منذ المواجهة العنيفة التي جرت مؤخراً في قطاع غزة، والتي تركت حركة حماس في موقع السيطرة الفعلية على القطاع وحركة فتح تلملم جراحها، فإن الأحداث تطورت بوتيرة سريعة تبعث على الدهشة. فقد أقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الحكومة التي تسيطر عليها حماس ومن ثم اعتمد حكومة طوارئ معظمها من الاختصاصيين التقنيين غير المسيسين.
يبدو الجميع متحمساً لدعم عباس، حيث تقول إسرائيل إنها ستبحث تسليم الضرائب المجمدة، الأمر الذي يمنح الزعيم الفلسطيني مصدراً مهماً للأموال، وقال الاتحاد الأوروبي وكندا إنهما سيستأنفان العلاقات والمساعدات و(التي سيذهب بعضها لصرف رواتب العاملين في جهاز الخدمة المدنية، بمن في ذلك رواتب العاملين في غزة)، وستبدأ المساعدات الأميركية أيضاً من جديد.
هناك أيضاً ضغط على إسرائيل لتنفيذ خطة لتقليل عدد نقاط التفتيش والحواجز في الضفة الغربية، ولإجراء المحادثات التمهيدية مع عباس حول الخطوط العريضة لقيام دولة فلسطينية مع عباس. ويقول ايهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي زار واشنطن مؤخراً، إنه مستعد للمزيد من المخاطر لتحقيق السلام مع الفلسطينيين.
على الرغم من أن عباس يقول إنه سيبسط سيطرته «على جميع مناطق الوطن، بغض النظر عما جرى في غزة»، فإنه يبدو أن الغرض من هذا هو منح الفلسطينيين خياراً قاسياً بين ضفة غربية مزدهرة تديرها فتح، حيث السلام يعد أملاً حقيقياً، وغزة مفككة وفقيرة في ظل قيادة حماس.
والمشكلة تتمثل في أنه ربما لن يتاح لهم الاختيار على الإطلاق. وبدايةً، فإن حكومة الطوارئ أمامها مدة قصيرة فقط ربما لا تتجاوز شهرين (وربما أقل، حسب تفسير المرء للقانون) قبل أن يتوجب إما تثبيتها من قبل المجلس التشريعي الفلسطيني أو حلها.
إن قرابة ثلثي أعضاء المجلس هم من حماس، على الرغم من أن أكثر من تصفهم مودعون في سجون إسرائيل. وأي تصويت لتثبيت الحكومة من قبل هذا المجلس العاجز قد يكون مشكوكاً فيه، وحماس ستواصل رفضه. قد يكون هناك بديل واحد أمام عباس وهو الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة. ولكنه لا يتمتع بسلطة قانونية للقيام بذلك.
ولو قدر له القيام بذلك على أية حال، فإن النتيجة قد تكون مرفوضة مجدداً من قبل حماس وأنصارها. وحتى في الضفة الغربية، حيث تعد فتح نوعاً ما أقوى منها في غزة، يظل هناك دعم كبير لحماس، الأمر الذي يترك فرصة ضئيلة لأن يتم النظر إلى حكومة عباس باعتبارها شرعية هناك.
غير أن هناك بعض المؤشرات على أن الانقسام بين حماس وفتح من شأنه أن يبرهن على أنه أقل تدميراً مما يخشى المتشائمون. أحد الأسباب يتمثل في أن الاشتباكات في غزة ربما كانت، في أحد جوانبها، تصفية حسابات لحماس في مواجهة فرد، وهو محمد دحلان، وليس محاولة من حماس للقضاء على فتح كليةً.
وقد كان أعضاء حركة حماس على الدوام يمقتون دحلان، الذي كان رئيساً لجهاز الأمن التابع لياسر عرفات في غزة في التسعينات. وكانت القوات الموضوعة تحت قيادته مسؤولة عن إلقاء القبض على كثير من ناشطي حماس وتعذيبهم.
في القتال الذي وقع مؤخراً تعرض منزل دحلان ومكاتبه للنهب والتدمير ولاذ كثير من أنصاره بالفرار (وكان قد غادر غزة قبل شهرين لإجراء عملية). والآن وبما أنهم قد رحلوا، فقد تخف حدة التوتر قليلاً. إن حماس ليست موحدة تماماً. وإسماعيل هنية، رئيس الوزراء السابق، رفض بغضب أن يكون عباس متمتعاً بسلطة تنحيته.
ولكن خالد مشعل، أحد قادة حماس الذي يتخذ من دمشق مقراً له، يبدو أنه أكثر حرصاً على المصالحة مع حركة فتح، حيث قال مؤخراً إن «المطلوب الآن هو التعامل مع الانقسام الفلسطيني»، وعارض مشعل أي محاولة لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية. ويبدو أن حماس ليست مستعدة لتوجيه الضربات اعتماداً على نفسها، وسيكون عباس أيضاً متردداً في القبول بفصل غزة كلياً. وربما يظهر في القريب نوع من التقارب بين الجانبين.
ترجمة: كوثر علي عن«إيكونوميست»