المسؤولين السياسيين في الاتحاد الأوروبي : (هل ستبقى أميركا قوة عظمى وحيدة في العالم؟)

الحقيقة أن ما يثير الفضول هو أنه قبل 11 سبتمبر 2001، ما كان أحد ليتردد في الإجابة بكلمة نعم. ألم تكن الولايات المتحدة قد كسبت الحرب الباردة؟ ألم تكن قوة عسكرية عظمى بلا منازع في العالم؟ ألم يكن لديها قوة اقتصادية وتقنية بلا منافس أيضا؟ بيد أن أحداث 11 سبتمبر كشفت للعالم من حيث لا ندري هشاشة (الإمبراطورية) بصورة مطلقة لا رجعة عنها.

ومع ذلك، فإن قلائل هم الذين أدركوا، حينها، أن العالم كان على وشك الدخول في عصر جديد وجميع أعضاء مجلس الأمن سارعوا إلى التعبير عن تضامنهم مع الولايات المتحدة وكذلك فعل الحلفاء الأوروبيون والسواد الأعظم من البلدان العربية وأهم الدول في القارات الخمس.

لكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح وبات الأمر يتعلق برأسمال بدد في وقت قياسي. وفي الواقع، فإن استراتيجية إدارة بوش لمواجهة الإرهاب أدت إلى خسارة كل شيء كما هو واضح الآن. وتتمثل الأسباب في الغطرسة الأميركية والسياسة القائمة على النزعة الأحادية والتفرد في حملة الانتقام التي أطلقتها الولايات المتحدة بلا معايير، بما في ذلك محاولتها تجاهل الأمم المتحدة واستغلال الناتو، الذي تحول من (منظمة دفاعية) كانت تهدف إلى ردع (العدو السوفييتي) استراتيجيا إلى مجرد (ذراع مسلحة) للولايات المتحدة وذلك من خلال الدور الذي يلعبه الحلف في أفغانستان - البحث عن بن لادن الذي لا يزال طليقاً .

- ومن ثم جاء غزو العراق تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل الزائفة وكشف عن عمليات مدمرة بصورة مطلقة في حين يطالب الرأي العام العالمي والرأي العام الأميركي نفسه بمراجعة الاستراتيجيات الكونية للإدارة الأميركية.

أما المأزق الذي أصبح يجسده الوضع في العراق إلى جانب الوضع في عموم الشرق الوسط وصعود إيران كقوة إقليمية في طريقها إلى امتلاك أسلحة نووية وهزيمة إسرائيل في لبنان إثر حربها العدوانية التي كانت بلا طائل وتفاقم الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي ، الآخذ بالتعقيد بشكل متزايد، فإنه يوضح إلى حد لا بأس الأسباب التي أدت إلى هزيمة الجمهوريين في الانتخابات الأميركية الأخيرة التي كانت كارثية بالنسبة لبوش. من جانب آخر، فإن تراجع سمعة الإدارة الأميركية في العالم بعد أن خسرت كل سطوة أخلاقية جراء الازدراء الذي أظهرته حيال القانون الدولي وحقوق الإنسان والذي انعكس في تجربتي سجن أبو غريب ومعتقل غوانتانامو وقبل ذلك في الفوضى الكونية التي يمر بها العالم أمام العجز الواضح للقوة العظمى الأميركية.

عندما يجد حتى توني بلير، أخلص حلفاء بوش، نفسه مجبرا على الإعلان عن عزم بلاده سحب القوات البريطانية من العراق قبل انسحابه من المسرح السياسي ويعترف بأنه كان ضحية لخدعة، فإنه يمكن للمرء أن يفهم تماما مدى كارثية سياسات بوش وذلك فضلا عن الوضع الاقتصادي الحرج الذي تمر به الولايات المتحدة اليوم مع زيادة في البطالة وتوترات اجتماعية .

وتضخم بدأ يصبح مقلقا في إطار عولمة تولد تباينات رهيبة وجريمة عالمية منظمة إلى حد كبير تشمل العديد من مناحي الحياة بدءا (بالتهريب النووي وانتهاء بسوق الرقيق الأبيض)، كما يكتب مويسيس نعيم المدير التنفيذي السابق للبنك الدولي في كتابه (غير مشروع). الأمر الذي يجب أن يضاف له حالة الضيق التي فاحت رائحتها بين مختلف الرتب العسكرية في الولايات المتحدة.

والسؤال الذي يطرح نفسه في ظل هذه الظروف هو: هل الولايات المتحدة تمر في ظروف تسمح لها بمهاجمة إيران حتى لو كان ذلك بواسطة إسرائيل؟ في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ترتسم ملامح جبهة تقول: لا، وتقف وراءها روسيا والصين. فضلا عن أن بوتين يسمح لنفسه بانتقاد سياسة بوش بشكل علني ومفتوح.

أما الصين، فإنها تواصل السير على هدى في طريقها المعتادة وتمضي قدما بعمليتها التي باتت مألوفة والمتمثلة في مواصلة التقدم على صعيد سياستها التوسعية محافظة على احتياطيات مرتفعة جدا من سندات الخزينة الأميركية- ومن الدولارات- التي تسمح لها في أي لحظة بإثارة مشكلات خطيرة جدا للاقتصاد الأميركي . في حين بدأت مختلف الدول الإيبرو- أميركية، سواء الراديكالية أم الإصلاحية منها وحتى الحليفة منها مثل كولومبيا ، بالخروج بصورة تدريجية، ولأول مرة في التاريخ، عن سيطرة جارها الأكبر في الشمال.

لكن الاتحاد الأوروبي يتأخر كعادته في التفاعل وهو عاجز حتى اللحظة عن تحديد معالم سياسة مستقلة ذاتيا وعن التعبير عن نفسه بصوت واحد فقط. مع أنه وفي جميع الأحوال لا يزال يشكل القطب العظيم الوحيد في التطور الكوني القادر على مساعدة الولايات المتحدة بشكل جدي على الخروج من هذا المأزق الذي وضعت نفسها فيه، والذي يبدو أنه بلا مخرج ،انطلاقا من إعادة صياغة استراتيجية عالمية جديدة مفتوحة على جميع الآفاق، وذلك بمجرد أن يختفي بوش من الساحة السياسية بالطبع. لكن الوقت يداهمنا وفيه تكمن الصعوبة الكبرى.

ترجمة: باسل أبو حمدة - عن (الباييس)