يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه دراسة ميدانية فريدة حول الأميركيين العرب والأسباب التي وقفت وراء الهجرة إلى الولايات المتحدة في موجاتها الثلاث الرئيسية والقضايا المعقدة التي واكبت تكيفهم مع المجتمع الأميركي، وتلقي المؤلفة ضوءاً قوياً على النشاط السياسي والتنظيمات المختلفة للأميركيين العرب، قبل أن تفصل القول في تأثيرات أحداث الحادي عشر من سبتمبر على أوضاع الأميركيين العرب، لتصل في النهاية إلى الجانب الذي نعتقد أنه الأكثر أهمية وفائدة في هذا الكتاب وهو المتعلق بمساءلة المستقبل فيما يتصل بوضع الأميركيين العرب ودورهم في الولايات المتحدة.
إن «الأميركي العربي» عبارة تستخدم على نطاق واسع في وسائل الإعلام والمنظمات المجتمعية حالياً. ومع أن الأميركي العربي يتم تعريفه على أنه أحد المهاجرين إلى أميركا الشمالية من أصول دول الشرق الأوسط التي تتحدث العربية»، فإن هنالك جدلاً كثيراً حول عبارة العربي، فالتعريف المقبول عموماً لكلمة عربي، هو شخص لغته الأم العربية، لكن كثيرين يتساءلون حول ما إذا كان التحدث بالعربية كافياً لجعل الشخص عربياً. بالنسبة للأميركيين العرب فإن العلاقة بين اللغة والهوية إشكالية لأن كثيرين من الأجيال الثانية أو الثالثة أو الرابعة لا يتحدثون العربية. ورغم هذه الفروق في العالم العربي فإن كثيراً من الأميركيين العرب، وخصوصاً الشباب، يعرّفون أنفسهم كعرب أو ينتمون لتراث عربي لأنهم بشكل جماعي ينسبون أصلهم للدول الناطقة بالعربية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
إن الأصول تتضمن عوامل مشتركة تاريخية وثقافية، إضافة إلى خبرات مشتركة في الولايات المتحدة. وحتى بعض غير العرب، مثل البربر والأكراد والأرمن، الذين نشأوا في العالم العربي ويتحدثون العربية يعدّون أنفسهم من الأميركيين العرب في أميركا. كما ساهمت وسائل الإعلام بالإحساس بالهوية المشتركة كعرب، بغض النظر عن الفروق بينهم. والتحدي المستمر للإعلام وللباحثين أيضاً يتمثل في تمييز الهويات المختلفة للأميركيين العرب واحترامها دون تفويت التنوع الهائل للجالية. وقد أثرت التطورات في الشرق الأوسط ومنطقة شمال افريقيا، إضافة إلى قوانين الهجرة الأميركية، تأثيراً كبيراً على انبثاق الجالية الأميركية العربية وتطورها، وكان لعوامل الدفع والجذب وراء اختيار الهجرة ثلاث مراحل تاريخية تشكل طبقات في الجالية الأميركية العربية. وبدافع من إغراء الفرص الاقتصادية، جاء المهاجرون ومعظمهم من لبنان وسوريا إلى الولايات المتحدة بين عامي 1880 و1924، وأسسوا شبكات تجارية ومساكن في كل أنحاء البلاد. وفي المرحلة الثانية من تاريخ الأميركيين العرب، 1925 ـ 1965، وصل عدد قليل نسبياً من الوافدين الجدد وذاب السكان وأبناؤهم، في معظمهم، في المجتمع الرئيسي، وتتكون الطبقة الكبرى في المجتمع الأميركي العربي من المهاجرين الجدد الذين وصلوا منذ عام 1965، وأبنائهم.
قوانين الهجرة الأميركية... قطعت قوانين الهجرة بين موجتي الهجرة العربية إلى الولايات المتحدة، وبدأت الموجة الأولى من هجرة الأميركيين العرب على أشدها في ثمانينات القرن التاسع عشر إلى أن تغيرت القوانين في عشرينات القرن العشرين، فمنذ الأيام الاستعمارية حتى إصدار قانون الكوتا عام 1921، وقانون جونسون ـ ريد للهجرة عام 1924، استطاع العرب أن يهاجروا بلا عوائق وفق الكوتا. وسعى قانون الكوتا لعام 1921 إلى الحدّ من الهجرة من دول خارج أوروبا الشمالية والغربية، حيث حظر كل المهاجرين من آسيا وقلص الأعداد المسموح بها من جنوب أوروبا وشرقها ومن الإمبراطورية العثمانية. وقررت الحكومة الأميركية حدوداً عددية للمجموعة الأخيرة بالسماح باثنين في المئة من أبناء المجموعة المولودين في الخارج في تعداد عام 1890؛ ولأن الوافدين الجدد كانوا قد بدأوا بالوصول إلى الولايات المتحدة عام 1880 فإن عدداً قليلاً جداً من المهاجرين الناطقين بالعربية قبلوا في أميركا على مدى ثلاثة إلى أربعة عقود بعد ذلك العام، أي أن هذا أنهى الموجة الأولى من هجرة الأميركيين العرب، وبدا التراجع الكبير في عدد المهاجرين الجدد إلى الجالية مقترناً بالخوف والتعصب الشائعين في أوائل عشرينات القرن العشرين، وهي فترة أخذ الأميركيون العرب فيها يستقرون ويركزون أساساً على الذوبان في المجتمع الأميركي. وامتدت هذه الفترة من عام 1925 إلى عام 1965.
شكل صدور قانون الهجرة لعام 1965 تغيراً كبيراً في سياسة الهجرة الأميركية، من سياسة تفضل الهجرة من أوروبا إلى توجه أكثر مساواة إزاء الناس من مناطق غير أوروبية في العالم. ووضع القانون كوتا سنوية كلية لـ 170 ألف مهاجر بسقف ثابت من 120 ألفاً من نصف الكرة الغربي (أولاً) وحدّ أقصى سنوي للدول من 20 ألف تأشيرة هجرة، ومن عام 1965 وحتى يومنا هذا فإن الأفضليات لتأشيرات الهجرة تعطى للمّ شمل العائلات، واللاجئين والعمال ذوي المهارات العالية. وكنتيجة مباشرة لسياسات الهجرة الجديدة بين عام 1965 وعام 1992، هاجر 400 ألف عربي إلى الولايات المتحدة، وتشمل وجهات الاختيار الأخرى استراليا وكندا وأميركا الجنوبية وأوروبا.
ومنذ عام 2001 جعل مسؤولو الهجرة الأمور أكثر صعوبة أمام هجرة الرعايا العرب إلى الولايات المتحدة، فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 نظر المسؤولون الأمنيون في كيفية دخول الجناة إلى الولايات المتحدة، ووجدوا أن خاطفي الطائرات كانوا جميعاً ذكوراً، من الرعايا العرب الذين دخلوا الولايات المتحدة برّاً وجواً، وكثير منهم حصلوا على تأشيرات بأسمائهم الحقيقية. ونتيجة لذلك، ركزت سلطات الهجرة الأميركية وبشكل متزايد على الجنسية، وعلى الأخص استهدفت الرجال العرب والمسلمين.
وكان الأرجح رفض طلبات التأشيرة من الطلاب والسياح ورجال الأعمال من الشرق الأوسط وشمال افريقيا بعد الحادي عشر من سبتمبر، مما قلّص عدد المهاجرين الجدد وحالات التبادل الثقافي، كما أن الذين يقيمون في الولايات المتحدة بتأشيرات انتهى وقتها، أو أن الموجودين في أميركا بشكل غير قانوني قد تم احتجازهم وسجنهم وفي بعض الأحيان تم ترحيلهم. ولأن قوانين الهجرة كانت تطبق دون عدالة على العرب والمسلمين؛ فإن كثيرين اعتبروا التنفيذ الانتقائي للقوانين أمراً يرقى إلى التمحيص العرقي.
وباستهداف نسبة كبيرة من غير المواطنين فإن هذا التطبيق قد أثر كثيراً على الجالية والمنظمات المكلفة بحماية الأميركيين العرب من المعاملة التمييزية، ووفقاً لتعداد عام 2000 فقد اتضح، فيما يتعلق بالولادة في الخارج والجنسية الأصلية والجنسية الأميركية، أن حوالي 6 .6% من إجمالي السكان غير مواطنين، وكان أكثر من ربع الناس من أصل عربي غير مواطنين في عام2000.
وعند النظر إلى تقدير مكتب التعداد للعدد بحوالي 850 ألفاً حسب تعريفه للشخص من أصل عربي وردوا في مجموعة العينة، فإن هذا يعني أن 050 .215 عربياً في الولايات المتحدة يحملون بطاقة خضراء مؤقتة أو دائمة أو تأشيرة طالب أو عمل، أو بلا أي وضع مع سلطات الهجرة. وهذه الإحصائيات تعكس الأثر القوي الذي أحدثته التغييرات في قوانين الهجرة وتطبيقها اللاحق، على الجالية الأميركية العربية.
وفي شهر نوفمبر 2002 أصبح مشروع قانون الأمن الداخلي قانونا، وهذا العمل حوّل مهمات أجهزة الهجرة والتجنيس إلى مكتب جديد يسمى خدمات الجنسية والهجرة الأميركية، بينما وضع الإشراف على تنفيذ أجهزة الهجرة والتجنيس ضمن دائرة أمن الحدود والنقل والجمارك وحماية الحدود أو تطبيق قوانين الهجرة والجمارك.
وفي عام 2003 نفذت وزارة الأمن الداخلي برنامج تسجيل خاصا، والذي يعرف رسميا باسم نظام الأمن الداخلي لتسجيل الدخول والخروج. ووفقا لهذا البرنامج، كان يطلب من الذكور الذين تزيد أعمارهم على 16 سنة، والذين كانوا قد دخلوا الولايات المتحدة منذ أكتوبر 2002 من بلدان معينة، أن يراجعوا مكاتب الهجرة ليتم تصويرهم وأخذ بصماتهم على أساس سنوي.
وشمل هذا البرنامج رعايا من أفغانستان والجزائر والبحرين وبنغلاديش ومصر وأريتريا وأندونيسيا وإيران والعراق والأردن والكويت ولبنان وليبيا والمغرب وكوريا الشمالية وسلطنة عمان وباكستان وقطر والسعودية والصومال والسودان وسوريا وتونس والإمارات العربية المتحدة واليمن. وركز تنفيذ قوانين الهجرة، خصوصا هذا البرنامج، على العرب والمسلمين، حيث إن 19 بلدا من الـ 25 بلدا التي وردت في القائمة كانت عربية فيما عدا كوريا الشمالية، وكان جميعها عربيا أو ذا أغلبية مسلمة.
ووفقا لاتحاد محامي الهجرة الأميركي فإن أولئك الرجال الذين راجعوا مكاتب الهجرة كانوا «يتعرضون للاعتقال التعسفي والاحتجاز وإساءة المعاملة وربما الترحيل»، لكونهم ليسوا ضمن تصنيف سلطات الهجرة.
ومع أن النواحي الرئيسية لهذا البرنامج قد أوقفت في ديسمبر 2003 فإن الرجال الذين يندرجون تحت فئات التسجيل الخاص لا يزال عليهم أن يراجعوا سلطات الهجرة في مرافئ دخول محددة قبل مغادرة الولايات المتحدة. ويظل غير المهاجرين الذين هم مواطنون أو رعايا من العراق وإيران وسوريا وليبيا والسودان خاضعين للتسجيل الخاص عند الدخول إلى الولايات المتحدة، ويمكن تحويل آخرين للتسجيل الخاص وفق الحالات.
ونتيجة لهذا ولمبادرات أخرى، فإنه خلال فترة السنتين بعد الحادي عشر من سبتمبر، ازداد عدد أوامر الترحيل بحق أبناء الدول الأربع والعشرين ذات الأغلبية المسلمة بنسبة 4 .31%، ولم يكن هنالك زيادة سوى بنسبة 4 .3% في أوامر الترحيل لرعايا الدول الأخرى في الفترة نفسها. وهذه الحقائق جعلت قادة الجالية الأميركية العربية يتقدمون بشكاوى رسمية بالتمحيص العرقي.
وقد لخصّ أحد المحامين عن اللجنة العربية الأميركية لمكافحة التمييز، لخصّ رأي كثير من القادة بقوله «إننا لا نقول بعدم تنفيذ القوانين، لكن هذا تنفيذ انتقائي.
أدت الزيادة في الهواجس الأمنية إلى تمحيص عرقي واسع الانتشار للأميركيين العرب، وهو تمحيص مستمر حتى اليوم، والمطروح حاليا هو التوصل إلى طريقة لضمان الأمن الوطني دون انتهاك الحقوق المدنية الأصلية للأميركيين العرب.
أسباب الهجرة وخصائصها
جمعت العلاقات التجارية وليست الهجرة بين الولايات المتحدة والعالم العربي قبل عام 1880، ومن المعتقد أن أوائل العرب جاءوا إلى ما يعرف الآن بالولايات المتحدة، مع المستكشفين الأسبان في القرن الخامس عشر، وكان العرب يتاجرون بنشاط مع المستعمرات المبكرة.
ومع أواخر القرن الثامن عشر أقامت دول في شمال أفريقيا تحالفات اقتصادية وسياسية مع الثوريين الأميركيين، وكان الجزائريون يصدّرون الخيول لسدّ النقص في سلاح المشاة لجورج واشنطن، وهو النقص الذي تسبب في حرب الاستقلال.
وفي عام 1779 عندما تحطمت سفينة جزائرية على ساحل المستعمرات الثائرة، اختار البحارة أن ينزلوا في نورث كارولينا، لذلك يمكن لأبناء عائلة وهاب في نورث كارولينا أن يعلنوا أنهم أول المستوطنين العرب في أميركا.
وكانت المغرب أول بلد يعترف رسميا باستقلال الولايات المتحدة في «معاهدة الصداقة» بين العاهل المغربي، محمد الثالث، وجورج واشنطن عام 1787، ومنذ ذلك الوقت، كان للتجارة والسلع التجارية من الشرق الأوسط تأثير مهم على العلاقات الأميركية العربية.
بعض الحالات المعروفة للعرب الذين جاءوا إلى الجمهورية الجديدة قبل عام 1876 يتصدرها جيريميا محمد في فريدريك، ميريلاند، وأنطون بيشالاني في نيويورك (1854)، وحاجي علي وهو سائق جمل عرف باسم هاي جولي، في أريزونا (1856)، وجاء هؤلاء المهاجرون الأوائل إلى الولايات المتحدة سعيا وراء المغامرة وحب الاستطلاع، على نية العودة إلى الشرق الأوسط بحكايات مثيرة وربما ببعض المال في جيوبهم، ورغم نواياهم الأولية فإن معظم المغامرين الأوائل لم يعودوا إلى وطنهم أبدا، وماتوا، دون أبناء، نتيجة التقدم في العمر أو الأمراض، مثل السل، في الولايات المتحدة.
واحتفالا بالذكرى السنوية المئة للولايات المتحدة، استضافت فيلادلفيا المعرض المئوي في عام 1876، وتقبل السلطان العثماني عبد الحميد الثاني الدعوة لعرض السلع في ساحة المعرض، وشجع رعاياه على عرض سلع تبين أمجاد الإمبراطورية العثمانية. وأرسل العرب والأتراك 1600 شخص وشركة، فازوا بـ 129 جائزة، أكثر من جميع العارضين فيما عدا الولايات المتحدة وبريطانيا، وباع التجار والحرفيون العرب عددا من البضائع من القطن إلى القهوة ووجدوا أن بضائعهم مطلوبة، وخصوصا المسابح المصنوعة من خشب الزيتون، والصلبان التي نحتت في القدس.
وكانت هنالك معارض أخرى شعبية مثل المقهى التونسي الذي كان يقدم القهوة والحلويات والأراجيل، والكشك المغربي الذي تم استيراده سليما لبيع الفنون والأشغال الحرفية من شمال أفريقيا. وقد تأثر التجار كثيرا بمبيعاتهم والتقنية في المعرض، حتى إن بعضهم ظلوا وأقاموا مصالح استيراد. وعاد آخرون إلى وطنهم يحملون بضائع أميركية وحكايات عن الثروات التي يمكن جنيها في أميركا. وبذلك فإن معرض عام 1876، الذي أظهر للعرب أن بإمكان المرء أن تزدهر أحواله في الولايات المتحدة قد نسب له الفضل بالبدء بأول هجرة حقيقية من العالم العربي.
الموجة الأولى
خلال الهجرة الكبيرة (1880 ـ 1924) جاء أكثر من عشرين مليون مهاجر إلى الولايات المتحدة من كل أنحاء العالم، وفي ذروتها في 1905 ـ 1907، هاجر أكثر من مليون شخص في كل سنة، ومعظمهم من أوروبا الشرقية وإيطاليا واليونان، وكجزء من تلك الفترة في التاريخ الأميركي، جاء 95 ألف عربي من المشرق العربي، وجاءت أعداد أصغر من اليمن والعراق والمغرب ومصر. واستقر كثير من الوافدين الجدد الأصليين وكونوا أسرا في الولايات المتحدة، وبحلول عام 1924 يقدّر أنه كان هنالك حوالي 200 ألف عربي يعيشون في الولايات المتحدة.
ومن بين الموجة الأولى من المهاجرين العرب، كان حوالي 90% مسيحيين بينما كانت البقية دروزا ومسلمين سنّة. وكان المسيحيون، بشكل أساسي موارنة، مع أن الروم الأرثوذكس والكاثوليك كانوا من بين الأعداد غير المتناسبة من المسيحيين المهاجرين من المشرق العربي. ويقدر أحد المؤرخين أن ما بين 90% إلى 95% من المهاجرين جاءوا في الأصل من جبل لبنان، لكن مؤرخا آخر يقدر أن حوالي 10% قدموا من فلسطين التي كانت في ذلك الحين تحت الحكم العثماني.
ومن الصعب تقدير مثل هذه الأعداد بسبب وضع كل العرب تحت فئة «تركيا في آسيا» أو «سوريا». ووصل المهاجرون وفي جيوبهم بعض المال بين 1899 و1903، وكان معدل دخل الفرد 85ر31 دولارا بالنسبة للسوريين، مما وضعهم في المدى المتوسط لجميع المهاجرين، وهم يظهرون ما يحملون من مال عند مرافئ الدخول. وكان المهاجرون مزارعين وتجارا بالمهنة، وكان معظمهم ملاك أراض حتى وإن لم يكونوا يملكون سوى قطعة صغيرة من الأرض.
وكان عدد قليل من المهاجرين يستطيعون أن يقرأوا ويكتبوا العربية، مما يدل على أن كثيرين لم يكونوا قد حصلوا على ما هو أكثر من تعليم أساسي في المدارس التبشيرية التي كانت في ذلك الوقت منتشرة في جبل لبنان.
وساهم النشاط التبشيري في القرن التاسع عشر في المشرق في جاذبية الولايات المتحدة، وإن كان ذلك دون قصد. وذهب المبشرون المسيحيون من الولايات المتحدة وأوروبا إلى الشرق الأوسط لتحويل المسلمين والمسيحيين الشرقيين إلى المسيحية البروتستانتية، ومع أن جهودهم لم تكن ناجحة في المجال الديني، فقد كان لهم تأثير جوهري على محو الأمية وعلى التعليم في المنطقة.
وأقام المبشرون المدارس والكليات، وكثير منها مزدهر الآن، ومثال ذلك أسس المبشرون في لبنان الكلية السورية البروتستانتية عام 1866، ثم أعادوا تسميتها باسم الجامعة الأميركية في بيروت. وأسس الأميركيون الذين كرسوا أنفسهم للتعليم والخدمة في الشرق الأوسط، الجامعة الأميركية في القاهرة عام 1919، وتعد هاتان الجامعتان حاليا من الدرجة الأولى في المنطقة.
مسيرة صعبة
كانت الطليعة في الفترة المبكرة للموجة الأولى، 1880 ـ 1910، رجالا عزابا بين سن الرابعة عشرة والأربعين.(7) وكانت النساء يشكلن نسبة ضئيلة من المهاجرين من الإمبراطورية العثمانية حتى عام 1899، وبعد هذا العام ازدادت نسبة النساء بشكل مستمر. ووفقا لأرقام الهجرة المتوافرة فإن النساء شكلن 32% فقط من إجمالي المهاجرين بين عام 1899 وعام 1910، ومن عام 1919 إلى عام 1930 شكلن 5 .47% وكانت جميع المهاجرات الأوائل مسيحيات.
كان معظم المهاجرين يعرفون شيئا بسيطا عن البلد الذي كانوا يهاجرون إليه ـ وكان كل ما يعرفونه عنه أنه مكان حافل بالفرص المالية. وأخذوا ما يعرفونه من الحكايات التي تشبه المثاليات، والتي كان المبشرون والمهاجرون العائدون يروونها.
ومع أن «الفلاح السوري العادي كان مالكا للأرض» فإن العامل الرئيسي الجاذب للموجة الأولى من سوريا الكبرى كان اكتساب المال بسرعة والعودة إلى الوطن بثروة كافية لتحقيق المكانة الاجتماعية والترف لهم ولعائلاتهم. وفي الحقيقة فإن ربع المهاجرين فقط عادوا إلى لبنان، لكن كثيرا من هؤلاء العائدين اختاروا الهجرة من جديد إلى الولايات المتحدة، وسواء غادروا للمرة الثانية أم لم يغادروا، فإنهم عادوا إلى وطنهم بثروة وحكايات أثارت ما تسمى بالحمّى الأميركية ـ مغادرة العشرات من الأشخاص الآخرين عبر المحيط الأطلسي. وكان هنالك جذب آخر لهؤلاء الشباب ولبضع نساء، في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وهو اللهفة للذهاب إلى أرض جديدة وخوض مغامرات مثيرة.
ومع هجرة المزيد من الأشخاص، تشكلت شبكات حتى إن المهاجر كان يعرف بالضبط كيف يتنقل في البلد الجديد، ولمن يمكن أن يعمل، وأين يمكن له أن يعيش. ومع مرور الزمن، أصبحت المغامرة مخاطرة محسوبة لتحسين الوضع المالي أكثر من كونها رحلة مثيرة في المجهول.
ومهما كانت المكاسب الاقتصادية والمغامرة في الولايات المتحدة أمرا مغريا، فقد كان يمكن أن تكون هجرة صغيرة دون بعض العوامل الدافعة، ومع أنه كان هنالك كثير من الجدل حول دور الحكام العثمانيين والضرائب والصراع الديني والاضطرابات السياسية، فإن فترة 1861 ـ 1914 كانت هادئة ومزدهرة نسبيا بالنسبة لجبل لبنان.
وفي لبنان أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كانت الهجرة بسبب تزايد التوقعات المادية للقرى والمزارعين: «لم تكن الهجرة التي حرمت لبنان على الأقل من ثلث سكانه، نتيجة الفقر أو الاضطهاد، فقد غادر الرجال الجبل بحثا عن طريقة لتأمين وربما لتحسين مستوى معيشة اعتادوا عليه خلال الأيام الطيبة من ستينيات القرن التاسع عشر».
كان أهم محصول في جبل لبنان الحرير، وبحلول عام 1879 كانت أغلبية الدخل للفلاحين في جبل لبنان ترتبط بصناعة الحرير. وكانت ستينيات القرن التاسع عشر وسبعيناته أوقاتا مزدهرة، وكانت أسعار الحرير مرتفعة. وبحلول ثمانينات القرن التاسع عشر كان سعر الحرير يتراجع، بينما كان السكان المتزايدون يعتمدون على الأرض بشكل متزايد. وكان كثير من أبناء الجبل الذين ولدوا بعد عام 1860 يتوقعون تحسين مستوى معيشة آبائهم وكانوا محبطين لأنهم لم يستطيعوا تحقيق ذلك. وهذا الإحباط دفع كثيرا من الفلاحين الشبان إلى الهجرة من قراهم إلى الولايات المتحدة.
وكان على هؤلاء الشبان والشابات أن يجمعوا ما يكفي من المال لرشوة المسؤولين العثمانيين، ولدفع أجرة الرحلة البحرية، وأن يكون لديهم بعض المال لتغطية حاجتهم إلى أن يرسخوا وضعهم في بلدهم الجديد. وكانت كلفة تصريح السفر أكثر من كلفة رشوة ضباط الشرطة للركوب في السفن المتجهة إلى مرسيليا أو برشلونة أو ليفربول.
وعند الوصول إلى أوروبا كان يمكن للمهاجر أن ينتظر في منطقة المرفأ قدوم مركب ثان يحمله إلى أميركا الجنوبية أو الوسطى أو الشمالية. وكان هؤلاء المهاجرون يسافرون بأدنى درجة على ظهر المركب الذي كان يكتظ بالركاب إلى أقصى حد، دون طعام أو مياه أو مرافق صحية كافية.
وكانت الرحلة فرصة للتعرف إلى مهاجرين آخرين وعقد صداقات جديدة من قرى أخرى ـ وكما ظهر من غرق سفينة تايتانيك، والتي مات فيها أكثر من مئة سوري، فإن هذه الرحلة عبر الأطلسي كانت في أغلب الأحيان محفوفة بالمخاطر. وكان مشغلو السفن المجردون من الأخلاق يستغلون المهاجرين الطامحين بالمغالاة في الأجرة التي يتقاضونها مقابل الرحلة أو بأخذهم إلى وجهات أخرى. وكان كثيرون يعتقدون أنهم ذاهبون إلى نيويورك وعند الوصول يكتشفون أنهم في حقيقة الأمر في أميركا الجنوبية.
وخلال العقد الأول من القرن العشرين، تغيرت دوافع المهاجرين من دافع تحسين الوضع المالي إلى دافع اليأس، فالتجنيد الإجباري للشبان المسيحيين والدروز في الجبل، في الجيش العثماني من عام 1908 فصاعدا، جعل كثيرا من الشبان يهربون من قراهم لتجنب الموت، لأن الجنود العرب كانوا يوضعون على جبهة القتال، وفي عام 1917 فرض الأسطول البريطاني والتونسي المتحالف حصارا على سواحل سوريا ولبنان لمنع تصدير الطعام من الجبل لإطعام الجنود العثمانيين على الجبهة.
وحقق الحصار هدفه وأوقف المواد الغذائية المستوردة والحوالات النقدية من الخارج من دخول المنطقة، وأدى استيلاء الجنود العثمانيين على المواد الغذائية وانتشار وباء الحمى الصفراء وزلزال مدمر عام 1918 إلى تعقيد آخر للتأثيرات المؤدية للحصار البحري الذي فرضه الحلفاء. ويقدر أن ربع سكان جبل لبنان ماتوا من المجاعة خلال الحرب العالمية الأولى.
وكما هي حال المهاجرين الأوروبيين فإن اليأس ونقص الغذاء كانا عاملين دافعين واضحين للهجرة خلال السنوات الأخيرة من العقد. وخلق رحيل كثير من الشبان وبضع شابات في ثمانينات القرن التاسع عشر ظروفا جديدة على جبل لبنان بحلول تسعينات القرن التاسع عشر، فقد كان الهيكل الأبوي التقليدي يعتمد على تقسيم جندري للعمل ـ كان الرجال يعملون خارج البيوت وكانت النساء ينجبن الأطفال ويهتممن بالعائلة، ومع مغادرة الرجال أصبحت النساء محور العائلة حيث يتعاملن مع الزراعة والقرارات العائلية.
ومع أن معظم المهاجرين غادروا وفي نيتهم إرسال الأموال إلى عائلاتهم، على شكل حوالات، فإنهم كانوا يرسلون في السنوات القليلة الأولى مبالغ قليلة، «وكان ما يتم إرساله يرمي في الأساس إلى شراء ممتلكات باسم الرجل». وهذا ترك بعض النساء يحملن أكثر من طاقتهن ويجشن غضبا على الجبل.
وطوال الفترة الكاملة للهجرة (1880 ـ 1924) كانت معظم النساء اللواتي هاجرن متزوجات وذهبن للانضمام إلى أزواجهن وللمشاركة في تحمّل أعباء تربية عائلة، أو ذهبن بدون أزواجهن لتحسين وضع العائلة المالي أو للهرب من زواج سيء، مثلما فعلت والدة الشاعر والفنان خليل جبران عام 1895.
وإذا عادت هؤلاء النساء المتزوجات بعد ثلاث أو أربع سنوات، فإنه يقال إنهن أحضرن معهن 300 أو 400 دولار وهي الأموال التي اشترى بها الكثير منهم أرضا لزراعة المحاصيل للبيع أو لتلبية حاجة العائلة. وفي هذه الفترة كانت نسبة كبيرة من المهاجرات غير متزوجات (6 .38% فوق سن الثامنة عشرة).
ومع منتصف تسعينات القرن التاسع عشر كان الرجال العزاب نادرا ما يعودون إلى قراهم للبحث عن عروس. ومع بداية القرن العشرين بدأت الفتيات العزباوات يهاجرن للعثور على زوج أو للهرب من قسوة حياة القرية، واكتساب الحرية التي تجيء مع دخل يمكن صرفه في مجتمع مختلف.



