تعتبر قرصنة الأفلام اليوم من أهم وأخطر التحديات التي تواجه صناعة السينما حتى باتت تهدد معظم شركات الإنتاج السينمائي في مختلف دول العالم بخسارة فادحة، نهايتها المحتومة التوقف عن الإنتاج، ما لم تتّخذ الإجراءات الوقائية لمحاربة القرصنة وتجريمها قانوناً.
في فبراير الماضي حدث أن نجح أحد القراصنة الأميركيين في العثور على مفتاح فك شيفرة النظام السري الذي من المفترض أنه يحمي أحدث مشغلات أشرطة (دي في دي) العالية الوضوح ضد محاولات القرصنة والنسخ الإليكتروني عبر الإنترنت وذلك بعد ثلاثة أشهر فقط من طرح هذه الأجهزة في الأسواق العالمية.
وقد باءت محاولات رفع مفتاح الشيفرة من مواقع الشبكة العنكبوتية بالفشل بل انها جاءت بنتائج سلبية أدت إلى انتشار الشيفرة بين عدد أكبر من المواقع فضلا عن أنها انتشرت بين كلمات الأغاني وطُبعت على قمصان الشباب. وكي يزيدوا الطين بلة اكتشف قراصنة آخرون أنهم، من خلال فصل شريحة إليكترونية عن بعض مشغلات ال دي في دي، يستطيعون التحايل على نظام التشفير بالكامل.
غير أنه على الرغم من كل هذه النكسات، كما تقول مجلة «نيوساينتست» التي أفردت للقضية تغطية مميزة في أحد أعدادها الأخيرة، إلا أن القائمين على صناعة السينما لم يتوقفوا عن محاولاتهم لحماية حقوق الطبع. فبعد أن تملكتهم حالة عميقة من القلق في أعقاب الفرص الهائلة التي أتاحتها تقنيات التصوير والإذاعة الرقمية للقراصنة وتمكينها لهم بتبادل الأفلام والأغاني عبر الإنترنت.
دخل القائمون على الصناعة في تحالف مع عدد من استوديوهات السينما والتصوير في العالم وكذلك شركات إنتاج وتوزيع عالمية وشركات بيع وإنتاج أجهزة إليكترونية من أجل التوصل إلى خطط من شأنها تغيير الطريقة التي نرى بها التلفزيون بغية قطع الطريق على محاولات القراصنة السطو على الأفلام.
الفكرة التي تدور في أذهان المهتمين بالأمر تقوم على إضافة لاصقة توضع بشكل مخفي على كل إنتاج تلفزيوني رقمي بحيث يجري قراءتها بواسطة شريحة أمنية في جهاز الاستقبال التلفزيوني الموجود في منزل الشخص الذي بدوره يجري التحكم فيه من قبل شركات السينما العالمية.
هذه التقنية من شأنها أن تفرض حدودا وقيودا على الأسلوب الذي يجري به التعامل من قبل المستهلكين مع أجهزة التسجيل الرقمي الشخصية، ومن ثم تحجيم القدرة على النسخ والتسجيل ونقل هذه القدرة إلى أيدي استوديوهات التصوير وجهات الإذاعة والإنتاج السينمائي.
وفي حال أدت هذه التقنية إلى النتائج المرجوة منها، فإنها ستساعد على منع القراصنة من القيام بنسخ غير قانونية للأفلام السينمائية والعروض التلفزيونية وإذاعتها على مواقع الشبكة العنكبوتية. غير أن المشاهد البريء الذي لا حول له ولا قوة والذي لا يسعى إلى نسخ أي أشرطة ولا يعلم أي شيء عن القرصنة في الأساس.
هذا المشاهد سيتأثر بشكل كبير، على حد قول باحثي مؤسسة إليكترونيكس فرونتيرز فاونديشن، المعروفة اختصارا بـ (إي إي إف). فتطبيق مثل هذه التقنية قد يمنع الشخص من تسجيل مسلسله المفضل أو حتى إيقاف أي برنامج يذاع على الهواء أو يمنعك من مشاهدة فيلم مسجل لأنك ببساطة قد شاهدته من قبل!
والأسوأ من ذلك هو أن تلك المحاذير التي قد تتمخض عن استخدام التقنية الحديثة قد تتغير بحسب رغبة الطرف الذي يملك الحقوق، على حد تعبير بين بوشلز، منسق السياسات في مؤسسة إي إف إف. يضيف المسؤول: «قد تستطيع اليوم تسجيل برنامج ونقله على شريط «دي في دي» وبعد أسبوع واحد فقط يمكن أن ترى نفسك غير مخول لعمل الشيء نفسه».
وأشارت المجلة إلى أنه صدر حكم قضائي في الولايات المتحدة عام 2005 يمنع تداول نظام مشابه لحماية حقوق الطبع والنسخ. غير أنه على الرغم من كل ذلك فإن القائمين على الصناعة مصممون على نشر هذه التقنية في أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا وآسيا. ومن المقرر أن تنجز اللمسات النهائية لهذا النظام بحلول نهاية العام الجاري على أن يجري طرح النظام في الأسواق العالمية بعد ذلك بفترة ليست بالطويلة.
ويحذر الخبراء من أنه في حال حدوث مثل هذا الأمر فإن التقنية قد تعاود الظهور في السوق الأميركية باعتبار أنه وقتها ستكون قد انتشرت في العالم بأسره ولن يوجد حينها مبرر لحظرها في سوق كبيرة مثل سوق الولايات المتحدة.
والأمر بالطبع لا يحمل أي مفاجأة أن يشعر القائمون على صناعة السينما في العالم بهذ القدر من الخطر والتهديد. فقد قوّت شبكة الإنترنت من شوكة القراصنة بشكل كبير للغاية وسهلت كثيرا من مهمة كل من يريد نسخ وطباعة الأفلام. فبفضل السرعات العالية التي وصلت إليها تقنيات الاتصال بالإنترنت وكذلك بفضل قوة برمجيات ضغط البيانات، فإن الأشخاص العاديين.
ناهيك عن المحترفين، أصبح بمقدورهم توزيع الأفلام والشرائط الموسيقية وكليبات الفيديو وبرامج التلفزيون بسهولة بالغة عبر شبكة الإنترنت. وقد تزداد مهمة النسخ والتوزيع سهولة مع الانتقال إلى الاعتماد على التقنيات الرقمية في البث التلفزيوني وهجر البث التناظري الذي يبدو وأنه أصبح موضة قديمة.
غير أن هذا الاتجاه الذي تتبناه شركات الإنتاج السينمائي يُقابل بتحذيرات مفادها أن كل محاولة لتطوير برمجيات معقدة تهدف إلى تقويض قدرات القراصنة لن تدوم إلا فترة من الزمن سواء قصرت أو طالت هذه الفترة قبل أن يستطيع القراصنة تطوير آليات مضادة تهدم كل محاولات مكافحة القرصنة ومن ثم فإن الأمر يعني إهدار موارد مالية ضخمة بلا طائل.
يقول خبراء مؤسسة إي إف إف إنه بدلا من الاعتماد على تقنيات وبرمجيات الحماية ضد محاولات القرصنة التي من السهولة التغلب عليها، فإنه يجدر بهذه الجهات تبني نموذج جديد من العمل. يقول بوشلز في هذا الصدد: «نحن نعترف بأن القرصنة أمر سيئ للغاية ويمثل انتهاكا سافرا للحقوق. ولكن هناك وسائل أخرى يمكن من خلالها تعويض الفنانين من دون تقديم تقنيات جديدة تحد من خيارات الترفيه لدى المستخدم وبعد ذلك تصبح بلا فائدة عندما يطور القراصنة تقنيات مضادة».
وتقترح المؤسسة أنه بدلا من تلك التقنيات فإنه يمكن طرح مبدأ الحصول على رخصة جماعية تطوعية يقوم بموجبها المستهلكون بدفع رسوم شهرية بسيطة تسمح لهم بإنزال عدد لا محدود من النُسخ لأي عمل سينمائي أو تلفزيوني. ويضيف المسؤول في هذا الصدد أنه قد تبين جدوى مثل هذا الاقتراح من قبل عندما تم تطبيقه من قبل صناعة الإذاعة.
غير أنه يبدو أنه اقتراح بوشلز لم يرُق للقائمين على صناعة السينما، حيث تشير التقارير إلى أن كبراء المسؤولين في هوليود والقائمين على صناعة التلفزيون في الولايات المتحدة الأميركية قد جاءوا ببديل آخر يقوم على إنفاق ما يعادل ثلاثة ملايين جنيه إسترليني في صورة إعلانات سينمائية وتلفزيونية تهدف إلى إيقاف عمل هؤلاء القراصنة عن طريق تشويه صورتهم اجتماعيا وجعلهم يشعرون بالذنب على ما يقومون به.
يقول ليز بيلز، المدير العام لمؤسسة اندستري تراست: «نحن نريد خلق حالة من الكره العام ضد هؤلاء القراصنة ونريد إشعارهم بالجرم الذي يرتكبونه، وسننجح في هذا الأمر، حيث إنه اتخذت جميع الخطوات التي من شأنها البدء في هذا المخطط».
إعداد: حاتم حسين

