عند تنصيبي رئيسا للبلاد في فبراير 2003 وضعت نصب عيني أهمية تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية للسياسة القومية للبلاد. هذه الأهداف هي تأسيس ديمقراطية نيابية وتنمية متوازنة للمجتمع وتدشين عهد جديد من السلام والرخاء في شمال شرق آسيا.

وهذا الهدف الأخير بالتحديد يمثل دائما حجر الزاوية للسياسة الخارجية لدولتنا، حيث نسعى إلى بناء مجتمع في شمال شرق آسيا يقوم على نظام جديد من التعاون والاندماج يتعدى في آفاقه الحدود الضيقة لمشاعر العداء والصراع بين دول هذا الجزء من العالم. إنني أرى أن لهذه السياسة أهمية حيوية لضمان بقائنا وتعزيز فرص ازدهارنا.

لقد كنت أتمنى وأتصور أن تبذل اليابان جهودا حثيثة من أجل تخفيف العبء الواقع عليها منذ زمن الحرب وذلك من خلال الاستماع إلى صوت الضمير والحكمة. ولكن على العكس وجدتُ أن اليابان قد اتخذت سلسلة من الأعمال لتبرير تاريخها العدواني.

وذلك بزيارة الساسة اليابانيين وتمجيدهم لضريح ياسوكوني الذي يكرم مجرمي الحرب اليابانية وتشويه كتب التاريخ والادعاء أن لها حقوقا في جزر دوكودو الكورية وإنكار أن الجيش الإمبراطوري الياباني قد دفع النساء الآسيويات أثناء الحرب العالمية الثانية إلى القيام بأعمال بغاء.

مثل هذا النوع من السلوكيات لا يمكن تحمله على الإطلاق، لاسيما عندما يصر بعض القادة السياسيين اليابانيين على تكرار هذه الأكاذيب والتشويه التاريخي. إن مثل هذه التصرفات تُسيء حتى إلى مستقبل اليابان فيما بعد، فالتاريخ الدموي والمأساوي لشمال شرق آسيا لا يجب أن يتكرر. ولهذا السبب فإن هناك حاجة ماسة إلى وجود مجتمع إقليمي يعززه تعاون واندماج مؤسسي.

هناك حاجة ماسة إلى بذل مجهودات كبيرة من أجل تأسيس مجتمع إقليمي يقوم على التعاون والرخاء يمكن تحديد ملامحه في التالي:

-أولا: نحن بحاجة إلى إيجاد نظام إقليمي جديد للتعاون والتكامل الاقتصادي. وفي هذا الصدد نحن بحاجة إلى تعاون متعدد الأوجه في مجالات التبادل المصرفي والمالي وتحرير التجارة والطاقة والنقل وتوزيع البضائع والبيئة وذلك من أجل تحقيق التكامل بين الأسواق والمؤسسات العاملة في المنطقة.

ثانيا: نحن بحاجة إلى الوصول إلى نظام أمني متعدد الأطراف في منطقة شمال شرق آسيا. فالانجازات الأخيرة التي تمخضت عن المحادثات السداسية قد عززت من فرص التعاون الأمني المتعدد الأطراف في منطقة شمال شرق آسيا. وفي المستقبل ينبغي أن تتطور المحادثات السداسية لتصبح محادثات سداسية على مستوى وزراء الخارجية، على أن يجري على مسار منفصل عقد مناقشات بين الأطراف الستة المعنية حول آفاق السلام الدائم في شبه الجزيرة الكورية.

ثالثا: يجب تعزيز دور الولايات المتحدة في إنشاء آلية سلام وأمن في منطقة شمال شرق آسيا.

رابعا: نحن بحاجة إلى مواجهة الماضي وبناء أرض مشتركة من التفاهم التاريخي. لقد نجحت ألمانيا في مساعدة الآخرين على مداواة جروح الحرب العالمية الثانية التي عانت منها دول القارة الأوروبية. ومثل هذا التصرف قد أرسى أساسا نفسيا قويا لتحقيق الاندماج الأوروبي.

إن التجربة الأوروبية توحي بأننا يمكننا الاستفادة من دروس التاريخ وذلك من خلال علماء ومؤرخي القارة. وسعيا وراء هذا الهدف، فإن الحكومة الكورية قد أنشأت صندوق شمال شرق آسيا للبحوث التاريخية في 2006 وأدخلت تاريخ شمال شرق آسيا في المناهج المدرسية في صورة مقرر منفصل.

مثل هذه المبادرة لن تساهم في تشكيل هوية إقليمية مشتركة فحسب، وإنما ستساعد أيضاً في تحويل فكرة الوطنية الضيقة، التي هي تمثل السبب الرئيسي للصراعات والمشكلات، إلى قومية مفتوحة تصب في مصلحة الثقة المتبادلة والتفاهم المشترك.

قد تواصل منطقة شمال شرق آسيا تحقيق تقدم اقتصادي مبهر، غير أنها ستفشل في تطوير هذا التقدم ليصبح مركزا للحضارة إلا في حالة واحدة فقط، وهي أن تتبني نظاما مؤسسيا يقوم على السلام والتعايش كما هي الحال في أوروبا. لقد آن الأوان لدول شمال شرق آسيا أن تجتاز الحدود التقليدية التي يمكنهم وراءها العثور على مصالحهم القومية.

عن «كوريا بوليسي ريفيو»