ثمة فكرة عامة تفيد بأنه من المهم للغاية حماية الحياة البرية في العالم بشتى الوسائل والطرق المتاحة. فمن نافلة القول إن حماية الحياة البرية تنعكس إيجابا على جميع أوجه الحياة. ومن ثم فإنه من غير المستغرب أن يجد المرء هذا العدد الكبير من الجمعيات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية في مختلف أنحاء العالم التي تعمل في ميدان حماية الحياة النباتية وأخرى في حماية الحياة الحيوانية وثالثة في حماية التراث، الخ. غير أنه كان من المستغرب أن يسمع المرء في السابق أن هناك اتجاهاً جديداً لحماية صخور العالم من بطش الإنسان وعدم مبالاته في التعامل مع أحد المكونات الرئيسية للطبيعية من حولنا.

في هذا الصدد تتعرض مجلة «نيوساينتست» العلمية في أحد أعدادها الأخيرة إلى موضوع حماية الصخور في ضوء الدور الكبير الذي تلعبه في التوازن البيئي ومن ثم أهمية أن يولي العلماء اهتماما كافيا بتوفير حماية كافية لهذه الصخور. وبالفعل رصدت المجلة وجود جماعة خاصة تطلق على نفسها اسم «جيوكونسيرفيشن» أو «حماية الطبيعة» تعمل في مجال حماية الصخور تماما كما تعمل جماعات خاصة ورسمية أخرى في مجال حماية الحيوانات والنباتات وحتى المقتنيات الأثرية.

تشير المجلة إلى أن هناك بعض العلماء مهتمون بشدة بهذه القضية على عكس ما يعتقد البعض ويرون أن جمع الجمرات والحصى من على الأرض وغيرها من أنشطة تجميع المواد الأثرية هو أمر يقف على قدم الخطورة البيئية نفسها التي تقف عليها عمليات تدمير الزهور البرية وجمع بعض الفصائل الحيوانية النادرة.

ويؤكد هؤلاء العلماء أن التركيب الجيولوجي الفريد الذي يحظى به كوكب الأرض معرض لخطر كبير في حال استمرار الفشل في توفير قدر كاف من الحماية للصخور والقضاء على التهديدات المتواصلة التي تتعرض إليها والتي تشمل على سبيل المثال وليس الحصر عمليات التنمية العمرانية وما تشمله من عمليات تدمير ونقل للصخور من مواضعها، ناهيك عن الظواهر المناخية التي تعصف بكميات هائلة من الصخور كل عام.

فضلا عن أن العلماء أنفسهم أدلوا بدلوهم في تعريض الصخور للخطر جراء ما يقومون به من عمليات غير محسوبة من جمع عينات من الصخور من دون رابط أو ضابط، الأمر الذي أثر سلبا في مناطق كبيرة في العالم في الوجود الصخري. وفي ضوء كل هذه العوامل فإن مجموعة من العلماء اتفقوا مؤخرا على دق ناقوس الخطر لبيان أهمية التعامل بشكل علمي مع هذه الصخور نظرا للخطورة التي ينطوي عليها الأمر.

الهم الأكبر لهذه الجماعة ليس حماية الصخور، كما يعتقد البعض، وإنما ينصب جل اهتمامهم على المعلومات التي تحتويها هذه الصخور. يقول كريس كليل، وهو مسؤول في الجمعية الأوروبية للحفاظ على التراث الجيولوجي: «علم الجيولوجيا يُمكنُنا من فهم عملية تطور الأرض التي نعيش عليها». فالصخور الموجودة على كوكب الأرض شرحت للإنسان أشياءً وحقائق علمية كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولا تزال لم تبح بعد بكل أسرارها.

فبدايةً من تفسير الطريقة التي تكونت بها المحيطات ومرورا بتفسير المراحل التي يمر بها البركان حتى يلفظ حممه ونهاية بتحديد وقت وزمن وصول الحياة إلى كوكب الأرض وكيف سيكون المناخ بعد مئتي مليون عام من الآن، تواصل الصخور تعليم الإنسان بما لم يعلم ولن يعلم إلا من خلالها.

عندما يتعرض مصدر جيولوجي إلى دمار من أي نوع، فإن علماء الجيولوجيا ليسوا هم وحدهم الذين يخسرون نتيجة فقدان ما تحتويه هذه الصخور من معلومات قيمة. فعدد كبير من التكوينات الصخرية في العالم يعد جزءاً لا يتجزأ من النظام البيئي الموجودة فيه.

يقول الباحث بيتر دويل، وهو عضو مستقل في اللجنة المشتركة للحفاظ على البيئة التابعة للحكومة البريطانية: «الصخور تمثل جزءاً حيويا لا يمكن الاستغناء عنه في فهم أي موئل بشري. فالصخور تكوّن التربة التي بدورها تحمي ما يعيش عليها من طفيليات وحيوانات ونباتات وحشرات».

وتأتي أرصفة الحجر الجيري الموجودة في منطقة كهف مالهام في يوركشاير في شمال الريف الإنجليزي كأحد الأمثلة التي تبين بشدة الدور الذي تلعبه الصخور في التكوين البيئي لأي مكان في العالم.

فمنذ ملايين السنين تسببت مياه الأمطار والحركات الثلجية التي كانت تعصف بالعالم وقتها في نحت الصخور وتحويل شكلها إلى ما يشبه رصيف ضخم، الأمر الذي تسبب في تحويلها إلى موئل يستضيف سلالات نباتية نادرة لا يوجد مثيل لها في العالم بفضل ما تحتويه من شقوق تتيح أجواءً مناخية تناسب هذه النباتات دون غيرها.

وفي هذا الصدد تشير المجلة إلى أن بريطانيا لديها مساحة تبلغ 2900 هكتار من الأرصفة الجيرية، تعرض 97% منها إلى الدمار بالفعل. فالتغير في الظروف المناخية والتلوث الآتي من المزارع يأتيان على قمة قائمة التحديات والمشكلات التي تسببت في فقدان هذه المساحة الكبيرة من الصخور، الأمر الذي تسبب في تسارع خطة التعرية وأضاف مواد مغذية غير مرغوب فيها إلى النظام البيئي في المنطقة هناك، ما أضر بحياة الكثير من عناصر الحياة البرية.

كما يتسبب وجود المحاجر الجيرية هناك في مشكلات كبيرة؛ غير أن ما يدعو إلى الدهشة بشكل كبير هو أن التهديد الأكبر يتمثل في سلوك المزارعين وأصحاب البساتين الذين يعملون على جمع أعداد كبيرة من الصخور لأغراضهم الخاصة.

يقول مايك بيتون من جامعة بريستول، وهو رئيس المعهد البريطاني للحماية الجيولوجية: «في هذا الحالة يتبين أن العمليات الصناعية ليست هي التهديد الذي يواجه الصخور وإنما التهديد الرئيسي يكمن في البشر أنفسهم، وبالتحديد في المزارعين الذي يأخذون في جمع الصخور من أجل خدمة بساتينهم وحدائقهم الخاصة».

وعلى الرغم من كل هذه المشكلات، فإن بريطانيا تعد من أكثر دول العالم حفاظا على تكويناتها الصخرية اعترافا من الحكومة بالدور الكبير الذي تلعبه هذه الصخور في خدمة البيئة وحل ألغازها. فبموجب القانون البريطاني تجري حماية ما يطلق عليه وصف «الدُرر الجيولوجية» في حال حصولها على توصيف «ذات أهمية علمية خاصة» حتى إن كانت هذا الدرر والتكوينات الصخرية ذات ملكية خاصة.

في الولايات المتحدة الأميركية يجري تطبيق قوانين الحماية الجيولوجية على الأماكن والمواقع التي تمتلكها الحكومة فقط، مثل متنزه يلوستون الوطني؛ أما المواقع الخاصة فإن ملاكها يستطيعون أن يعملوا فيها ما يشاءون من تدمير واستنفاد بيئي، مثل منطقة ستكوتن بار. بل أن حتى توصيف منطقة في بريطانيا بأنها «ذات أهمية علمية خاصة»، كما ورد أعلاه، لا يحميها كلية من عبث الإنسان في حالات كثيرة كما اكتشف العلماء مؤخرا.

وفي ضوء هذه المعطيات تتساءل المجلة عن أفضل السبل لحماية صخور العالم من بطش الإنسان وعبثه. فالحكومات يمكنها تقديم بعض أنواع الحماية وكذلك يمكن لبعض المنظمات الدولية أن تقدم يد المساعدة، مثل منظمة اليونسكو التي تشجع بلدان العالم على بناء مناطق تراث تحظى بحماية عالمية ومتنزهات جيولوجية تتوفر لها كل أنواع الحماية اللازمة.

غير أنه يبدو أن أهم هذه الأساليب هي زيادة الوعي البيئي وتعزيز ما يعرف بالسياحة الجيولوجية، على حد تعبير المجلة. فإشراك الناس العاديين في حماية بيئتهم هو الأسلوب الأمثل لحماية صخور العالم لأن الخطر الأكبر على هذه التكوينات الصخرية يأتي على يد الإنسان.

إعداد: حاتم حسين