يقول رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، في هذا الحوار الوداعي، الذي أجرته معه صحيفة «لا ناسيون» الأرجنتينية، إن السمات الأيديولوجية القديمة باتت اليوم اقل أهمية من الوقوف إلى جانب الانفتاح أو ضده، على سبيل المثال، ويؤكد، مع خروجه من السلطة بعد مضي عشر سنوات على ممارسته لها، أن الكثير من المقترحات التي يتضمنها «الطريق الثالث» قد تم تبنيها في البلدان المتطورة.

كما يتحدث عن نتائج قمة مجموعة الدول الثماني، التي عقدت في ألمانيا مؤخرا، والحرب في العراق والمشاعر التي تراوده جراء ترك العمل في وظيفة عامة، إذ يرى أن «عشر سنوات مدة كافية». وفيما يلي نص الحوار:

ـ تكلمتم، مؤخرا، عن حرب باردة جديدة بسبب المقاومة الروسية للخطط الأميركية الخاصة بإنشاء نظام دفاعي مضاد للصواريخ في أوروبا الشرقية. بينما تحدث بوتين عن سباق تسلح جديد وعن احتمال أن تكون هناك، مجددا، صواريخ روسية موجهة لمدن أوروبية. هل هناك حقبة جديدة من التوتر عقب قمة مجموعة الثماني الأخيرة؟

- لا، أعتقد أن هناك رغبة بتخطي هذه الصعوبة، لكن المشكلات لا تزال قائمة والحقيقة هي أن الجميع يريد أن تكون له علاقة طيبة مع روسيا وأن الكل يدرك مدى أهمية ذلك، فهناك قلق عميق في أوروبا في هذه اللحظة ومن الواضح أن الجدال حول النظام الدفاعي القائم على الصواريخ البلاستية قد ولد حالة من التوتر، خاصة وأن هذه القضية لم تحل من قبل القمة، لكن هذه القمة أعطتنا الفرصة لتناول الموضوع مع الرئيس بوتين.

ـ تحدثنا إلى الرئيس بوتين، مؤخرا، وحججه ضد الدرع الصاروخية بدت لنا مفهومة للغاية..

- لكن الواقع هو أن الأميركيين قالوا بوضوح دائما إنهم يريدون تطويرها، وهذه الدرع الصاروخية لا تقدم أي إمكانية حماية ضد الصواريخ الروسية، وهي موجودة هناك بفعل السبب الموجودة لأجله، أي لأن الولايات المتحدة أرادت تطوير هذه التقنية لتأمين الدفاع ضد إمكانية أن تتمكن إيران أو كوريا الشمالية أو قوة نووية معادية أخرى بالظهور وبحوزتها صاروخ من الصواريخ ذات المدى البعيد.

ـ هل يمكن تفهم المخاوف الروسية من ألا تستخدم الصواريخ الدفاعية ضد إيران وإنما ضد روسيا؟

- هذا الأمر واضح منذ وقت طويل وذلك بحكم أنه ظل قيد التداول والنقاش طوال سبع سنوات أو ثماني سنوات. وهو ليس أمرا يكتشف فجأة. وأنا ربطتني دائما علاقة شخصية طيبة مع الرئيس بوتين وأود أن تربطنا علاقة طيبة مع روسيا أيضا.

لكن من الواضح أن هذه اللحظة تشهد سوء تفاهم أساسي بين الغرب وروسيا. ويتعين علينا محاولة الوصول إلى عمق القضية وحلها وإلا فإن ما سيحدث مع مرور الوقت هو انخفاض التعاملات التجارية إلى حدها الأدنى وذلك عكس رغبة الناس المتمثلة في زيادتها إلى الحد الأقصى.

ـ كيف تنظرون إلى اقتراح بوتين ببناء محطة رادار مشتركة مع الولايات المتحدة في أذربيجان؟

- لست مطلعا على ذلك الاقتراح وليست لدي معلومات تقنية كافية.

ـ حققتم نجاحا في قمة غلين إيغلز بالتمكن من جعل بلدان سبعة أخرى تتعهد بأن تزيد إلى الضعف مساعداتها إلى أفريقيا حتى عام 2010، مع أن الكثير من البلدان قد سجلت تأخيرا فيما يتعلق بالوفاء بتعهداتها. هل أنتم واثقون من أن هذا الوضع يمكن أن يتغير في عام 2010؟

- نعم، الجانب المهم في الأمر يكمن في وضع أفريقيا في بؤرة الاهتمام كل عام ولا بد من شحذ الهمة كل عام للوفاء بتلك التعهدات وتجديدها.

ـ لماذا تحتل أفريقيا مركز النشاطات السياسية؟ ألأن عددا قليلا من الموسيقيين يبدي اهتماما بها؟ أم لأن الصينيين يتغلغلون فيها؟

- لا، فهذه المسألة سابقة لقضية الصين وذلك على الرغم من أن هذه باتت تشكل الآن قضية في أفريقيا. في الواقع الأمر يعود إلى أنه يمثل قضية أخلاقية كبرى، حيث تبرز أمامنا قضية الايدز وربما نكون قد قمنا بإنقاذ حياة مليون شخص حتى الآن.

ـ كيف تقيم دور المستشارة أنجيلا ميركل في قمة مجموعة الثماني؟

- كان حاسما وحيويا، فلقد برهنت على أنها مفاوض فعالة للغاية والعمل معها يدعو إلى السرور والبهجة.

ـ ذلك السرور وتلك البهجة قد انتهيا بالنسبة لكم تقريبا. ما الذي ستفتقده أكثر؟ الفعاليات المهمة على غرار القمة الأخيرة؟

- حسنا، أنتم تعلمون أني قمت بهذا النشاط على مدار عشر سنوات وهي مدة كافية.

ـ عشر سنوات مضت وأنت تتربع على قمة الهرم السياسي لبلادك، التي تتركها بوضع جيد جدا: الاقتصاد ينمو، البطالة تهبط، ثمة ثلاثة ملايين فرصة عمل جديدة. لماذا يحس الجمهور البريطاني بخيبة أمل حيالكم؟ لماذا تبدو الغالبية سعيدة بتنحيكم عن منصبكم؟

- أتعلم أمرا؟ فزت بثلاثة انتخابات وما يحدث عندما يبقى المرء في السلطة لمدة طويلة هو أن الناس يشعرون بالملل من رؤية الوجه نفسه وسماع الصوت نفسه. هكذا تجري الأمور عادة.

ـ أليس ذلك جراء حرب العراق؟

- أعلم أن الناس يقولون إن مرد ذلك للعراق إلى آخر هذه الاسطوانة، لكن ذلك ليس صحيحا. فمنذ اللحظة التي يصل فيها المرء إلى منصب كهذا، فلا بد من أخذ قرارات لا تروق للناس. وإذا كان المرء قد بقي لمدة عشر سنوات، فذلك يعني أن أموره كانت تجري على خير ما يرام.

ـ خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، روجتم لنظرية «الطريق الثالث» كطريق حديث للتقدم بالنسبة للمجتمع الديمقراطي في أوروبا والولايات المتحدة. هل أخفقت «البليرية» خارج المملكة المتحدة؟

- على العكس، أنا لا أسمي ذلك «بليرية»، لكن الطريق الثالث عموما هو ما تسير على دربه غالبية الحكومات ـ المحافظة والتقدمية منها على حد سواء ـ في العالم المتطور في يومنا هذا، وما يثير اهتمامي هو أن بعض المميزات القديمة لليمين واليسار لم تعد مهمة، وأنا أعلم أن من غير الممكن الدفاع عن بوش في مجالات معينة، لكن إذا نظرنا إلى ما فعله بوش بسياسة الهجرة في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، أو سياسته التجارية.

فإننا سنجد أنه يقف بالجانب التقدمي من النقاش، لأنه منفتح وليس انعزاليا. أعتقد أن بعض سياسات «الطريق الثالث» هذه، التي توائم الفعالية الاقتصادية مع العدل الاجتماعي والتعليم وليس الانضباط، مع إصلاح الخدمات العامة القائم على الاستثمار لكن أيضاً مع شخصنة الخدمات والوقوف بصلابة ضد الجريمة وأسبابها، أعتقد أن كل ذلك أصبح الآن يمثل مواقف اعتيادية جدا في العالم المتطور بأسره.

ـ مع ذلك، فإن الكثير من الأحزاب اليسارية في أوروبا الغربية تعتبر «البليرية» أحد أنواع الليبرالية الجديدة.

- تلك الأحزاب هي من أحزاب المعارضة.. أليس كذلك؟

ـ عندما تنظرون إلى الخلف، ألن يكون العراق الكابوس الكبير لزمنكم وأنتم تعملون في الشأن العام؟

- أتعلم؟ أنا وأنت لن نتفق على هذا الأمر.

ـ إذا استهل المرء حربا، أليس مهما أن ينتصر فيها على أقل تقدير؟

- حسنا، اعتقد أننا لم نخسرها.

ـ هل أنتم على يقين؟

- نعم، أنا على يقين من أننا لم نخسرها وتعين علينا الاستمرار والانتصار فيها، لكن الصراع الدائر حاليا له طبيعة مختلفة. فالقضاء على صدام كان سهلا نسبيا، لكن عناصر أخرى دخلت على الخط منذ ذلك الحين وهذه العناصر تحاول إيقافنا، مثلما حدث في أفغانستان أيضا. كما يتعين علينا أن نكون على أهبة الاستعداد الآن للتعامل على المدى البعيد في هذين الصراعين، لأن أعداءنا سيقاتلوننا بشراسة.

ـ لورد أنتوني غيدنز، وهو أحد مبتكري الطريق الثالث، وصفكم أنتم وجوردون براون بأنكما تمثلان لينون ومكارتني السياسة البريطانية. هل يمكن لحزب العمال البقاء بنصف الثنائي؟

- لقد عملنا بتعاون وثيق جدا على مدار السنوات رغم التوترات والصعوبات التي تظهر عادة في المناخ السياسي. ولقد شكل ذلك جزءا كبيرا من نجاح الحكومة وأنا على يقين من أنه سيستمر في القيام بذلك.

ـ قال بيل كلينتون، حول وقته في البيت الأبيض، إنه استمتع بكل يوم قضاه هناك. هل يراودك الشعور نفسه؟

- أنا على يقين من أنه بوسعي تذكر بعض الأيام؟

ترجمة: باسل أبوحمدة عن «لا ناسيون»