أخذاً في الاعتبار أن أميركا تعتبر التشدد عدوها الأول، فإن المرء سيتوقع من واشنطن أن تدعم ظهور حركة علمانية جماهيرية في باكستان. ولكن ماذا إذا كانت هذه الحركة مستنفرة ضد الرئيس وقائد الجيش الباكستاني الذي يعد حليف واشنطن الرئيسي في الحرب على الإرهاب؟

أثارت إقالة الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف لافتخار شودري كبير القضاة مؤخراً على خلفية اتهامات بإساءة استخدام السلطة بصورة غير متوقعة، حفيظة كثيرين على نطاق واسع. وقاد المحامون الهجوم، انطلاقاً من أن مشرف ليست لديه سلطة دستورية لإقالة شوردي.

وخرجوا مواجهين هراوات الشرطة، وعمليات الاعتقال والغازات المسيلة للدموع، في مظاهرات عامة بأجندة ذات هدف واحد: وهو إعادة كبير القضاة إلى منصبه. وقد غدت عباءاتهم السوداء رمزاً للنضال بين المؤسسة العسكرية والدستور. وشاركتهم في التحرك الأحزاب السياسية الرئيسية.

حسمت المؤسسة العسكرية في باكستان طويلاً الأمور في الحياة السياسية للبلد، خفيةً وعلناً، بدعم من واشنطن عادةً. هذا الدعم عزز من موقف الدكتاتور العسكري السابق، الرئيس الجنرال ضياء الحق، الذي كبح جماح المعارضة السياسية من خلال التعذيب، السجن، الجلد وأحكام الإعدام. منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، دعمت واشنطن مشرف، الذي يقود باكستان باعتبارها دولة على خط المواجهة في الحرب على الإرهاب.

ابتعدت المؤسسة الباكستانية عن سياستها السابقة القائمة على دعم المتشددين. ونظر صناع القرار الغربيون إلى هذا الأمر باعتباره ضرورياً للحيلولة دون وقوع باكستان في أحضان الأصوليين. حيث توفر الحرب على الإرهاب الغطاء لموجة من «حالات الاختفاء» القسرية.

وتستهدف أجهزة المخابرات انتقائياً الصحافيين والناشطين سياسياً. وعلى امتداد الأشهر القليلة الماضية، شعرت واشنطن بالإحباط حيال ما تتصور أنه عدم كفاءة مشرف في تحقيق المطلوب منه في هذه الحرب، وكذلك تكهن أجهزة الإعلام بأن مشرف قد لا يكون مما لا يستغنى عنه وأن انسحابه أو إزاحته من السلطة لن يوصل باكستان بالضرورة إلى المتشددين. هناك شيء من الحقيقة في هذه التكهنات.

فالباكستانيون، خلافاً للصورة التي رسمها الساسة وأجهزة الإعلام، كيان تعددي. لقد صوتنا بصورة تقليدية لصالح الأحزاب العلمانية أو الوطنية، وليست الدينية أو السياسية. ولكن خلال انتخابات 2002، منع نظام مشرف رؤساء الحزبين السياسيين الرئيسيين، بنازير بوتو ونواز شريف، من خوض الانتخابات. قفزت الأحزاب الدينية إلى هذا الفراغ. وشكلت الحكومات في المقاطعتين الغربيتين متاخمتين لأفغانستان.

مع ذلك، فلم تحصل على أكثر من 13% من إجمالي الأصوات. إن الدعم الذي يتم تقديمه لكبير القضاة يتصاعد ليغدو حركة جماهيرية شعبية ليست لها علاقة بالدين. وهذا أمر يجب تشجيعه، في مرحلة يشعر كثيرون أنها لحظة حاسمة في تاريخ باكستان.

خضعت باكستان لبعض التغييرات الإيجابية في الأعوام الثمانية لبقاء مشرف في سدة الحكم. فمعدل النمو الاقتصادي المرتفع لا يسبقه إلا نظيره في الصين، ولكن مع معدل تضخم مرتفع ونسبة بطالة عالية، وقد اتسعت الهوة بين الأغنياء والفقراء.

ولا تزال وزارة الخارجية الأميركية تؤكد أن الجنرال مشرف لم يبلغ بعد «نهاية مساره»، ولكن هذا المسار، كما يذهب فروخ سليم الكاتب الذي يتخذ من إسلام أباد مقراً له إلى القول، يتشعب الآن إما إلى الديمقراطية أو القمع (وما من خيار ثالث).

إذا أجريت الانتخابات المقررة في أواخر العام الحالي، فإنها ستغدو بلا معنى إذا مُنع حزب بوتو وشريف مجدداً من خوضها، أو إذا أطيح بمشرف من منصبه لا لشيء إلا ليحل محله جنرال آخر يتولى الحكم.

إن النضال من أجل باكستان تعددية وعلمانية يجب أن يُدعم ويُسمح له بالتطور. ويجب السماح للعملية السياسية بالاستمرار، والسماح للشعب الباكستاني بصياغة مصيره بنفسه من دون أي تدخل.

ترجمة: كوثر علي ــ عن «بوسطن غلوب»